العنوان مصر: المعركة الأخيرة.. بين قضاة الدولة العميقة والثورة
الكاتب محمد جمال عرفة
تاريخ النشر السبت 01-ديسمبر-2012
مشاهدات 71
نشر في العدد 2029
نشر في الصفحة 18
السبت 01-ديسمبر-2012
- «مرسي» استبق خطة للمحكمة الدستورية لإلغاء إعلانه الدستوري وحل مجلس الشورى والجمعية التأسيسية للدستور ثم عزله!
- قضاة مستقلون وكافة التيارات الإسلامية تؤيد الرئيس ضد من يسعون للفوضى.
- قرارات «مرسي» تسعى لاختصار الفترة الانتقالية والدخول لمرحلة بناء الدولة والاقتصاد.
- الفقيه الدستوري ثروت بدوي: نواجه محاولات لهدم مؤسسات الدولة.. وقرارات «مرسي» «واجب وطني» لمواجهة الظروف الاستثنائية.
قبل أن يصدر الرئيس المصري «محمد مرسي» قراراته الأخيرة التي تضمنت سلسلة قرارات ثورية بإعادة محاكمة قتلة الثوار الذين برأتهم المحاكم وإقالة النائب العام «عبد المجيد محمود، الذي عينه «مبارك» والمتهم بإخفاء أدلة برأت رموز النظام السابق، كانت هناك معلومات قوية تؤكد أن رموز «قضاة الدولة العميقة» في المحكمة الدستورية وبقايا عهد «مبارك» يستعدون لتوجيه ضربة جديدة للرئيس عبر تجريده من أدوات الثورة المنتخبة، خصوصًا الجمعية التأسيسية للدستور» التي أوشكت على الانتهاء من عملها و مجلس الشورى» بعدما حلت من قبل مجلس الشعب المنتخب.
بل ووصلت معلومات أخرى للرئاسة تفيد نية المحكمة الدستورية إلغاء الإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس «مرسي» في ٢ أغسطس عقب عزله رموز «الدولة العميقة» من المجلس العسكري السابق وإعادة العمل بآخر إعلان أصدره المجلس العسكري ما يجرده من باقي سلطاته!
وذلك بناء على دعاوى مـقـدمـة مـن عدد من السياسيين والنشطاء المعادين للتيار الإسلامي الفائز في آخر انتخابات حرة ستنظر فيها المحكمة الدستورية في الثاني من ديسمبر المقبل ثلاث قضايا مرفوعة. تحصين شرعيته
ولهذا كان من الطبيعي أن يتحرك الرئيس بصفته «هو السلطة الشرعية الوحيدة المنتخبة، كما يقول الفقيه الدستورى ثروت بدوي، وأن يمارس دوره في حماية الثورة، وإلا اقتلع فلول وأعوان النظام السابق وكارهو التيار الإسلامي من اليسار والليبراليين، ما تبقى من مؤسسات منتخبة واستفردوا بالرئيس وانقلبوا عليه بعد سلسلة من الاضطرابات التي يعدون لها.
من هنا قرر الـرئـيـس تـوجـيـه ضربة استباقية دون الانتظار للسيناريو الأسوأ، فأصدر الإعلان الدستوري الجديد، ليحصن شرعيته ضد السيناريوهات المضادة له، وليقلص ويقصر الفترة الانتقالية للثورة التي طالت بدون مبرر «عامين» كي تنتقل مصر للمرحلة التشريعية الطبيعية ثم مرحلة البناء والانتعاش الاقتصادي.
والأغرب أن المستشار ماهر البحيري رئيس المحكمة الدستورية العليا، اعترف بأن المحكمة ستعقد جلساتها الشهرية المقرر عقدها ٢ ديسمبر المقبل في موعدها، وسيتم النظر في ١٥ دعوى من بينها دعوتا الطعن على عدم دستورية قانون مجلس الشورى وبطلانه ودعوى بطلان الجمعية التأسيسية وستحكم بما تراه!
ربما لهذا وصف د. ثروت بدوي الفقيه الدستوري قرارات «مرسي» بأنها «واجب وطني» لمواجهة الظروف الاستثنائية وأكد أن إصدار الرئيس «محمد مرسي» الإعلان الدستوري هو فرض عليه وواجب وطني المواجهة هذه الظروف، وأوضح أن القرارات المتعلقة بعلاقة رئيس الجمهورية بالسلطة القضائية والتشريعية هي بطبيعتها من أعمال السيادة التي لا تقبل بشأنها أي دعوى قضائية، وهذا أمر مقرر في النظام الفرنسي والمصري منذ١٥٠ سنة.
وأكد - بدوي - أن هناك هجمة كبيرة جدًا لهدم البلد، وللأسف هناك قيادات كثيرة في الوطن من المنتفعين بالنظام السابق ومن المنتفعين بالفساد في النظام البائد وهم ضد كل ما يرنو إليه الشعب المصري من وضع حد أدنى للأجور، ووضع حد أقصى لمدد المناصب الكبرى للمؤسسات كالنائب العام ومؤسسات الدولة.
ورفض تصور بعض رجال القضاء خطًأ أنهم فوق كل قانون، وأن يتصور بعض أعضاء المحكمة الدستورية أنهم يستطيعون محاكمة رئيس الجمهورية أو إقالته أو مسائلته ربما يكون كلامهم بسوء نية أو بجهل، معربا عن أسفه لوصول القضاء إلى هذا الوضع.
قرارات تحمي الثورة
واللافت أن انتقادات المعارضين لقرارات الرئيس تنتقد الحجية الصحيحة، فقد برروا دعواتهم لرفض الإعلان الدستوري بدعاوى أنه يحصن قرارات الرئيس ويحوله إلى فرعون، مع أن الرئيس يمتلك منذ الإعلان الدستوري السابق «٢ أغسطس» سلطات تشريعية لم يستخدمها إلا للعفو عن صحفي سبه وحكمت المحكمة بسجنه وليس بحاجة لسلطات جديدة بالإعلان الدستوري الجديد الذي أصدره يوم ٢١ نوفمبر!
كما أن الإعلان الدستوري السابق الصادر في ٢ أغسطس كان يمنح الرئيس سلطة التشريع، ويمكنه أن يصدر أي مرسوم بقانون كأي برلمان منتخب ولم يفعل، ولكن عندما استخدم هذه السلطة في الإطاحة بالنائب العام، رأس حربة المسار الانقلابي الذي يتم الترتيب له، تحرك فلول ورموز الدولة العميقة في القضاء والإعلام والعلمانيون!
أيضا القرارات التي أصدرها الرئيس بصيغة إعلان دستوري رهنها بإنجاز مشروع الدستور الجديد خلال شهرين فقط، أي أنه قيد سلطاته «الدكتاتورية» - إذا جاز التعبير - بمدة زمنية وبالتالي فالبديهة تقول: إنه لو تم وضع الدستور سيتخلص المعارضون من تخوفاتهم.
ولكن ما يقلق معارضيه ورموز الدولة العميقة هو أن القرارات التي أصدرها الرئيس المصري ستجعلهم هم الخاسرين؛ لأنهم عبارة عن لوبي عميق مالي وسياسي وإعلامي متحالف مع ديناصورات مالية من فلول نظام «مبارك».
قضاة يؤيدون الإعلان الدستوري
وبرغم الضجة التي افتعلها نادي القضاة برئاسة المستشار «أحمد الزند» من تعليق لعمل المحاكم والاعتصام لرفضهم قرارات الرئيس بدعاوى أنها تشل القضاء، فقد أعربت حركة «قضاة من أجل مصر» عن دعمها وتأييدها للإعلان الدستوري المؤقت الصادر بتاريخ ۲۱ نوفمبر الجاري، ووصفته بأنه يدعم استقرار البلاد وتحقيق أمنها وسلامتها وشككت في الجمعية العمومية التي عقدها نادي القضاة لحضور عدد كبير ممن لا يحملون الصفة القضائية للمشاركة في أعمالها، ومنهم أعضاء سابقون من الحزب الوطني المنحل، وآخرون متهمون بقتل الثوار في موقعة الجمل» وفي غيرها، «ومن هنا لا تعترف الحركة بقرارات الجمعية ولا تعتبرها جمعية عمومية للقضاة، وتدعو جموع القضاة إلى عدم الاعتداد بقراراتها».
وأكدت الحركة أنه يحق لرئيس الجمهورية المنتخب اتخاذ كل التدابير الاستثنائية بما يحقق استقرار البلاد، واستعدادها التام للإشراف على الاستفتاء الخاص بالدستور القادم، والإشراف على الانتخابات التشريعية المقبلة.
القوى الإسلامية تساند الرئيس
أيضًا ساندت القوى الإسلامية بقوة قرارات الرئيس ودعت جماعة الإخوان المسلمين في مصر كل القوى الوطنية والثورية والشبابية والإسلامية إلى الوقوف في ميادين كل عواصم المحافظات يوم ٢٥ نوفمبر للإعراب مجددًا عن تأييدها لقرارات الرئيس المصري، كما دعتهم إلى «مليونية» في ميدان قصر عابدين «أمام المقر الرئاسي» يوم الثلاثاء ٢٧ نوفمبر للهدف ذاته.
واتهمت الجماعة قوى عديدة بنشر الفوضى في البلاد عبر السعي لحل الجمعية التأسيسية لوضع الدستور، وتعطيل إنجاز الدستور، وبالتالي منع إجراء انتخابات البرلمان وحرمان الوطن والشعب من السلطة التشريعية والرقابية لتظل البلاد في حالة الفراغ والفوضى.
أيضًا أعلنت «الجماعة الإسلامية» - في بيان - مساندتها لقرارات الرئيس، وأعلنت «دعوة أهل السنة والجماعة عن تأييدها لقرارات الرئيس «د. محمد مرسي» والتي قالت إنه طال انتظار الشعب لها لإنهاء حالة التردد والعبث بالبلاد وضياع الحقوق كما أيدت الدعوة السلفية الإعلان الدستوري «عامة» ودعت إلى النزول للميادين للتصدي لمحاولات البعض هدم مؤسسات الدولة، قائلة: إن المرحلة التي تمر بها البلاد اقتضته وسط محاولات مستمرة من قلة من الأفراد والقوى السياسية - لا تعبر عن جماهير الشعب - لهدم كل مؤسسات الدولة، وإهدار رأي الأمة الذي أظهرته نتائج الانتخابات التي لم تشهد مصر مثيلًا لها في النزاهة».
كما أيد «ملتقى العلماء والدعاة قرارات «د. محمد مرسي»، وقال علماء ودعاة مصر من كافة القوى والتيارات الإسلامية في بيان أهمية القرارات في مواجهة الأخطار التي تهدد الوطن كله وتهدد مسيرة ثورته. وحذر علماء مصر من أي محاولة لزعزعة استقرار مصر واستهداف ثورتها وتغيير هويتها الإسلامية.
كذلك أعلن «مجلس شورى العلماء» الذي يضم د. محمد حسان، والشيخ أبو إسحاق الحويني، والشيخ محمد حسين يعقوب والشيخ سعيد عبد العظيم، والشيخ مصطفى العدوي، والشيخ جمال المراكبي، والشيخ أبو بكر الحنبلي، والشيخ وحيد بن بالي، والشيخ جمال عبدالرحمن تأييده للقرارات التي اتخذها رئيس الجمهورية.
والآن في ظل حالة التصعيد التي يقوم بها التيار الليبرالي واليساري ورموز الدولة العميقة للنظام السابق مصر على مفترق طرق والصراع السياسي لن يحسمه سوى التدافع وموازين القوى الحقيقية على الأرض، وهذه ظهرت بوضوح في الحشد الضعيف الذي دعا له معارضو الرئيس في التحرير «بضع مئات»، وأنصاره أمام قصر الرئاسة في مصر الجديدة أو ميدان عابدين «عشرات الآلاف»
منع المال السياسي في الفضـائيات معركة «مرسي» الثالثة بعد «عسكر وقضاة الدولة العميقة»
- عبد المقصود: الإعلانات التي تحصل عليها هذه الفضائيات قيمتها مليار ونصف المليار فقط بينما استثماراتها بلغت ٦ مليارات جنيه.. فإذا كانوا يخسرون فكيف يستمرون؟
- د. سيف عبد الفتاح: هناك زواج غير بريء بين رجال الأعمال والإعلام على خلفية رغبتهم امتلاك السلطة بسيطرة رأس المال وإقامة دعائم قوية تحمي كياناتهم
أخطر من خطوات تطهير القضاء التي بدأها الرئيس «مرسي»، في صورة النائب العام السابق الذي حبس في درج مكتبه عشرات البلاغات التي تدين أعوان النظام السابق ومنهم قضاة سيكون على الثورة المصرية والرئيس «محمد مرسي» عبئًا أكبر لتطهير «فضائيات غسيل الأموال الخاصة» التي أصبحت هي الملف الأهم الآن، بصرف النظر عن حملة الأكاذيب التي يشنها المنتمون لإعلام الفلول الخاص لمنع هذا بدعاوى «وأد الحريات».
المسألة لم تعد سرًا بعدما قالت صحيفة «الأهرام» الرسمية: إن أجهزة سيادية كشفت أن أموالًا مشبوهة تمول الفضائيات، وإنه من بين ٢٥ قناة جديدة صدرت لها تراخيص عقب ثورة ٢٥ يناير (۳۰) فضائية أخرى تنتظر تصاريح بالبث رصدت أجهزة سيادية ورقابية تدفقات مالية ضخمة دخلت سوق صناعة الإعلام تقوم على إنفاق واسع بلغ خلال فترة ما بعد ثورة يناير ٦,٥ مليار دولار!
زواج غير بريء
التقارير كشفت أن هذه الأموال تم ضخها داخل تسع فضائيات فقط بشكل أساسي لرجال أعمال معروفين، تركز عملها - بحسب التقارير السيادية - في تنفيذ أجندة سياسية وحزبية لإثارة الرأي العام وتزويده بمعلومات غير صحيحة، واستمرار حالة الفوضى السائدة في المجتمع، والقيام بدور محوري في تعقيد المشهد السياسي.
هذه التقارير السيادية والرقابية كشفت أيضًا عن «زواج غير بريء» بين صحف خاصة وفضائيات بها نفس الإعلاميين والصحفيين الذين يعدون محتوى برامجها على أساس محدد، والاستعانة بضيوف محددين للحديث عن قضايا بذاتها واستقطاب مقدمي برامج يملكون التأثير على اتجاهات الناس، ومنحهم أجورا بالملايين مقابل المشاركة في تنفيذ مخططات إعلامية تخدم أجندة أصحاب الفضائيات.
الأهم أن هذه التقارير أمسكت ببداية خيط يقود لوجود علاقة وثيقة بين رموز النظام السابق وبعض الفضائيات؛ من خلال أموال طائلة يحصلون عليها مقابل الترويج لموضوعات، وإشعال أحداث، وحشد الرأي العام، ودعم موقفهم ضد النظام السياسي القائم، وتصويره على نحو يكشف عجزه عن الوفاء بالتزاماته، وتشويه صورته.
وهناك أجهزة تتبعت مصادر تمويل هذه الفضائيات المشبوهة وكشفت عن خسائر مالية فادحة بها مقابل توسع أصحابها في إنشاء قنوات جديدة، ومنح العاملين فيها رواتب خيالية؛ ما يثير التساؤل حول مصدر تمويلها.
وزير الإعلام صلاح عبد المقصود قال خلال لقاء بجمعية الصحفيين الكويتية إن الإعلانات التي تحصل عليها هذه الفضائيات قيمتها مليار ونصف المليار فقط بينما استثماراتها بلغت ٦ مليارات جنيه، فإذا كانوا يخسرون فكيف يستمرون؟ ومن أين يأتي الفارق في النفقات؟ وقال: إن الأجهزة الرقابية تعمل حاليًا على ضبط الأنشطة الإعلامية في الإعلام الخاص لكشف المال السياسي في الإعلام المصري الخاص وهذا هو المدخل القانوني والرقابي الصحيح لكشف هؤلاء الذين يحرضون الشعب ليل نهار على العصيان، بينما هدفهم هو الإبقاء على فسادهم وأموالهم المشبوهة.
التقارير - التي أكدتها صحيفة «الأهرام» ومصادر بوزارة الإعلام - ذكرت أن هناك فضائيات تقوم على تنفيذ أجندة سياسية وحزبية، وتحركها مصالح خاصة، ويقف خلفها تمويل مشبوه، هدفه استمرار حالة الفوضى الضاربة بجذورها في عمق المجتمع وإشاعة مناخ سيئ تجاه مسيرة إصلاح يحاول النظام السياسي انطلاقها على أرض الواقع.
وكشفت قنوات الفلول التحريات عن زواج غير بريء بين صحف خاصة وفضائيات بذاتها بصحفيين لإعداد محتوى برامجها على أساس محدد.
ويؤكد د. صفوت العالم، أستاذ الإذاعة والتلفزيون بإعلام القاهرة أن القنوات الفضائية التي يملكها رجال الأعمال تملك أهدافا كامنة تحرك سياق المضمون وتدفعه صوب ارتياد قضايا محددة بذاتها، تخدم بها اتجاهات لتصنيع صورة ذات واقع خاص، حتى غاب نوع المفاجآت المهنية والحرفية، وسيطرة نوعية الضيوف واتجاهاتهم على منهج التناول، وطريقة العرض الانتقائي.
ويرى أن المشكلة تكمن في عدم وجود تقويم إعلامي لمحتوى القنوات المملوكة لرجال الأعمال، وضوابط ذات بعد مهني تقوم على محاسبة منهج تسير في ركابه منهج يستند إلى خطة إعلامية، فضلًا عن عدم وجود من يراقب هذه الفضائيات ومن هنا تتضح أهمية الحاجة إلى مجلس سمعي وبصري لضبط هذه الأدوات جميعًا.
أما د. سيف عبد الفتاح، المستشار السياسي لرئيس الجمهورية، فيؤكد أن هناك زواجًا غير بريء بين رجال الأعمال والإعلام على خليفة رغبتهم امتلاك السلطة بسيطرة رأس المال، وإقامة دعائم قوية تحمي كياناتهم التي تحركها المصالح أو ملفات فساد بعضهم، ويريدون مظلة حماية تقيهم غضب الأجهزة، وتمكنهم من ابتزاز الدولة والمحتوى الإعلامي يرسخ لتلك الحقيقة، وعلى هذا الأساس يعتبرون النظام السياسي الحالي يشكل خطرا على مصالحهم.