; رسائل زعماء الإصلاح في العصر الحديث | مجلة المجتمع

العنوان رسائل زعماء الإصلاح في العصر الحديث

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 24-سبتمبر-1985

مشاهدات 75

نشر في العدد 734

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 24-سبتمبر-1985

  • أصبح حسن البنا واعيًا أن الذي يستطيع تغيير معظم هذا المنكر هو السلطان، فلم يتردد أن يكتب رسائل الإنكار لأولي الأمر.

    عبد السلام ياسين يقول للملك: «رسالتي إليك ليست ككل الرسائل، إنها تفرض الجواب عنها فرضًا، وحتى السكوت عنها جواب بليغ».

    رسائل زعماء الإصلاح في العصر الحديث..

     

    الإمام حسن البنا..

    ومن أبرز زعماء الإصلاح في العصر الحديث ممن استخدموا هذا الأسلوب الإمام الشهيد، إن شاء الله، حسن البنا رحمه الله، إذ تفجر نبوغه بتنويع وسائل الإنكار مبكرًا عندما كان تلميذًا في الابتدائية، ومما يرويه في مذكراته أن إمامًا للمسجد الذي كان مجاورًا لمدرستهم الابتدائية فرق التلاميذ بعد انتهائهم من الصلاة بالقوة خشية إسرافهم في الماء والبلل على الحصير.

     

    يقول الإمام البنا: «وأوحت إلي خواطر التلمذة أن اقتص منه ولابد، فكتبت إليه خطابًا ليس فيه إلا هذه الآية، قال تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (سورة الأنعام: 52) ولا شيء غير ذلك بعثت به إليه في البريد مغرمًا واعتبرت أن غرامة قرش صاغ كافية في هذا القصاص، وقد عرف رحمه الله ممن جاءته هذه الضربة وقابل الوالد شاكيًا معاتبًا فأوصاه بالتلاميذ خيرًا وكانت له معنا بعد ذلك مواقف طيبة». (180)

     

    ونمت مع هذا الغلام الصالح حب الإنكار وإصلاح الآخرين مرورًا بجمعية منع المحرمات والتي أنشأها مع زملائه في المدرسة الابتدائية والتي كانت مهمتها إرسال الرسائل لأصحاب المنكر كما تحدث عنها في مذكراته إلى أن تفتحت زهرة شبابه، وما أصبح ذلك الغلام الذي يرسل رسائل الإنكار لصاحب المقهى والجزار وبائع الخضار واللاطمة لوجهها وغيرهم ممن يزاولون المنكر، بل أصبح الآن ذا وعي يدله على أن الذي يستطيع تغيير معظم هذا المنكر هو السلطان فلم يتردد أن يكتب رسائل الإنكار لأولي الأمر في جميع بلدان العالم الإسلامي بدءًا بفاروق ملك مصر والسودان آنذاك والتي اشتهرت برسالة «نحو النور» والذي بدأها بقوله:

     

    «بسم الله الرحمن الرحيم - الحمد لله وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، ﴿رَبَّنَا آ تِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ (سورة الكهف: 10).

     

    القاهرة عاصمة الديار المصرية في رجب الفرد 1366هـ

     

    حضرة صاحب...

     

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

     

    وبعد، فإنما حملنا على التقدم بهذه الرسالة إلى مقامكم الرفيع رغبة أكيدة في توجيه الأمة التي استرعاكم الله أمرها، ووكل إليكم شأنها في عهدها الجديد، توجيهًا صالحًا يقيمها على أفضل المسالك، ويرسم لها خير المناهج ويقيها التزلزل والاضطراب ويجنبها التجارب المؤلمة الطويلة.

     

    ولسنا نبغي من وراء ذلك شيئًا إلا أن نكون قد أدينا الواجب وتقدمنا بالنصيحة.. وثواب الله خير وأبقى» (181).

     

    ثم أخذ يسرد مزايا التوجه الإسلامي، ومثالب التوجه الغربي، ثم بين بعض خطوات الإصلاح العملي من الناحية السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بتفصيل مازال يصلح لمن أراد الإصلاح من ولاة هذا الزمان.

     

    عبد السلام ياسين

    أحد زعماء الإصلاح في المغرب، نشأ نشأة صالحة في أحد أرياف المغرب، جاهر بالحق منذ صباه، وأصدر صحيفتي الصبح والخطاب، ثم أصدر مجلة الجماعة، اعتقل في ديسمبر عام 1983 بمدينة «سلا» لجرأته بقول الحق وإنكار المنكر، وكان سجنه الأول سببه رسالة أرسلها إلى أعلى سلطة في النظام قال له فيها: «رسالتي إليك ليست ككل الرسائل، إنها تفرض الجواب عنها فرضًا، وحتى السكوت عنها جواب بليغ، إنها رسالة مفتوحة حرصت كل الحرص أن تحصل في أيدي الأمة قبل أن تصل إليك منها نسختك.. ولكنك لن تملك إلا أن تجيب عنها، بعنف السلطان وجبروته حين ترفض الوضوح الذي تتسم به والنصيحة التي تحملها إليك وإلى المسلمين عامتهم وخاصتهم، أو تجيب عنها بالإخبات إلى الله والرضوخ للحق إن دعاك لذلك النسب الذي شرفك الله به، وتداركك الله سبحانه وتعالى بنور يقذفه في قلبك تميز به الحق والباطل، وتسمع به الكلمة الطيبة التي جاءك بها بشير هذه الصفحات التي ما خططت فيها حرفًا إلا ابتغاء رضى الله ربي لا عدوانًا ولا كيدًا، والله حسبي منك ومن العالمين» (182).

     

    يا لها من كلمات رائعة، وكأنها انبعثت من بين رسائل علماء السلف في القرون الأولى لملوكهم آنذاك، لتعانق قلم العالم الجليل عبد السلام ياسين، في القرن العشرين ليسطرها لرأس النظام بغية الإصلاح.

     

    1- الكتاب..

     

    والكتاب أيضًا من الوسائل القديمة للإنكار غير المباشر، فقد جاء في التاريخ أن بعض العلماء قد أهدوا لبعض الملوك والأمراء كتبًا متضمنة لإصلاح بعض المناكر، ومن أشهر هذه الكتب، كتاب «المصباح المضيء في خلافة المستضيء» والذي أهداه الإمام ابن الجوزي إلى الخليفة العباسي المستضيء، والذي قد ضمنه قصصًا عن الخلفاء مبينًا خلقهم في تقبل النصح من العلماء ومن عامة الشعب.

     

    وللأسف فقد فطن لأهمية هذا الأسلوب المنظمات التبشيرية، فقامت بطباعة الكتيبات التبشيرية بملايين الدولارات، وقامت بتوزيعها في القارة الأفريقية بلغاتهم الخاصة، فتحول الكثير من الوثنية إلى النصرانية بسبب هذه الكتب، وما أحرى الدعاة إلى الحق باستخدام هذه الوسيلة لتبيان زيف المناهج الأخرى وإبراز محاسن الإسلام.

     

    إن بعض أصحاب المنكر ممن لا يستطيع بعض الدعاة إقناعهم بسبب فارق الثقافة الشاسع يمكن لهم استخدام «الكتاب» ليتكلم عنهم، ويقوم بعملية إقامة الحجة على صاحب المنكر، وقد يهتدي بسببه، فبعض أعمدة الفكر اليساري هداهم الله بسبب كتاب أهدي إليهم.

     

    2- المقال الصحفي..

     

    وقد يرى الداعية منكرًا عامًا من بعض الجهات المسؤولة كالتلفزيون أو الإذاعة أو الصحافة أو المسرح، ويعلم أن صوته سوف يذهب أدراج الرياح لو ذهب لأصحاب المنكر وأنكر عليهم وجهًا لوجه، فيمكن أن يتفق مع بعض المنكرين، ويقوموا بإرسال مقالات لاستهجان لذلك المنكر مما يحرك الآخرين للاستنكار بمقالات مشابهة، الأمر الذي يجعل الجهة صاحبة الإنكار أن تضطر أمام استهجان الجمهور لإيقاف المنكر، أو الاعتذار عنه.

     

    والمقال الصحفي فن قل من يتقنه، وهو حقل قل من الدعاة من يدخله وليس «الداعية الناجح هو الذي يلبس عمامة أو طربوشًا ويقف في المسجد ليقول للمصلين «عليكم بإقامة الصلاة»، ولا هو الذي يسعد بإلقاء الأوامر الشديدة على مجموعة من البؤساء ليزيدهم بها بؤسًا، ويستدر دموعهم، إنما الداعية الناجح هو الذي يقوم بالدور الممكن في نشر الوعي السليم بين الناس، والدور الممكن في تربيتهم على السلوك الحسن، ولم تظل المنابر المهمة والمراكز الحساسة حكرًا على الذين لا يعلمون أو الذين لا يعملون؟

     

    إن على الدعاة أن ينتشروا في كل مكان وعليهم أن يشغلوا من الأعمال ما يرونه الأفضل لتثبيت مكانهم، وما يرونه الأرجى لنشر دعوتهم» (183).

     

    فمجال الصحافة لا بد أن يستثمر من قبل أصحاب الحق للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمقال المثمر هو الذي يلامس حاجة الفرد، ويمس قضايا الأمة، ويبتعد عن الألفاظ الصعبة والهجوم المباشر، ويبتعد عن التشنج والسباب، وسقط الكلام، وهو الذي يدعم بالأدلة سواء من الكتاب والسنة أو من الواقع والتاريخ والإحصائيات، وهو المتوسط فليس بالطويل الممل ولا بالقصير المخل، وهو الذي يختار له صاحبه عنوانًا جذابًا براقًا يجذب العيون، ويجبر القراء على قراءته حرفًا حرفًا، ويستحب للمقال المثمر أن يكون مقسمًا ومجزءًا إذا دعت الحاجة إلى ذلك وأن يكون ذا عناوين هامشية لكل فقرة فذلك أدعى للقراءة وأحب للقارئ».

     

    3- شريط التسجيل الصوتي..

     

    وهو وسيلة حديثة ساهمت في إشعال ثورة في أحد البلدان، وساهمت في هداية الكثيرين من المسلمين، فما أسهل أن يقوم الداعية بإهداء شريط لمن يريد أن ينكر عليه أمرًا من الأمور، أو أن يستغل ركوب صاحب المنكر معه في السيارة ليضع الشريط في ماكنة التسجيل ويدير مفتاح التشغيل ليسمع صاحب المنكر لوحده دون أن يتكلم الداعية بكلمة واحدة، فربما كان ذلك سببًا في هدايته خاصة إذا كان المتكلم في الشريط من مشاهير الدعاة المحبوبين بين عامة الناس.

     

    4- الفيلم السينمائي..

     

    إن من أكبر المؤثرات التربوية على المجتمعات المعاصرة هو الفيلم السينمائي والمعروض في التلفزيون والسينما، فكثير من المنحرفين وأصحاب المناكر كان سبب انحرافهم الفيلم السينمائي،، فكيف لو استغل هذا الفيلم في الحق خاصة بعد تطور هذه الأجهزة واختراع الفيديو فأصبح من الممكن تسجيل المحاضرات والندوات والمسرحيات الإسلامية، وخطب الجمعة وبعض الأفلام العلمية عن جسم الإنسان أو الحيوان أو خلق الله مع التعليق عليها، وعرضها بعد ذلك على العائلة أو من نريد الإنكار عليهم، فكم من التأثير تركه فيلم «مأساة حماة» والذي قام بإخراجه بعض الشباب المسلم، وكم من التأثير تترك الأفلام التي ينتجها المجاهدون في أفغانستان عن جهادهم مع أعداء الله، نظرًا للتعتيم الإعلامي الرسمي عما يحدث للمسلمين في بقاع الأرض.

     

    5- الهاتف..

     

    وهو من أسهل الوسائل غير المباشرة لإنكار المنكر، حيث إن الشخص المتكلم لا يراه أحد، وما عليه إلا أن يدير القرص ليكلم صاحب المنكر عن منكره، وأعلم أن كثيرًا من المنكرات التي حدثت في الصحف والتلفزيون قد غيرت بسبب مكالمات الغيورين على الدين من هذا البلد، ولكن لابد من مراعاة أمر مهم، وهو استخدام غاية الأدب بالتكلم وعدم رفع الصوت أو إظهار الغضب، وعدم الإطالة بالمحادثة، ولا بد من إظهار الحرص على المجتمع، وإذا لم تراع هذه الأمور في المكالمة التلفونية، فيسهل على الطرف الآخر إغلاق الخط حالًا وعدم تحمله لسماع حرف واحد مما يقال، وبهذا نضيع فرصة سهلة للإنكار.

     

    6- الملصق..

     

    وذلك عندما نلاحظ منكرًا عامًا بين مجموعة تحتك فيها سواء في المسجد أو العمل، فتلصق ورقة فيها حديث شريف أو قول لأحد الصالحين ينهى عن ذلك المنكر، وتختار مكانًا يراه الجميع أو تقوم بتوزيع بعض الملصقات الصغيرة التي فيها تبيان لذلك المنكر.

     

    هذه بعض الوسائل غير المباشرة في الإنكار والتي تساعد كثيرًا في إزالة المنكر إذا أحسن استخدامها.

     

    الهوامش:

     

    [1] (180) مذكرات الدعوة والداعية ص13.

     

    [2] (181) مجموعة رسائل الإمام ص273 – ط. المؤسسة الإسلامية.

     

    [3] مجلة المجتمع العدد 723 السنة السادسة.

     

    [4] كيف ندعو الناس ص79 – ط. المكتب الإسلامي.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 141

106

الثلاثاء 13-مارس-1973

محليات (141)