; آلام لا تترك أثرًا: | مجلة المجتمع

العنوان آلام لا تترك أثرًا:

الكاتب أمل زكريا الأنصارى

تاريخ النشر الثلاثاء 15-سبتمبر-1992

مشاهدات 64

نشر في العدد 1016

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 15-سبتمبر-1992

آلام لا تترك أثرًا:

بقلم: أمل زكريا الأنصاري

أحب مقارنة الأشياء.. فهي طبيعتي.. أقارن دومًا بين كل شيء.. الخير والشر.. الأسود والأبيض، النور والظلام.. الموت والحياة.. الجماد والنبات، حتى بين خلق الإنسان والحيوان..

وتأملت من حولي كل شيء.. حتى اعترتني مقارنة عجيبة بين السعادة والشقاء، والمسافة الطويلة بينهما، وقرأت قول الله عز وجل: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: 155)، وقرأت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله- تعالى- إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرِّضَا، ومن سخط فله السخط» (رواه الترمذي).. وقال: حديث حسن، فسألت نفسي كيف يكون الجزاء على عمل العبد المؤمن عظم البلاء من الله تعالى؟ وقد قال الله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ (الرحمن: 60)، وبعد لحظات تساؤل وحيرة وجدت أن قمة الإحسان في الابتلاء.. فقد يهدي الله بهذا البلاء للعبد حسنات لا يعلم مقدارها وتقديرها إلا الله تعالى.. يمحو به خطاياه، ويرفعه به درجات، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقي الله- تعالى- وما عليه خطيئة» (رواه الترمذي)..

وسألت نفسي مرة أخرى: لماذا يحزن العبد المؤمن لما يصيبه من البلاء وهو باب من أبواب الجنة يفتحه الله لمن يشاء، ولمن يصبر ويحتسب من عباده المؤمنين الصابرين في البأساء والضراء؟

هي النفس التي فطرها الله على حب الخير، وعلى طلب المزيد من الخير والسعادة، فما أن يتغير مسار تلك الأيام حتى يجزع العبد ويرثي حاله، ويظن أنها نهاية الحياة، وأنه انتهى وقُضِيَ عليه.. وينسى أن هذا البلاء الذي وقع عليه إنما هو بداية السعادة، ونهاية غضب الله عليه، ورضاه عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيرًا يصب منه» (رواه البخاري)..

والنفس المؤمنة الصادقة الإيمان، تعلم بأن الآخرة هي حياة المؤمن ومبتغاه، وحصيلة صبره وعمله، وألمه وجهاده، وطريق الوصول إلى لقاء الله، وهو على أتم استعداد لذلك اليوم، ولكن ماذا لو كان هذا البلاء أكبر مما يحتمل الإنسان؟.. وكيف يتقبله؟

لا يبتلي الله العبد بأكثر مما يحتمل، وإلا كانت المصحات النفسية عامرة، والقبور مليئة، والمستشفيات مكتظة، لا يجد فيها الفرد مكانًا حتى للوقوف.. إن الله تعالى يبتلي العبد بقدر تحمله، وإن فاق فلن يفوق قدرة عقله وجسده؛ فإن الله يضع كل شيء بتقدير وحساب، وعندما يحل البلاء يحل معه اللطف، ويمنح العبد معه الصبر، ثم ليضع المؤمن في اعتباره حين وقوع البلاء أن الله يحبه، ويريد به خيرًا، فإن هذا يهون عليه مصابه وألمه، ثم يتذكر الأجر والثواب من الله تعالى، ويتذكر الجنة، وهذا إن كان المبتلى صادق النية في احتسابه الأجر من الله، وصبره على البلاء، ويضع في اعتباره أن ما فقده ليس هو نهاية العالم، بل يجب عليه أن يعمل ويواصل ويجاهد في دعوته لله تعالى، ولا يفتر، وهذا ما يؤكد بأن في إيمانه قوة وصلابة ويقين..

ثم سألت نفسي مرة أخرى: ما هي يا ترى حقيقة الابتلاء؟

واكتشفت أخيرًا ما بحثت عنه طويلًا، بأن كل عذاب المؤمن وألمه وتمزقه تحت أي ظرف كان هو في الواقع رحمة.. رحمة من الله- تعالى- يبعثها للمؤمن، ولا يعذبه بها لينتقم منه.. نعم هي رحمة وهدية من الله- تعالى- لدخول جنة عرضها السماوات والأرض، لمن صبر واحتسب صادقًا مخلصًا لله تعالى.. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (الزمر: 10)، ثم عجبت لأمر المؤمن في تحمله للبلاء، فعلمت أنه يزيده قوة في دينه، وثقة، وصلة بالله تعالى لا تنقطع.. ينزل عليه البلاء الشديد كضرب السياط على ظهره، وكالحرق يصيبه، ولكنه لا يشوه جسده، فيخرج العبد المؤمن من هذا البلاء مؤمنًا قويًا، ذا عزيمة وجلد.. فالابتلاء لا يترك أثرًا سيئًا في نفسه، لا يعيقه عن أداء عبادته وجهاده ومسؤوليته.. فيا عَجَبًا لآلام لا تترك أثرًا!

فعلمت أن الفرق بين السعادة والشقاء إنما هي نظرة إيمانية صادقة يعرف بها العبد أن في كل أمر خيرا، وهذا دأب المؤمن.






 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل