العنوان بعد الاستفتاء على رئاسة «الأسد الثاني»- ماذا فعلتم بشعب سورية؟
الكاتب نبيل شبيب
تاريخ النشر الثلاثاء 25-يوليو-2000
مشاهدات 74
نشر في العدد 1410
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 25-يوليو-2000
تثير قضية الأوضاع الداخلية في سورية الشجون، وأشد ما يؤلم فيها الإحساس بضرورة كتمان الشكوى في كثير من الأمور، وأصبح كثير من أهل سورية ممن يشكون الاستبداد والحرمان من الحقوق الأصيلة والحريات الأساسية، ويشكون من استمرار بقاء المساجين في السجون والمشردين في حياة التشريد منذ سنوات وسنوات، ويشكون من تردي الأحوال الاقتصادية والاجتماعية... أصبح معظم هؤلاء يكتمون شكاواهم، ويتجنبون الحديث العلني الصريح، ليس تحت تأثير ترهيب أو ترغيب بالضرورة، وإنما تقديرًا للأولويات في مواجهة أخطار خارجية كبرى لا تحيط بسورية فقط بل تشمل المنطقة بكاملها.. لكن يتردد السؤال باستمرار: إلى متى؟... وهل تتحقق الفائدة فعلًا؟ ..
ورغم كبت الشكوى، تقع أحداث تفرض نفسها فرضًا، وتثير الشجون من جديد، ومثل هذه الشجون لا يمكن أن يتوارى بتأثير الأسلوب المتبع في نقل السلطة من الأب إلى الابن مع حملة إعلامية مثيرة، يصعب وصفها بالمتقنة أو الناجحة، فحجم المبالغات فيها يفوق بكثير ما هو معروف عن أقطار أخرى، وبات يسبب نقيض ما يريده مطلقو الحملة، علاوة على أن الجمهور المستهدف يعيش في عصر لم تعد تخفى فيه الحقائق على أحد، ولا حتى على الأميين.
ولأن الحديث ذو شجون أستسمح القارئ عذرًا إن تضمنت السطور التالية -على غير ما اعتاد القلم- كلامًا فيه بعض اللمحات من حوادث شخصية من الماضي، فكثير مما هو شخصي بات همًا مشتركًا بين أبناء البلد الواحد، وإنما هي مشاهد من أحداث وقعت فعلًا، والمفروض ألا تقع.. والأهم ألا تتكرر في سورية، ولا في سواها من بلاد العالم ....
مشهد أول: «ناخب بصوتين»
المشهد الأول من عام ١٩٧١م عام أول استفتاء على رئاسة الأسد الأول، يحكي واقعة عاشها صاحب هذه السطور بنفسه، وكان في حفل عائلي بعد الزواج في بيته بدمشق، ولكن عزوفه عن المشاركة في التصويت لم يكن بسبب انشغاله بالحفل وإنما لاقتناعه بأن النتيجة مقررة سلفًا، أو كما يقال محتوى الرسالة ظاهر من عنوانها، وما إن اقترب موعد إغلاق مراكز الاقتراع حتى قرع الباب، وظهرت امرأة تحمل في يديها أوراقًا فقالت إن الإقبال على مركز الاقتراع في الحي كان ضعيفًا، ولذا يجول بعض المسؤولين عنه على البيوت لجمع الأصوات، وقلت راجيًا ألا يكون في اللجوء إلى أسلوب التورية، ذنب يحاسب عليه شاب راغب في التخلص من مكروه:
- كيف بمن سبق وأدلى بصوته في المركز صباحًا... أجابت بكل بساطة وقد مدت يدها بالاستمارة وبالقلم:
- لا مانع يمكن أن تعطي صوتك مرة ثانية.... كظمت غيظي وأمسكت بالاستمارة ووضعت الإشارة بصورة استعراضية من صنع حماس الشباب عند كلمة «لا» لأكون على ما يبدو أحد الأفراد المعدودين ضمن تلك الكسور العشرية أو المئوية بعد التسعات ولا أكتم أنني -رغم حصولي من قبل على تأشيرة الخروج للسفر إلى حيث أقيم مغتربًا- بقيت أتوجس خيفة في نفسي حتى ارتفعت الطائرة في الجو في اليوم التالي.
مشهد ثان : «قلق المسؤولين»
المشهد الثاني رافق الاستفتاء الثاني أو الثالث من الاستفتاءات الخمس التي جرت على رئاسة الأسد الأول خلال ثلاثين عامًا، وقبل التصويت بيوم أو يومين جاءني أحد الصحفيين الألمان وفي ضحكته رنة الشماتة، وأطلعني على مقال نشرته صحيفة «فرانكفورتر روند شاوه» بقلم صحفي كان في دمشق في تلك الفترة فتحدث بإسهاب عن الجهود والاستعدادات الجارية، واختتم مقالته تلك معلقّا بأسلوب تهكمي: «أصبح باستطاعة سائر المسؤولين رفع تقاريرهم إلى الرئيس بأن النتيجة مضمونة، ولم يعد أحد يخشى من وقوع مفاجآت ما.. ولكن يساور بعضهم القلق من احتمال واحد... ماذا لو أدت استعدادات معينة إلى أن يسفر فرز الأصوات عن نتيجة تزيد على ١٠٠ في المائة؟...»
مشهد ثالث : «فراريج للمراقبين»
المشهد الثالث تضمن ذكر المشهدين السابقين لمسؤول قديم، من حزب البعث جمعتني قبل عامين وإياه مهمة في مكان واحد لعدة أيام، ورغم بعد التصورات والتوجهات بيننا سادت مكان اللقاء أجواء خاصة ساهمت في رفع حواجز التوجس والتكلف، وأمكن تجاذب أطراف الحديث مع بعض المداعبة، وبدا لي أن طول الزمن وكثيرًا مما عايشه بنفسه قد أثار لديه الإحساس بالسأم تجاه أوضاع حزبه فرويت له ما رويت سابقًا، وسمعت منه ما هو أبعد مدى وأشد إثارة من داخل الأوساط الحزبية نفسها، إذ قال إنه كان أحد المسؤولين في مركز من مراكز التصويت في استفتاء رئاسي وقبل إغلاق المركز بلحظات دخل القاعة أحد رجال الحزب ومعه عامل يحمل عددًا من الفراريج المشوية -فراخ الدجاج- فنادى الرجل الحزبي يا شباب ولبى الجميع النداء أو الأمر الحزبي ووقفوا يتناولون الطعام داخل القاعة نفسها، وكانوا يرون بأعينهم كيف حملت الصناديق التي جلسوا أمامها «حراسًا» طوال الساعات الماضية، لتوضع مكانها صناديق أخرى معدة مسبقًا لفرز ما فيها من الأصوات...
مشهد رابع: « لا خوف من الخطأ»
وأكتفي بمشهد رابع وأخير في المسلسل الطويل الحافل بمثل تلك القصص الساخرة في ظاهرها المأساوية في مغزاها ومؤداها، وهو مما كان قبل أيام معدودة، وما كنت أود أن يكون حلقة في هذا المسلسل، بل خيل إلى ولو لفترة وجيزة أن احتمال الخروج من النفق لم يعد مستبعدًا، ولعل هذا ما جعلني أفسر الخبر القائل إن نتيجة الاستفتاء على رئاسة الأسد الثاني كانت بين ٩٧ و٩٨٪.. فقط، فقد رأيت في ذلك إشارة إيجابية ولو كانت باهتة، وخاب هذا الأمل الصغير أيضًا عندما جاء في تفاصيل الأخبار أن أكثر من ٢٪ من الأصوات كان باطلًا لاغيًا، وأن عدد من قال «لا» لا يزيد على اثنين وعشرين ألفًا تقريبًا من أصل تسعة ملايين إنسان يحق لهم التصويت...
هذه صورة كاريكاتيرية، لا تقبل التصديق ولكن إذا سلمنا جدلًا بصحتها وصحة ما قيل عن ارتفاع نسبة المشاركين في التصويت إلى أكثر من ٩٠٪ فإن المشاهد التي نقلتها شاشة الفضائية السورية عن مجرى عملية التصويت تدفع إلى التساؤل وهل يجرؤ من يدخل مركز الاقتراع على قول «لا» وعشرات العيون موجهة إليه وإلى الاستمارة والقلم بين يديه إلى أن ينتهي من وضع الإشارة حيث يجب أن يضعها، ذاك مما علقت عليه صحفية تليفزيونية ألمانية بقولها ساخرة: لا خوف من الخطأ في هذا الاستفتاء، يبدو أنهم ينظرون إليه ليعطوه بطاقة جديدة إذا أخطأ ووضع الإشارة عند كلمة لا...
هذه الكلمات وأمثالها تثير الألم في النفس، فهي تعبر عن النظرة التي استقرت عن بلادنا، حتى بات العالم بين متهكم وشامت وبين فرح مسرور إذ تتيح هذه الأوضاع لكل عدو أن يمضي في استغلال بلادنا وشعوبنا وطاقاتنا، وأن يزيد أسباب بقائنا على هامش الهامش وأن يرسخ دعائم ما استقر من هيمنة واستبداد دوليين.
شعب سورية
من المسؤول عما يصنع بسورية وشعب سورية؟... من المسؤول عن جعل البلد وأهله ومسؤوليه موضوعًا لمهزلة مكشوفة على مرأى من الدنيا ومسمع؟.. أما كان الأفضل ولو من باب الإخراج الأفضل لعملية نقل السلطة، لو تمهل القائمون عليها ولو بضعة أيام في قضايا تعديل الدستور والترقيات المستعجلة، وتبديل الصور واللافتات وإطلاق المظاهرات ماذا لو اكتفوا في الاستفتاء بإعلان نتيجة قريبة من ستين أو سبعين أو ثمانين في المائة مثلًا؟.. ما الذي يمنع أن تكون الانتخابات أو الاستفتاءات في بلد كسورية، مثل تلك التي جرت مؤخرًا في زيمبابوي التي حفظت كرسي الرئيس الحاكم منذ عشرين سنة ولكن بنسبة أقل من الأصوات، أو حتى في الاتحاد الروسي فرغم كل النواقص القائمة والأساليب الملتوية، لم يكن فوز بوتين بأرقام التسعات، وهذا بعد حكم شيوعي استبدادي استمر أكثر من سبعين عامًا....
سيان ما التفسير.. أو التعليل.. أو التحليل.. لما يجري في سورية؟ وسيان أي منظار تستخدمه للتأمل في الأحداث ومغزاها، فلا يبقى بين أيدينا سوى أحد احتمالين اثنين:
إما أننا نعايش عملية تزوير هزلي مكشوف في مطلع عهد يقال إنه يريد أن يكون تقدميًا إصلاحيًا منفتحًا، وفي ذلك مصادرة لإرادة الشعب وحرياته وحقوقه أو أن ما ينقلونه عن سورية ومتابعة المسيرة والتفاف الشعب حول الرئيس الوريث وما إلى ذلك صحيح لا خداع فيه .. وهذا -لو افترضنا جدلًا أنه صحيح- أشد خطرًا ومغزى، وهو وضع أسوأ وأشد بعواقبه من التزوير نفسه إنه يعني أن العهد السابق نجح في تحويل الإنسان السوري إلى إمعة خانع خائف أو معالي مخادع ولا نستطيع تصديق ذلك بحال من الأحوال إنه يعني أن العهد السابق نجح في تحويل الملايين من أبناء سورية، الذين كانوا وما زالوا يتندرون على التعددية والتعايش بالقول إن كل سوري يمثل حزبًا ورأيًا نجح في تحويلهم إلى مجموعة من البشر مصنوعة في قالب واحد، بمواصفات ثابتة، وفق المقرر حزبيًا، بدءًا بمعسكرات الأطفال من الجنسين، ومرورًا بأقبية المخابرات عند الحاجة، وانتهاء بمجلس الشعب كما تشهد الجلسات الأخيرة ولا نستطيع تصديق ذلك بحال من الأحوال!
وإذا كان الحزب الحاكم لا يريد الإقرار بأنه أقلية تسيطر على الحكم بغير حق، ويؤكد وجود مثل تلك الغالبية العظمى، أو الإجماع النادر خلفه، فما الذي يخشاه إذن من أن يكون للصوت المعارض حريته، وأي خطر أمني يستدعي ما شهدته سورية من ممارسات وما يسري فيها من قوانين ومواد دستورية لا شبيه لها؟..
علام يخشون من انتخابات واستفتاءات حرة نزيهة ومن التعددية ومن استقلال القضاء وفصل السلطات إذا كانوا صادقين فيما يقولون عن اعتقادهم بأن الشعب كل الشعب معهم ويريدهم ولا يعرف لنفسه قادة سواهم؟
إن ادعاء مثل ذلك التأييد الضخم.. بمثل تلك النسبة العجيبة لا يحتاج إلى نقاش جاد للنظر فيه، ولو صح ما يقولون -وما هو بصحيح- فنحن أمام حالة فريدة في التاريخ ليس تاريخ سورية فحسب بل تاريخ العالم.
بين يدي المستقبل
هذه الصورة الزائفة عن شعب سورية إن صحت فهي أول ما يستوجب التأكيد أنه ليس بمثل هذا الشعب تتحقق الإنجازات من أي مستوى، بدءًا باستعادة أرض مغتصبة منذ ٣٣ عامًا، وانتهاء ببناء اقتصاد منهار، فمن كان جادًا فيما يعلنه عن إصلاح اقتصادي شامل، وتطوير تقني وعلمي ومكافحة للفساد، -وجميع ذلك ورد ذكره في أكثر من مناسبة وتكرر في الكلمة التي أعقبت أداء اليمين الدستورية- من كان جادًا في ذلك وجب عليه أن يبدأ عند ذلك الجزء من الإرث الثقيل عند النقطة التي تعيد إلى الإنسان السوري القدرة على قول «لا» حيث يملي عليه اقتناعه ويوجب عليه ضميره أن يقولها.
لا يمكن القبول بأي مبرر يزعم وجود أولوية للاقتصاد على السياسة، أو الأمن الخارجي على الأمن الداخلي أو العكس، فجميع ذلك مرتبط بعضه ببعض، ويستحيل الإنجاز هنا دون الإنجاز هناك، وإن صح وجود أولويات فالأولوية هي لصناعة الإنسان.
لا يمكن أن ينتج حكم الطوارئ القائم منذ ٣٧ سنة إنسانًا سويًا على المستوى الذي تفرضه المرحلة الخطيرة الراهنة... فمن هنا بداية الإصلاح لمن يريد الإصلاح.
لا يمكن أن يصنع دستور قابل للتفصيل والتعديل والتبديل بجرة قلم أو بالموافقة بالإجماع في جلسة واحدة، إنسانًا سويًا يحمل المسؤولية.. فمن هنا بداية الإصلاح لمن يريد الإصلاح.
لا يمكن أن يساهم في العمل على رفع مستوى المعيشة بتجارة وصناعة وعلم وتقنية من يختم المخابرات في أي لحظة أن تصنع به ما صنع بأخيه أو قريبه أو جاره ممن لا يعرف مصيره منذ سنوات وسنوات أو ممن نجوا بجلدهم وحرم من العيش داخل وطنهم.. ومن هنا بداية الإصلاح لمن يكون صادق العزم على الإصلاح.
إن سورية في وضع إقليمي ودولي بالغ التعقيد والأهمية، ومعرض للأخطار أكثر من أي مرحلة مضت في تاريخها الحديث وهذا لا يتطلب حكم الفرد ولا حكم الحزب ولا حكم الجيش ولا أي شكل من أشكال الحكم الاستبدادي والشمولي، إنما يتطلب فيما يتطلب الوحدة الوطنية الحقيقية كحد أدنى من أجل تلاقي الجميع وليس بضعة أحزاب أو مراكز قوى مختارة على مواجهة خطر خارجي كبير، ومن أجل توفير أرضية مشتركة تحقق التعبئة الشاملة وتنقل جهود أجهزة المخابرات والفرق العسكرية الداخلية لتوظيفها في مواجهة الخطر، وتحول ما يستهلك في أقنية الفساد، ليضخ في عملية البناء.. وتستنفر طاقات الشعب في العمل على طريق التقدم لا التظاهر.
أبناء سورية على استعداد لتناسي كثير من الآلام والأحزان والتضحيات ولكن من أجل إزالة سائر ما سبب ذلك ورسخه، ومن أجل فتح سائر النوافذ امام احتمالات التغيير باتجاه إعادة الحقوق إلى نصابها، والعدالة إلى مكانتها، والشرعية إلى موقعها، وهذا وحده -لو أقدمتم عليه- ما يمكن أن يميز بين عهد وعهد بين طريق بدأ بمصادرة الحريات وانتهى بها، وآخر مازالت أمامه فرصة ليحذر على نفسه من أن يتحول الكبت في يوم من الأيام إلى انفجار يعرض البلاد لأفدح الأخطار الداخلية وهي معرضة من الأصل لأفدح الأخطار الخارجية.