; عالم عامل فقدناه | مجلة المجتمع

العنوان عالم عامل فقدناه

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 08-سبتمبر-1987

مشاهدات 55

نشر في العدد 833

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 08-سبتمبر-1987

عالم عامل فقدناه

الشيخ عبد الله ناصح علوان

كان فقيدنا الراحل يدرك أن الأمانة تقتضي منه أن ينقل كلمة الحق إلى أكبر مسئول في الدولة

يخيم الأسى على النفس، وترتجف الروح حزنًا على فقيد كبير من علماء المسلمين في هذا العصر، ماذا يكتب المرء عن عالم مجاهد تحدث في قضايا المسلمين وتابعها بجهده وكتابه وقلمه منذ كان طالبًا وحتى وافاه الأجل، ماذا نكتب عن فضيلة الشيخ عبد الله علوان الذي وافاه الأجل في الأسبوع الماضي؟

ولادته ونشأته:

ولد فقيدنا الغالي -رحمه الله- في حي قاضي عسكر بمدينة حلب، سنة 1928 في أسرة متدينة معروفة بالتقى والصلاح، تربى في ظل والده الصالح الشيخ سعيد علوان -رحمه الله- وكان الناس في حلب يقصدون الشيخ سعيد طلبًا للتداوي فقد كان طبيبًا وصيدليًا يداوي الناس بالأعشاب والمراهم وكان لسانه لا يهدأ عن ذكر الله وقراءة القرآن، وكان يدعو ربه أن يجعل من أبنائه العالم الحكيم والطبيب المسلم، وقد استجاب الله لدعائه.

عندما انتهى فقيدنا من المرحلة الابتدائية وجهه والده عام 1943 إلى دراسة العلم الشرعي في الثانوية الشرعية وكانت تعرف في ذلك الوقت بالخسروية نسبة إلى بانيها «خسرو باشا» وكان يقوم بالتدريس في تلك المدرسة علماء قل نظيرهم في ذلك الزمن وفي هذا العصر أيضًا، علماء وهبوا حياتهم للعلم وأخلصوا في عملهم، ومن علماء ومشايخ المدرسة «راغب الطباخ، أحمد الشماع، أبو خليل زين العابدين، ناجي أبو صالح، نجيب خياط، عبد الله حماد، سعيد أدلبي، أحمد عز الدين البيانوني، عيسى البيانوني» -رحمهم الله- وكانوا أساتذة المدرسة يعاملون طلابهم كأبناء لهم وكأخوة لهم، وقد تأثر فقيدنا بالشيخ راغب الطباخ! وكان علامة مؤرخًا، كتب تاريخ مدينة حلب وتأثر-أيضًا- بالدكتور الشيخ مصطفى السباعي -رحمه الله- وكان يتخذه نموذجًا وقدوة، انتسب فقيدنا إلى جماعة الإخوان المسلمين في بداية شبابه وعرف بين زملائه في المدرسة بالجرأة في الحق والشجاعة في مواجهة الأحداث.. وبدت الشخصية القيادية في تصرفاته، وعرف في المدرسة بالخطابة والقلم المعرب عن أحاسيس المسلمين، وكان بيته في قاضي عسكر منتدى ومجمعًا لأصدقائه ولأساتذته وكان الكرم يشمل الجميع من والد الفقيد -رحمه الله-.

دراسته:

نال شهادة الثانوية الشرعية في سنة 1949 وبتوجيه من والده سافر إلى مصر لاستكمال تحصيله في علوم الشريعة الإسلامية، شارك في الأزهر ونال شهادة كلية أصول الدين سنة 1952، ثم نال شهادة تخصص التدريس سنة 1954، وفي مصر كان له نشاط إسلامي واسع وزيارات متبادلة مع كبار رجال الدعوة الإسلامية في مصر أمثال الشهيدين عبد القادر عودة وسيد قطب والأستاذ عبد البديع صقر -رحمهم الله وأسكنهم فسيح جناته- وكان الفقيد على صلة طيبة بالشيخ يوسف القرضاوي فقد كانا في كلية واحدة، وكان الشيخ يوسف أسبق منه في الكلية، وحين عم البلاء الإسلاميين في مصر سنة 1954 ووقعت المحنة، أصاب الأذى فقيدنا، فاعتقل وكان قد بقي له عدة مواد حتى يؤديها ويتخرج في الجامعة، فكان يؤتي به إلى الفحص مقيد اليدين، وحين انتهت الاختبارات اقتيد إلى الطائرة لتنقله إلى وطنه، ولم تسمح له حكومة مصر -في ذلك الوقت- أن يكمل دراسته ويحصل على شهادة الدكتوراة.

عمله في التدريس:

عين الشيخ عبد الله في عام 1954 مدرسًا لمادة التربية الإسلامية في ثانويات حلب، فكان خير مرب للأجيال، غرس في طلابه حب الإسلام والعمل على نصر شريعة الله في الأرض، كان لمادة التربية الإسلامية في سوريا حصة واحدة في الأسبوع، وكان طلبة الشهادات لا يختبرون فيها، فسعى مع إخوان له على جعل حصتين في الأسبوع لمادة التربية الإسلامية، وإدخال تلك المادة في امتحانات الشهادات في سوريا، وفي تلك الفترة انتشرت بين صفوف الطلبة الأفكار القومية والمبادئ الإلحادية، فتصدى فقيدنا بقوة لمروجي الأفكار الهدامة التي تشوه معالم الدين، وكانت له مواقف مشهورة عرفها طلابه في تلك الأيام، كان الفقيد على علاقات اجتماعية جيدة، يزور القريب والبعيد ويشارك في أفراح الناس وأحزانهم، اشترك في انتخابات الاتحاد القومي وكان من الفائزين عن منطقته.

عمله في مجال الدعوة:

لا يمكن فصل حياة الإنسان بحواجز مادية، فقد كان الشيخ مربيًا ومعلمًا وواعظًا في المدرسة، وكان يقوم بدور كبير في بيوت الله، كان لا يعرف الراحة بل كان يجهد نفسه بالعمل مع شعور بالرضا والسعادة، كانت مساجد حلب تزخر بالشباب المسلم المتعطش لسماع كلمة صادقة عن هذا الدين، وكانت المناسبات الدينية أعراسًا لقلوب المسلمين فيهرعون إلى المساجد لسماع ما يخص أمور الدينا والآخرة، وكان شيخنا لا يتخلف ولا يعتذر عن أي دعوة توجه له لإلقاء كلمة في مناسبة إسلامية أو حفلة خاصة، ولم تقف الأمطار أو الحرارة الشديدة أمام جهد الشيخ فقد كان ينتقل من مسجد إلى مسجد أو من قرية إلى قرية متحدثًا وخطيبًا عن عظمة الإسلام، كان يشعر أن واجبه أن يسمع الناس كلمة «الله» واستطاع أن يشجع أصحاب الهمم على العمل في المساجد حتى لا تفسد الجاهلية عقول الشباب وتجرفها في تيارها، فامتلأت المساجد بحلقات العلم من الشباب والأولاد، وكان للشيخ دروس دورية في مسجد «عمر بن عبد العزيز» درس فيه الفقه والسيرة، هذه الدروس كانت مدرسة لعدد كبير من الشباب الذي كان يسعى لفهم الإسلام والعمل يهديه، وقد علم الكثير من الشباب الخطابة وإلقاء الدروس، وكان يجلس أمامهم مصغيًا وموجهًا ليستقيم لهم البيان، وتربى في هذه المدرسة عدد كبير من الشباب، بعضهم قضى نحبه وكان في عمر الزهور أيام المحنة، كان الشيخ على صلة طيبة مع علماء سوريا وكان ينتقل من مدينة إلى مدينة داعيًا إلى توحيد كلمة العلماء وتماسك بنيانهم أمام الأعاصير التي تعصف بالمسلمين، وحين اشتد البلاء خرج الشيخ من مدينة حلب سنة «1400هـ- 1979م» وأقام عدة شهور في الأردن ثم توجه إلى السعودية، حيث عمل أستاذًا في قسم الدراسات الإسلامية في جامعة الملك عبد العزيز في جدة، منذ 1401هـ وإلى أن لقي ربه، حصل على درجة الدكتوراة في الشريعة الإسلامية من جامعة السند في باكستان، وكان موضوع دراسته «فقه الدعوة والداعية» وذلك في عام «1404هـ».

أخلاقه وصفاته:

كان جريئًا في الحق، لا يخشى في الحق لومة لائم، كان في كل فترات حياته مدافعًا عن الإسلام موضحًا الأخطاء داعيًا إلى التمسك بشرع الله وكان لا يهمه التهديد أو الوعيد من قبل السوفيات. كان يدرك أن الأمانة تقتضي أن ينقل كلمة الحق إلى أكبر مسئوول في الدولة.

منذ نشأته عرف بالكرم فكان بيته موئلًا لخلانه ولطلابه وللمحبين يجدون عنده ما يسرهم من ابتسامة مشرقة إلى كلمة هادفة، إلى موعظة وعبرة، يتخلل ذلك كرم الضيافة.

كان يسعى إلى تمتين روابط الصداقة مع إخوانه ومحبيه فكان يسارع إلى زيارتهم ومشاركتهم في أفراحهم وأحزانهم إذا طلب منه المساعدة في أمر ما فإنه لا يعتذر بل يسارع إلى المساعدة ويعتبر هذا الموضوع موضوعًا شخصيًا له ويبذل كل طاقته حتى ينجزه.

كان يتضايق من تفرق الجماعة الإسلامية، وسعى لوحدة الكلمة والرأي، وكان يحب الإعتدال في الأمور، ويرى أن الأمور يجب أن تناقش على ضوء الواقع والمعطيات التي يلمسها الإنسان.

من صفاته الإخلاص والصبر والتفاؤل والرضا بقضاء الله والسؤال عن أصدقائه وإخوانه المبعدين. كان متواضعًا في علمه، ومتواضعًا للناس، كان حسن المعاملة مع الناس يحب الخير والنصح للمسلمين.

كتبه وأثاره العلمية:

1- تربية الأولاد في الإسلام في مجلدين.

2- قصة الهداية - في مجلدين.

3- التكافل الاجتماعي في الإسلام.

4- أفعال الإنسان بين الجبر والاختيار.

5- الشباب المسلم في مواجهة التحديات.

6- الإسلام والقضية الفلسطينية.

7- صلاح الدين الأيوبي، بطل حطين ومحرر القدس من الصليبيين.

8- هذه الدعوة ما طبيعتها.

9- الدعوة الإسلامية والإنقاذ العالمي.

10- وجوب تبليغ الدعوة.

11- فضل الدعوة والداعية.

12- صفات الداعية النفسية.

13- روحانية الداعية.

14- ثقافة الداعية.

15- كيف يدعو الداعية.

16- مواقف الداعية التعبيرية.

17- عقبات في طريق الدعاة.

18- بين العمل الفردي والعمل الجماعي.

سلسلة بحوث إسلامية هامة:

19- إلى كل أمين غيور مؤمن بالله.

20- فضائل رمضان وأحكامه.

21- حكم الإسلام في التأمين.

22- تعدد الزوجات والحكمة من تعددها.

23- أحكام الزكاة على المذاهب الأربعة.

24- حكم الإسلام في وسائل الإعلام.

25- شبهات وردود حول العقيدة وأصل الإنسان.

26- عقبات الزواج وطرق معالجتها على ضوء الإسلام.

27- آداب الخطبة والزواج وحقوق الزوجين في الإسلام.

28- مسؤولية التربية الجنسية.

29- إلى ورثة الأنبياء.

30- تكوين الشخصية الإنسانية في نظر الإسلام.

31- معارك الحضارة في الإسلام وأثره في الحضارة الأوروبية.

32- نظام الرق في الإسلام.

33- الإسلام شريعة الزمان والمكان.

34- حرية الاعتقاد في الشريعة الإسلامية.

35- القومية في ميزان الإسلام.

36- دور الشباب في حمل لواء الإسلام.

37- الإسلام والجنس.

38- الإسلام والحب.

39- حين يجد المؤمن حلاوة الإيمان.

40- ماذا عن الصحوة الإسلامية في العصر الحديث.

41- التعريف بالشريعة الإسلامية.

42- حتى يعلم الشباب.

43- الأخوة الإسلامية.

مرضه ووفاته:

منذ ثلاث سنوات أصيب بمرض في الكبد إثر عودته من باكستان، وقد احتار الأطباء في طبيعة هذه المرض.

ذبل عود الشيخ وتضاءل جسمه وتناولته الأوجاع في كل مكان، وكان دائم التردد على العيادات الطبية طالبًا المشورة والعلاج ولكن نفسه لم تهن ولم تضعف بل بقي عالي الهمة متوئب العزيمة محافظًا على مهماته الدعوية، يقوم بمسؤولياته الاجتماعية، لا يعتذر عن قبول أي حفلة يدعى إليها، وحين يطلب منه التحدث كان يتكلم وينفعل وينسى حالته المرضية التي لا تسمح له بإرهاق نفسه.

المدة التي قضاها راقدًا في المستشفى خلال هذه السنة تعتبر فترة طويلة، فقد كان يخلع ثوب المستشفى ويلبس ثيابه ويذهب إلى الجامعة لإلقاء المحاضرات ثم يعود مرة أخرى إلى المستشفى ليتلقي العلاج من الأطباء وبجوار سريره في المستشفى ترتفع مجموعات من الكتب فهو يجد السعادة في القراءة.

كان يضع «المخدة» أمامه ويكتب فصولًا من كتاب قد بدأه. كل الأطباء وكل الأصدقاء كانوا ينصحون الشيخ بالابتعاد عن القراءة والكتابة لكن النفس الشامخة تأبى أن تلقي القلم من يدها مهما اشتد الألم.

وفاته:

كانت الوفاة في الساعة التاسعة والنصف صباح يوم السبت الخامس من شهر محرم عام 1408 هـ الموافق 29/8/1987 في جدة بمستشفى جامعة الملك عبد العزيز، وقد شيع جثمانه يوم الأحد في السادس من محرم الموافق الثلاثين من آب ونقل من جدة إلى مكة ودفن فيها حيث صلى عليه في المسجد الحرام بعد العصر، وقد شيع الفقيد عدد كبير من العلماء والدعاة والأخوة والشباب والطلاب، وقد ألقى أحبة الفقيد الكلمات المعبرة عن حبهم ومصابهم في فقيدهم العالم الذي أخلص في دعوته وقدم للمكتبة الإسلامية الإنتاج الوفير.

كان أبو سعد -رحمه الله- مدرسة تربوية، مات في الغربة، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

اللهم اغفر له وارحمه وأكرم نزله واسكنه فسيح جناتك واجمعنا معه في مقعد صدق عند مليك مقتدر مع النبيين الصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.

ومات... أبو سعد

للدكتور حامد أحمد الرفاعي

أجل مات الشيخ الدكتور عبد الله علوان.. وكل الناس يموتون.. فالموت -قدر الله تعالى- في خلقه.. ولكن قليل هم الذين يكون لموتهم أثر في حياة الأجيال من بعدهم... فقيدنا العالم الكاتب أثرى المكتبة الإسلامية بنتاج معروف في إطار التربية والتكوين، واجتهد في مجال الفكر والتصور، أرجو الله تعالى أن يكون ذلك رصيده الذي لا ينضب رحمة ومغفرة.. والفقيد عرفته بلاده داعية دؤوبًا في تحقيق ما يعتقد.. مخلصًا في تنفيذ ما يؤمن به... بل عرفته عالمًا عاملًا قال كلمة الحق وعمل لها حتى أوذي في عمله الوظيفي ومصدر عيشه، وأوذي في أهله وذوويه تقتيلًا وتنكيلًا فصبر واحتسب، ثم أخرج من بلاده ولوحق فصبر واحتسب، وأصابه ما أصابه في مرضه فاحتمل وصبر، ونحسبه قد لقي ربه وهو كذلك.. -ولا نزكيه على الله- فله إن شاء الله أجر الصابرين وثواب المحتسبين..

أجل هذا فقيدنا وهذه بعض خصاله ومناقبه.. نسأل الله أن يحسن عزاء أهله وإخوانه وأن يخلفهم بمن يحقق نصرة الحق ودحر الباطل.. رحمك الله يا أبا سعد رحمة واسعة.. وأسكنك فسيح جناته وألحقك بالأخيار من أبناء هذه الأمة.. ولا نقول لفقدك ومصابنا فيك إلا ما يرضي ربنا جل شأنه.. إنا لله وإنا إليه راجعون، وسلام عليك في دار اليقين... والحمد لله رب العالمين.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 41

113

الثلاثاء 29-ديسمبر-1970

مع القراء (41)

نشر في العدد 96

115

الثلاثاء 18-أبريل-1972

من المسؤول عن هذه الفوضى؟