العنوان كارتر في سراييفو (٢ من ٢)
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 17-يناير-1995
مشاهدات 58
نشر في العدد 1134
نشر في الصفحة 27
الثلاثاء 17-يناير-1995
بلا حدود
سراييفو:
يفتح الستار عن الفصل الرابع من المسرحية الهزلية كارتر في سراييفو، عن الرئيس الأمريكي الأسبق كارتر وقد وصل إلى القسم الذي يسيطر عليه الصرب في العاصمة البوسنية المحاصرة سراييفو وبدا ترحاب الصرب واضحًا من اللحظة التي خرج فيها نيكولاى كولييفيتش نائب أفاق الصرب رادوفان كاراذيتش والكسابوها وزير خارجية ما يسمى بصرب البوسنة لمقابلة كارتر، ثم تحرك موكب كارتر إلى مقر قيادة الصرب في منتجع بالي، الذى لا يبعد عن سراييفو سوى خمسة عشر كيلو مترا ويتخذه الصرب مقرا لهم، حيث كان في استقباله رادوفان كاراذيتش وزوجته، ومن الوهلة الأولى يقع كارتر في إشكالية نطق الأسماء مرة أخرى ويضطر ريدمان وتوماس للتدخل لتصحيح معلومات كارتر الذي بدا انه وقع من اللحظة الأولى تحت سحر كاراذيتش الشيطاني الذي وجه كلامه في البداية إلى كارتر وفى حضور الصحفيين قائلًا: يعتقد العديد من الأمريكيين أننا حضرنا من جمهورية الصرب وغزونا المنطقة.. وإذا كان هذا ما حدث فإننا كنا سنصبح الجانب المعتدى، ولكن ليس هذا هو الأمر، فنحن مواطنون هنا ولنا جذور فيرد كارتر متجاوبًا مع كاراذيتش قائلًا: أنا لا أستطيع التشكيك في تصريحك بأن – الشعب الأمريكي قد استمع إلى جانب واحد من القصة، ثم تابع كلامه قائلًا: ... اليوم يعتبر من الفرص النادرة التي تسمح للعالم معرفة الحقيقة وتوضح – التزام الصرب باتفاق السلام.
هنا يبدو الانتعاش واضحًا على زعيم صرب البوسنة الذي لم يجد إطراء من قبل من أي السياسيين الغربيين أو الشرقيين الذين لاقوه مثل هذه الإطراء الذي سمعه من كارتر والذي لم يكن إطراء للصرب - فحسب، وإنما نما في الأمريكيين الذين ظلوا طوال ما يقرب من ثلاث سنوات – عاجزين عن فهم الصرب المسالمين الأبرياء وعلى الفور كانت دي دي مايرز الناطقة الرسمية باسم البيت الأبيض. تظهر على شبكة «سي إن إن» الإخبارية التي كانت معلقة في زاوية من المسرح وهي تنتقد تصريحات كارتر قائلة: إن لدينا فهما واضحاً عمن هو المعتدى والضحية في البوسنة.. إن صرب البوسنة هم المعتدون في هذه الحرب ولقد كانت لدى الشعب الأمريكي الفرصة طوال عامين لرؤية ما يحدث هناك وتعرف على جانبي القصة، وإن البيت الأبيض يتشكك في نوايا كاراذيتش ولا يثق كثيرًا بوعوده لكن كلام ما يرز لم يكن له أي تأثير على كارتر الذى بدا متيمًا بالآفاق كاراذيتش وقد بلغ قمة الخضوع لسحر كاراذيتش وهو على مائدة الغداء أمامه حيث ذكر الكاتب البريطاني بيتر مانسفيلد في مقال نشره في صحيفة الشرق الأوسط بأن کارتر جلس على مائدة الغداء يكيل المديح لكاراذيتش ثم تطور المديح إلى الغناء فأخذ كارتر على مرأى الحضور يغني لكاراذيتش بعدما أضفى عليه لقب «الرئيس» رجل السلام وصاحب الجانب الذي لم يعرف من القصة.
وتبلغ المهزلة قمتها بعدما خرج كارتر من الغداء ليلقى كلمة أمام الصحفيين الذين كانوا في انتظاره، وهنا يبدو الرجل كأنما نسى مع من كان يتحدث ويؤكد نويل مالكوم مراسل الديلي تلجراف بأن كارتر أخذ يشيد بمضيفيه بعد كل هذا على أنهم كروات البوسنة ثم أشار إلى كاراذيتش وأخذ يتحدث عن شخص آخر فنظر الصحفيون بعضهم إلى بعض ثم تقدم مراسل محطة سي إن إن وسأل كارتر عن خطته ثم سأل كاراذيتش فتحدث كل منهما عن خطة غير التي يتحدث عنها الآخر، وهنا يسدل الستار عن الفصل الرابع من المسرحية.
أحداث الفصل الخامس من مسرحية كارتر في سراييفو، تدور في مقر الرئاسة في العاصمة سراييفو حيث يعود كارتر من بالی لمقابلة الرئيس عزت بيجوفيتش ويبدو الرئيس البوسنى ممتعضا مما ذكره کارتر في بالي من مدح للصرب وتشويه للحقائق لم يسبق لأحد أن قاله وأخبرني الرئيس عزت بيجوفيتش حينما لقيته بعد ذلك أنه كانت لديه أسباب كثيرة لرفض لقاء كارتر أو الحديث معه، لكن بيجوفيتش الذي عركته الحياة وأجاد فن السياسة غالب نفسه حتى لا يترك فرصة للمجتمع الدولي يتحدث فيها عن رفض المسلمين لأية فرصة أو بادرة للسلام، ولقى كارتر على مضض لكنه قال للصحفيين قبل أن يلتقى به إن سراييفو لا ترى أية ضرورة لهذه الزيارة أو هذه الوساطة التي يقوم بها كارتر، وفي استقبال فاتر لقى عزت بيجوفيتش مع نائبه أيوب جانيتش وبعض أعضاء الحكومة البوسنية الرئيس الأمريكي الأسبق كارتر وأبلغ الرئيس عزت بيجوفيتش كارتر بأنه إذا كان لديه مقترحات فيما يتعلق بالخطة التي طرحتها مجموعة الاتصال فليطرحها، أما إذا كانت لديه خطط أخرى فلا مكان لها، وبدا كارتر انه لم يكن لديه شيء البته لا فيما يتعلق بخطة الاتصال أم غيرها، كما أن جهله المطبق بيوغوسلافيا السابقة وأسماء زعمائها خير دليل على أن الرجل قد ورط في الزيارة من أولها إلى آخرها، غير أن المشهد الأخير من الفصل الخامس كان يمثل قمة المهزلة في المسرحية كلها ومسئولية هذا المشهد تقع على وكالة رويتر للأنباء، فقد بثته في تقرير لها نشر في الثالث والعشرين من ديسمبر الماضي حيث يبدو كارتر وهو يجلس مع الرئيس عزت بيجوفيتش وأعضاء حكومته وكأنهم في حالة استراحة واسترخاء من المفاوضات التي لم يتحدث فيها كارتر بشيء، بعدما اتضح له أنه لا يحمل شيئا يمكن أن يتحدث به مع المسلمين ثم مال كارتر على الرئيس بيجوفيتش وكأنما لسان حاله يقول له سيادة الرئيس عزت بيجوفيتش خلينا في المفيد ثم قال: أنا بصراحة مديون بمبلغ مليون دولار منذ أن تركت البيت الأبيض في مطلع عام ۱۹۸۰ وقد اضطررت لبيع شركتي حتى أستطيع تامين ظروف المعيشة الصعبة في الولايات المتحدة وإنني الآن يا سيدى أمثل مركز كارتر الذي هو مؤسسة خيرية وقد عرف عنكم فعل الخيرات... إلا يمكنني أن افترض يا سيدي أنكم تودون تقديم مساعدة لي، إلى هنا بدت الدهشة واضحة على وجه الرئيس البوسنوى ونائبه وأعضاء حكومته الذين كانوا يستمعون إلى كارتر في اندهاش وتعجب، ثم يقوم الرئيس البوسنوى متجها نحو الباب وكذلك يقوم الجميع وهنا يسدل الستار على الفصل الخامس.
أما الفصل السادس فإنه يمثل نهاية المهزلة حيث يفتح الستار عن الرئيس الأسبق کارتر وهو يقف وحده على خشبة المسرح وقد عاد إلى منزله في بليتز بولاية جورجيا حيث يخرج إلى الصحفيين قائلا: إن الاتفاقية التي أنجزتها في البوسنة هشة ويمكن أن تنهار بسهولة تامة، ثم يغلق الستار وتنتهى المهزلة التي لا زال المسئولون في حكومة البوسنة مندهشين مما حدث فيها..