; مشكلات عقائدية معاصرة | مجلة المجتمع

العنوان مشكلات عقائدية معاصرة

الكاتب الشيخ عثمان صافي

تاريخ النشر الثلاثاء 12-أغسطس-1975

مشاهدات 15

نشر في العدد 262

نشر في الصفحة 15

الثلاثاء 12-أغسطس-1975

على إثر تفرع المعارف الإسلامية إلى اختصاصات بعد أن كانت كلًا مترابط الأطراف يستجمع الدين بأكمله اختير للشعبة التي تعالج الشؤون العقائدية ما يسمى بعلم التوحيد أو علم الكلام كما هو معروف.

واعتبر هذا الاختصاص أصلًا للعلوم الشرعية على اعتبار أنها تتوقف عليه، إذ على أساس إثبات وجود خالق للكون، وصحة رسالة محمد عليه الصلاة والسلام وما جاء به من عند الله، على هذا الأساس، يتوقف قبول سائر المعارف الشرعية الأخرى من تفسير وسنة وشروح، وأصول فقه وفقه وغير ذلك.

وفي تصنيف لأبحاث علم التوحيد، قسم المختصون تلك الأبحاث إلى ثلاثة أبواب رئيسية:

الإلهيات، والنبوات، والسمعيات.

القسم الأول تنحصر مسائله في الأمور المتعلقة بالله -عز وجل- وصفاته، والثاني بقضايا الرسالة والنبوة، والثالث بالقضايا الإيمانية التي يتوقف التصديق بها على النقل، أي ما أنبأنا به الوحي، عن طريق القرآن الكريم والسنة المطهرة من أخبار الغيوب على الأخص منها ما يأتي بعد الموت من الحياة البرزخية والحساب والصراط والجنة والنار مما لا حظ للعقل في إثباته، وإن كان لا يتعارض مع العقل، بمعنى أن العقل إن عجز من تقريره فإنه لا يمتلك أن يرفضه فضلًا عن أن ينقضه.

ويذهل طالب العلم عن مسألة جوهرية بالغة الأهمية تتعلق بأبحاث التوحيد بأقسامها الثلاثة، وهي أن مهمة المختص لا تقتصر على مجرد ما يظن أنه إثبات لما اصطلح أن يسمى بالدعاوى: كدعوى وجود الله عز وجل، والرسالة، والقرآن، وما أشبه، إذ نظرًا لطبيعة الإنسان الذي وصفه القرآن الكريم بأنه ﴿أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾، فإن المهمة الوظيفية لعالم التوحيد تتطلب منه أن يستمع إلى اعتراضات الخصوم، ويتعقبها ويكشفها شبهة شبهة، ولذا نظرًا لما تثيره الملاودات العقائدية من جدل فقد غلب على هذا العلم أن يطلق عليه اسم آخر هو علم الكلام. وهو أحد تعليلين لإطلاق هذا الاسم عليه، والتعليل الثاني أنه سمي بهذا الاسم للخلاف الذي بلغ درجة التأزم حول صفة «المتكلم» وزعم خلق القرآن الكريم الذي ابتدعه المعتزلة، والتعليل الأول أوجه.

المهم إثباته هنا وتقريره، حقيقة أن السلف الصالح من العلماء كانوا على وعي تام، ويقظين على الحقيقة السابقة، وهي وجوب تعقب شبه الخصوم، وإدحاضها وبرهان ذلك بالغ الاستفاضة، وهو يتجلى، لا في مصنفات علم التوحيد وحسب، بل في الكتب التي خصصت للتعريف بالفرق الضالة وبيان بدعها وضلالاتها.

قد يقال هنا: ولماذا حصر علماء التوحيد أبحاثهم في الإلهيات والنبوات والسمعيات، ولم يصنفوا كشف الشبه كقسم رابع؟ والجواب أن كشف الشبهات ليس قسيمًا لتلك الأبحاث، ولكنه يأتي تبعيًا لها جميعا فما من مسألة من مسائل أبواب علم التوحيد، إلا وتثير الشبهات عند فرقاء من الناس.

والأصل في الإنسان، أن يتقبل الحقائق، ويكون في غنى عن الجدل، ولكن هذه الصورة النقية نادرًا ما تحقق مع الأسف، إلا عند ذوي الفطر التي لم يصبها عبث العابثين بسوء. ففي الحديث الصحيح: «إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم».

قلنا: إن السلف الصالح ممن اشتغل بهذا الحقل من العلوم الشرعية سهروا على إسلامهم ورصدوا شبه الخصوم، حتى لا تكاد ترى مصنفًا في علم التوحيد إلا ويعرج مؤلفه على الزيغ الذي يتخذ مجرى في الأوساط الفكرية، ويجابه المروجين للأفكار الجانحة، مع عرض لآرائهم، بل وذكر لأسمائهم.

وبلغ النشاط العقائدي ذروته على إثر ترجمة الفلسفات الأجنبية، من إغريقية وغيرها ثم امتد حقبًا من الزمن من جراء تواجد مذهبيات كانت وليدة التلاقح بين الآراء والتفاعل بين العقائد. ولقد تصدى العلماء المسلمون-جزاهم الله خيرًا- بغاية الصراحة والموضوعية، ودون أي غمط للحقائق أو تجاهل لأدلة الخصوم التي كانوا كثيرًا ما يفترضون لها مدعمات واحتمالات.

ولكن، ما الذي حدث بعد ذلك؟ أيمكن للمؤرخ في الشؤون العقائدية تقرير حقيقة أن الفلسفات الغازية قد منيت بانهزامات أجهزت عليها، باستثناء بعض الآراء التي تقلصت وانحصرت ضمن نطاق النظرية، وحفظت- على مر الزمن- كتراث فكري تحت ظلال سماحة الإسلام.

وأما العقيدة التي سادت جماهير المسلمين من الأمة- علمائهم- حتى القاعدة الأميين منهم، فقد كانت عقيدة الإسلام، ليس ثمة مجال للمراء في هذا. وإذا كان أن فلسفات يتذاكر فيها المتذاكرون، وأفكار ظلت محل أخذ ورد، فما ذلك إلا من قبيل الترف العقلي، بدليل أن أيًا من المذهبيات التي كان يدعي أصحابها بالفرق الضالة لم تصمد على البقاء، ومن الشواهد على ذلك الواقع الذي نعيشه نحن اليوم، والذي يشهد بأن جمهرة الأمة الإسلامية تحمل عقيدة الإسلام حملًا صحيحًا باستثناء ما أحدثه الاستعمار من فرق ضالة جديدة، كالقاديانيين مثلًا.

بعد هذه المقدمة، تتجه تساؤلات تمس صميم حياتنا الإسلامية، العقائدية، وما يتفرع عنها: هل كان السلف من الأئمة يقومون بواجـب الحفاظ على العقيدة الإسلامية ورصد ما يستجد من الشبهات في عصورهم ودحض افتراءات المعادين، هل كانوا يقومون بذلك كنافلة من الطاعة وكعمل تطوعي؟

والجواب: أن ذلك كان من أمهات الواجبات الإسلامية التي ترقى لأن تصنف على مستوى واحد مع الجهاد، بفارق أن المنافحة عن العقيدة نظري للحفاظ على رسالة الإسلام، والجهاد عملي.

ثم: ما مدى ما ظل ذلك الواجب قائمًا ومستمرًا؟ ويمكن الإجابة عن ذلك بأنه بعد فتور النشاط العقائدي باستتباب الأمر لسلطان الإسلام والمسلمين، وانعزال التفلسف وتحوله إلى النظر البحت، ساد ظن بأن قضية رصد الضلال قد تضاءلت، غير أن الفرقة المهتدية لم تلقَ السلاح، وظلت أقوام يتحسسون خطورة الارتكان إلى السيادة التي كان يتمتع بها المسلمون في أواخر عصور الخلفاء، فلم يبرحوا مرابطين، ومن أبرز هؤلاء الأئمة ابن قيم الجوزية وشيخه ابن تيمية رحمهما الله، ومن سار من بعد على هداهم.

وأما السؤال الأهم فيتعلق بأوضاعنا نحن اليوم: ما مدى وعينا على ما يستجد من أحداث، وبغزو ساحتنا من أفكار وعقائد وآراء؟ هذا مع العلم بأن التاريخ يعيد نفسه ويستدير، لنشهد واقعًا لا يختلف في شيء عن عصر الغزو الذي واجهه العالم الإسلامي أيام ترجمة الفلسفات التي دخلت ساحته في عصر العباسيين. إننا- إن نحن واجهنا الواقع الذي نحياه دون مواربة- نجد مفارقات خطيرة بين الواقع الذي نعيشه اليوم وذاك الذي مضى. ففي تلك العصور كانت الدولة للإسلام، وما نُقل من الفلسفات الوضعية- على قوتها وما تحمله من مغالطات- لم تستطع الصمود في وجه دعوة الإسلام التي كان أنصارها وأتباعها على مستوى القمة من العلم والفهم والإدراك.

مقابل هذه الصورة، ما حالنا اليوم؟

لقد تجمعت المذهبيات المفرقة في القدم أثوابًا جديدة. ودخل عنصر العلم كمؤازر للتضليل، كما تلعب القوى السياسية أدوارها، كل هذا، مع ندرة المخلصين من العلماء.

لماذا هذه السلسلة من الأبحاث؟

لهذه السلسلة من الأبحاث قصة!

لقد قامت في إحدى مدن لبنان- أواخر الأربعينيات- حركة إسلامية من نفر من المؤمنين، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر. وكان حركة ساذجة، ولكنها طاهرة، لم تكن لها أية دوافع أو صلات بأية جهة سياسية أو غير سياسية، وبموجب مناهضتها للبدع والمنكرات كان لابد لها أن تواجه معارضة، ولم تكن ثمة وجاهة لناقديها، سوى كلمة سمعها بعض أفرادها من أحد المسلمين حيث قال: «ومن أين أتى هؤلاء بعلمهم؟» وكان لهذه الكلمة وقعها لأنها كلمة حق، وعلى الفور تقدمت طليعة تلك الفئة إلى مدير معهد شرعي في تلك المدينة، طالبة الانتساب، فقُبلوا جميعًا وفتح لهم فصل خاص.

أحد هؤلاء، أمكن له متابعة الدراسة، وبعد أن نال شهادة القسم التحق بكلية أصول الدين في جامعة الأزهر. وهو منتظم في الدراسة، لم يشعر أنه انتقل إلى المناخ الإسلامي النظيف، بل قضى فترة وجوده في حالة من متابعة الجهاد الذي ابتدأه.

وعلى سبيل المثال، نذكر حادثتين جرتا له مع أستاذين، أحدهما يدرس مادة «فلسفة الأخلاق» والثاني «تهافت الفلاسفة» والأخيرة مادة مقرر فيها تدريس كتاب الغزالي نفسه الذي يحمل هذا الاسم.

أما الأولى، فقد ورد في أحد الدروس التي يعطيها الأستاذ بمسألة القيم الأخلاقية، إن كانت تكونت بمقتضى نظرية النشوء والارتقاء وعن طريق التطور، أم هي قيم أزلية أبدية؟ قال الأستاذ: إنه يرى الأول، ومما قاله وبالحرف الواحد: «أرأيتم الحمار والحمارة حين يلتقي أحدهما بالآخر في الطريق ما الذي يصنعانه؟ وهكذا كان الإنسان الأول!».

اعترض الطالب، واستنكر التعبير بالإنسان الأول، وهو الاصطلاح الذي درج على استعماله أصحاب نظرية داروين، ووجه إلى الأستاذ السؤال الآتي:

«نحن مسلمون، ومؤمنون بالقرآن، وهذا أصل ثابت ندرسه في الكلية هنا ضمن أبحاث علم التوحيد. وقد ذكر في القرآن صراحة أن الله تعالى خاطب آدم -عليه السلام- وزوجه، ومما قال لهما ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ﴾ (طه: 123) فالهدى المقصود في الآية ألا يتضمن تلك القيم التي هي محل بحثنا؟ فإن قلت بالإيجاب سقطت نظرية تطور القيم وإن قلت بالنفي طعنت بالقرآن!» ثم جرى ما لا أذكره من المشادة الكلامية بينهما.

وأما الحادثة الثانية فهي أدهى.. الأستاذ الذي عهد إليه أن يدرس مادة تهافت الفلاسفة، المطلوب منه أن ينقض مذهبهم في المسائل التي أوردها الغزالي -رحمه الله، ومنها قدم العالم، وبدلًا من ذلك، جاء ليثبت للطلاب قدمه.

اعترضه الطالب قائلًا: «يا أستاذ أنت مكلف أن تشرح الكتاب -وكان قاصرًا عن أن يفهمه- وهذا يعني أن تبطل رأي الفلاسفة في الموضوع، كي تجلب إلى نفوسنا الاطمئنان بحدوث العالم» فانتهره الأستاذ.

تابع الطالب قائلًا: «ولكن الله تعالى ذكر فيما لا يحصى من الآيات أنه بدأ الخلق، وبرأ الخلق، ومفهوم «الخلق» يستلزم أن يكون سبقه تقدم لوجود الخالق، وتأخر لوجود المخلوق، فكيف نوفق بين رأيك في قدم العالم الذي تابعت فيه الفلاسفة، وبين كلام الله تعالى»؟

انفعل الأستاذ، وواجه التلميذ بشراسة، واستدعى الناظر وطلب إليه إخراج الطالب من الفصل.. فما كان من الطالب إلا أن غضب لدينه وقال: «ولكن أنت الذي تخرج، هذه الكلية هي للمسلمين، وليست لأمثالك، بل لا يجوز أن يكون لك وجود فيها!». وحين ضيق عليه الأستاذ -والناظر واقف ذاهلًا- قال: «إن لم تنتهِ، إذن سوف أرفع تقريرًا، أتقدم به إلى شيخ الكلية، طالبًا محاكمتك.. اشهدوا أيها الطلاب أنه كان يزرع في نفوسنا فكرة قدم العالم ويشككنا في وجود الله. وإن لم يستجب الشيخ، فإن تقريرًا مماثلًا سوف يرفع إلى مشيخة الأزهر»!

تراجع الأستاذ للحال.. وبذل محاولات شتى للتراجع، وأنه ما كان يقصد.. وأنه أسيء فهمه، وهدأت العاصفة.

هذه صور من المعاناة التي كان يلاقيها الطالب المتحدث عنه، ومنها الكثير، وأما أشد ما كان يضايقه، فهو أن غالبية الأساتذة الذين يدرسون مواد التوحيد والكلام على اختلافه، كان أحدهم يطرح المسألة كمشكلة تتطلب الحل، كما هو معروف في الأبحاث الكلامية، ولكن نادرًا ما كان يستطيع أن يخرج من بحثه بسلام..

ضاقت الدنيا بالطالب، وخشي على عقيدته أن تصاب بمساس، فكان يدخل إلى المسجد الملاصق للكلية، يصلي ويدعو، مستجيرًا بالله تعالى، ولقد راودته نفسه مرات أن يترك ويعود إلى بلده، مرتضيًا ومكتفيًا بهدى الله الذي كان يستلهمه من كتابه الكريم وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام.

ولكنه تردد.. فالأخطار التي رآها محدقة به، لاحظ أنها كارثة عامة مصابة بها الأمة، وتحير بين الانهزام والسلامة بالنفس، والمغامرة، عسى أن ينفع الله به ويكون داعية خير، يخفف من أمثال هذه الويلات التي يعيشها المسلمون في مجتمعهم، بل حتى في مؤسساتهم التي يفترض فيها أن تخرج المصلحين، استخار الله تعالى -مرارًا- فألهمه البقاء والاستمرار ومصاحبة الأخيار، فكان يزور الجمعيات الإسلامية، وأكثر ما أفاد في غضون وجوده هناك بجماعة أنصار السنة، وكان رئيسهم الشيخ حامد الفقي رحمه الله تعالى، والإخوان المسلمين، والجمعية الشرعية، وشباب محمد صلى الله عليه وسلم، ومطالعاته الخاصة.

وعقب رجوعه بعد نيله الشهادة العالية، عاد إلى بلده، حيث وجد المغريات والضغوط، تواجهه، صمد لها، وأصر على البقاء خارج سلك التوظيف مكتفيًا برزق الله من محل تجاري متواضع، إلى أن سنحت ظروف اضطره الله بسببها اضطرارًا أن يزاول التدريس..

هذه إطلالة خاطفة، على المرحلة الأولى التي قضاها طالبًا.

وإذا كان أنقذه الله من مخاطر شبهات العقيدة، فإنه انتهى بالتعرف على طرائق التدريس، والمحاذير التي تحملها منهجية علم الكلام على وجه الخصوص، وأدرك بما يقطع الشك عنده، بأن ما يعطى للطلاب فيما يتعلق بالعقائد، وإن كان يعزز المعلومات ويوسع آفاق الفكر، ولكنه لا يحقق الهدف الحقيقي المطلوب، وهو تركيز الاعتقاد بالإسلام ورسالته، وإمكانية التصدي لمجابهات الخصوم فبدأ مكرسًا حياته لهذه الغاية بالذات، وأيقن -على مر الزمن- أن الشبهات ليست شبهة لدى الكفار أو المرتدين فحسب، بل تعصف في العديد من الرؤوس، حتى لو كان أصحابها مختصين بأصول الدين، بل يدرّسون علوم التوحيد وتوابعه.

ويحس العديد من الشيوخ العلماء بهذه الحقيقة، بل يجاهرون بها تصريحًا أو تلويحًا، والشواهد على ذلك لا يأتي عليها الحصر، نذكر منها مثالين اثنين:

بتاريخ يوم الجمعة في 5 تموز من عام 1974 م أقامت جمعية التربية الإسلامية في طرابلس بلبنان حفل إرساء الحجر الأساسي لمدرسة الإيمان النموذجية بحضور سماحة مفتي الجمهورية اللبنانية ولفيف من الشيوخ والتربويين والسياسيين وغيرهم، وألقيت بهذه المناسبات، كانت إحداها للدكتور فضيلة الشيخ صبحي الصالح ركز فيها على معنى الإيمان، ومما جاء في كلمته قوله: «هو المعنى الذي لما فقده شبابنا فقدوا كل شيء، فقدوا الفكر المرن، فقدوا اليد العاملة، فقدوا الذهنية الكاملة، فقدوا التناسق مع الحياة، فقدوا كل شعور يمكن أن ينظف حياتهم ووسائلهم وتعاليمهم وأساليبهم في الحياة».

ثم أردف قائلًا: «بقي المعنى الثالث والأخير وهو كذلك موروث من الإيمان، معنى الإيمان: إنه مخافة الارتداد يا مسلمون، كل العوامل تشير إلى خطر محدق خطير يردده كل من يزعم أنه على شيء من العلم أو شيء من الفهم أو شيء من السياسة أو شيء من الحذق بالحياة الاجتماعية.. يريدون من المسلمين أن تضعف صلتهم بدينهم، يريدون منهم أكثر من ذلك، أن يرتدوا عن دينهم، أن يشعروا بأن الدين وضع على الرف، يريدون منهم أن يتأكدوا بأن لا شيء في الدين أصبح يصلح للحياة، وهذا من شأنه -مع الأيام- أن يفقد الإنسان ارتباطه بواقعه وارتباطه بمصيره وارتباطه بمستقبله وتوقعه لنفسه، وارتقابه لفكره، وترقبه لمزايا عقله، وترقبه لسياسة العالم من حوله وترقبه للتحولات الخطيرة في العالم، التي في كل لحظة تدفع التسارع الحضاري تسارعًا يقال إنه إلى الأمام. فكرنا فيه مليًا وبعمق تبين أنها رجعة إلى الخلف، رجعة إلى الوراء، وأن ما يسمى بالتقدمية بات هو الرجعية، وأن ما يسمونه بالرجعية لو فهم على حقيقته لتبين أنه هو عودة إلى القيم الحقيقية ولهذه الإنسانية مجتمعة».

ومما ورد في كلمته أيضًا:

«ونقول -ولابد أن نقولها- بصراحة كاملة إن كل إنسان اليوم بحاجة لأن يسمع مثل هذه المخاوف توصف له خشية أن ينزلق إليها أحد ممن في وسطه أو بيئته.. لقد بات من الضروري أن نعالج بكل وسائلنا وبكل طاقاتنا تلك المعضلة المستحكمة فينا كلنا.. معضلة التفكير الأعوج الذي بدلًا من أن يستقيم وهو يرى الاستقامة هي الطريقة التي توصل دائمًا بسرعة إلى المطلوب، يدور بنفسه وبقوته يمنة فيغلو أو يسرة فيبالغ ويجد أنه شد وانحرف، ويسأل نفسه: لماذا انحرفت؟ وكيف انحرفت؟ بات كل إنسان في هذا الزمان عرضة للشذوذ إن لم يكن مع معنى الإيمان، فلشذوذ مع معنى الغريزة، ولشذوذ مع معنى العقل، ولشذوذ مع معنى المنطق، ولشذوذ مع الغريزة الفردية، ولشذوذ مع الطابع الاجتماعي، ولشذوذ مع العامل الاقتصادي، ولشذوذ مع الانحراف السياسي ولشذوذ مع الخطر الذاتي، والخطر العالمي، والخطر الحضاري ولشذوذ الخطر الثقافي».

ثم اختتم كلمته قائلًا: «أيها الإخوة، مخططات، مؤامرات، دسائس، تحاك للتربية الإسلامية في كل بلد إسلامي وبصورة خاصة في لبنان. نحن طبعا لسنا نائمين ولا مخدرين ونحن نرى كل شيء، ولكن آن لنا الأوان كي نفكر قليلًا وبشيء من الموضوعية في السبيل الأقوم لمعالجة وضعنا، إنه لن يكون بمجرد مدرسة للإيمان نقيمها اليوم متوسطة في طرابلس وبعد قليل ثانوية فيها، أو مدرسة ابتدائية، وفوق ذلك قليلًا في بيروت ثم في صيدا، إن شاء الله، ثم في كل بلد إسلامي، ليست هذه الطريق، بل طريق التخطيط الشامل العام للتربية الإسلامية التي تعم كل الفروع وتدخل في كل المناهج وتحاول أن تسد المنافذ وتضيق الطرق على كل دسيسة أو مؤامرة ومحاولة مكشوفة أو غير مكشوفة».

وفي الموضوع، مقالة هامة لأستاذنا أبي الحسن الندوي تحت عنوان: «ردة.. ولا أبا بكر لها» طبعت مرارًا عديدة بعدة لغات، وأعادت نشرها مجلة البعث الإسلامي (مجلد 19 شوال 1394 هـ - نوفمبر 1974 م ص 28 - 39) صور في المقالة هذه واقع الأمة دون مواربة أو إغضاء.

وجاء فيها: «إنها، أي الردة، قضية العالم الإسلامي الكبرى، إنها مشكلة الأمة الإسلامية الكبرى، ردة تنتشر وتغزو المجتمع الإسلامي، ثم لا ينتبه لها أحد، ولا يفزع لها العلماء، ورجال الدين، لقد قالوا قديمًا: «قضية ولا أبا حسن لها» وأقول: «ردة ولا أبا بكر لها» والمقالة مشهورة وهي في متناول الراغبين.

وتتوالى الظواهر والأعراض، بل والشكاوى من أخطار الزيغ العقائدي مما يعرفه العامة والخاصة وكان آخر نبأ نشرته صحيفة الأهرام القاهرية في صفحتها «الشباب» تصدر كل يوم سبت. قالت تحت عنوان: «الفائزون في المسابقة الدينية لهم رأي»: بعض الكتب الدراسية تدعو إلى التشكك في العقيدة. ونقلت عن «رمضان عبدالنبي» الطالب في الكلية الفنية العسكرية قوله: «لقد مررت بمرحلة قاسية استمرت 3 سنوات بسبب بعض الكتب الدراسية، لقد كان منهج الأحياء أداة للتشكك في وجود الله، ولكن الصلاة والصوم أنقذاني وأعاداني إلى الحياة الطبيعية وثقتي بالله...» إلخ (الأهرام 19-7-1975 م).

إنها تشخيصات للداء، ولكن أين الدواء؟ إنه هو المطلوب، وثمة حقيقة لابد من أخذها بعين الاعتبار، وهي أن أعراضًا وبائية إن تفشت، فمعنى ذلك أن ثمة خللًا في المركز الأم، والفساد في الفرع ينم عن فساد في الأصل. وهو في قضيتنا: العقيدة الإسلامية التي تعبث بها الأقلام، وقصور التعريف بها، وإماطة الشبهات عنها، وبيان زيف العقائد الباطلة التي لا تفتأ تلبس أثوابًا على مر الزمن.

كتب في رجب من عام 1395 هـ

الشيخ عثمان صافي

الرابط المختصر :