العنوان الإسلام والكونجرس «33» مشكلة التنمية والهجوم على الإسلام
الكاتب أحمد إبراهيم خضر
تاريخ النشر الثلاثاء 09-يناير-1990
مشاهدات 66
نشر في العدد 949
نشر في الصفحة 31
الثلاثاء 09-يناير-1990
- عملية التنمية هي مجموع ظواهر التغيير الثقافي الواعي والموجه
وخاصة أعبئة وتنشيط العناصر الثقافية.
- إدخال تغييرات جديدة على المجتمع أو ما يسمونه بالإطار الاجتماعي
الثقافي عن طريق توسيع المجال «الروحي والفكري».
- الاستعانة برجال القانون الذين كانوا ثمرة جهود ضرب الشريعة
بإحلال القوانين الأجنبية محلها.
- سياسة التنمية المستندة إلى العقيدة لا تستوحي عناصرها من سياسة
اشتراكية رأسمالية وإنما من أحكام شرعية.
خطة ماكرة
أما الخطة التي وضعها علماء التنمية
ذوو التوجه الغزلي لضرب العقيدة في بلادنا فإنه يمكن استنباطها من مؤلفاتهم على
النحو التالي:
أولًا: التحرر من القيود التي يفرضها
الدين والتخلص مما يسمونه بالسلوك التقليدي والدخول مع «القديم» في معركة
تصفية. يشير علماء التنمية في بلادنا إلى هذه الخطوة في مراجعهم على النحو التالي:
1-
«ذلك البعد الهام الذي يفسر لنا كيف أن
أبناء بعض المجتمعات التي كانت تعد في الماضي مجتمعات جامدة أو متخلفة... إلخ ما
أن يخرجوا من إسار القيود التي تفرضها عليهم مجتمعاتهم ويهاجروا إلى مجتمعات
أجنبية حتى تتفتق أذهانهم عن أنماط فكرية وسلوكية رشيدة وتقدميه ويتميز سلوكهم في
بيئاتهم الجديدة بالإقدام والمبادأة.. لمجرد أنهم تخلصوا من القيود التي كانت تعوق
تفكيرهم الإبداعي في مجتمعاتهم الأصلية».
وليس هناك من دليل نقدمه على أن هذه
الفكرة غربية الأساس حاقدة على الإسلام في المقام الأول إلا أن نبين أن علماء
التنمية في بلادنا قد روجوا لها مستشهدين أصلًا «بريتشارد بيرندت» في
قوله «وكذلك النجاح الذي يمكن أن يصل إليه أبناء «الأندلس» عند هجرتهم
إلى شمالي إسبانيا فنجاح هذا الشمالي ليس راجعًا إلى وجوده في بيئة معينة ولكن إلى
مجرد انطلاقه من القيود والضغوط التي تفرضها عليه بيئته التقليدية فتقيد من قدرته
على المبادأة والإبداع. وهو ما يحققه بنجاح عند هجرتهم إلى بيئة أخرى لا يستشعر
فيها تلك القيود فيكشف عما هو مكنون في نفسه من القدرات والمواهب».
2- عملية التنمية هي مجموع
ظواهر التغير الثقافي الواعي والموجه وخاصة تعبئة وتنشيط العناصر الثقافية التي
كانت ثابتة أو جامدة نسبيًا فيما مضى وهي العناصر الروحية والفكرية»
والمادية «وتخفيف وطأة السلوك التقليدي وإعادة صياغتها أو التخلص منها إذا
لزم الأمر».
3-
فهؤلاء الأخيرون- أبناء الحضارات العريقة- سوف يتحتم
عليهم بالضرورة أن يفتشوا لأنفسهم عن نقطة انطلاق مفيدة وربما اضطرتهم الظروف إلى
خوض «معارك تصفية مع بعض العناصر التقليدية في ثقافتهم وكل ذلك يمثل على
أي حال معارك قد تكون صغيرة وقد تكون خطيرة- سابقة على معركة التنمية أو مواكبة
لها».
ثانيًا: حماية عملية التحرر من
القيود برفض التحرر إدانة حماة الدين للساعين إلى هذا التحرر والاستعانة برجال
القانون الذين كانوا ثمرة جهود ضرب الشريعة بإحلال القوانين الأجنبية محلها.
يشير علماء التنمية إلى هذه الخطوة
على النحو التالي:
1-
«إن الحكم على هذا
الموقف المضطرب المتوتر وفقًا للأحكام القيمية الأخلاقية والسياسية التي يصدرها
حماة التراث والمدافعون عنه سوف يؤدي إلى فشلنا فشلًا ذريعًا في النفاذ إلى حقيقة
تلك الظواهر وإلى الابتعاد عن إدراك حقيقتها فلا يصح أن نهاجمها كسلوك صادر عن
أناس فاقدين لكل قيمة وخارجين عن كل قيد ومتحللين من أي ارتباط».
عملية ضرب الشريعة
2-
استعان علماء التنمية في ذلك بما أوضحه علماء الغرب عن
بعض ملامح التغير في النظام القانوني في بعض المجتمعات النامية وفيها بيان واضح
لعملية ضرب الشريعة في البلاد الإسلامية وإحلال القوانين الغربية محلها.
يقول علماء التنمية في مراجعهم حول
هذه النقطة على لسان علماء الغرب الآتي «حيث تحدث في تلك البلاد عملية ترشيد
مستمرة للقانون عن طريق جمع القوانين وتنسيقها أو الأخذ بمجموعات قوانين أجنبية
ومن هذا مثلًا الأخذ بالقوانين السويسرية في «تركيا» في مرحلة معينة من
تاريخها أو الأخذ بالقوانين الفرنسية في «مصر» في أوائل هذا القرن. وكذلك
زيادة نسبة التشريعات المنظمة بالقياس إلى القوانين العرفية أو التقليدية، ونجد في
بعض المجتمعات مثل الهند اضطراد فصل القانون عن الدين والأخلاق». وعن مهنة رجال
القانون الذين يحلون محل القضاة الشرعيين الذين يسميهم علماء
التنمية «بالكهنة» «يقولون ويرتبط بهذا التطور ظهور ونمو مهنة المشتغلين
بالقانون- التي يكون أبناؤها في كثير من الحالات قد تلقوا تعليمهم القانوني في
الغرب- الذين يتميزون عن طائفة الكهنة التي تستأثر في الماضي بحق تفسير القانون».
ثالثًا: إدخال تغییرات جديدة على
المجتمع أو ما يسمونه بالإطار الاجتماعي الثقافي عن طريق توسيع
المجال «الروحي والفكري» أولًا ثم الثقافي ثانيًا وفي المجال الأخير سيدخلون
التغيير على القيم والميول الفكرية والتعليم ومؤسساته مع التركيز بصفة خاصة على
أشكال التعبير كالفنون التشكيلية و«الموسيقى» و«الأدب» و«الرقص».
يقول علماء التنمية في بلادنا في
مراجعهم عن هذه الخطوة ما يلي:
1-
«بعد هذا يمكننا
الاتفاق على النقطة التالية وهي أن حالة التخلف ليست سوى نتيجة لبعض الظروف
الثقافية والاجتماعية ويمكننا تلخيص تلك الظروف بأنها سيطرة يتم الثبات والاستمرار
والاعتماد الكلي على الخرافات.. وعلى القيم التقليدية وأشكال الحياة المتوارثة».
2- «فالتنمية تنطوي كذلك على توسيع حاسم في كل مجالات القدرات الإنسانية
والنشاط الإنساني وأعني «المجالات الروحية» والفكرية».
3-
في تحديد المقصود بالمجالات الروحية يقول علماؤنا: «ومن
عناصر القطاع المادي «أو الروحي» على سبيل المثال: أشكال التنظيم السياسي
والاقتصادي والاتجاهات والأنساق الفكرية والقيم الدينية والمبادئ الأيديولوجية».
4- يحدد علماؤنا مظاهر التغير الثقافي الضروري لتغيير بناء المجتمع في:
(أ) القيم والميول الفكرية والتصورات
الدينية وأساليب التربية والتعليم ومؤسساتها القائمة في المجتمع.
(ب)
أساليب السلوك الفني «التكنولوجي» والاقتصادي.
(ج) أشكال التعبير في
الفنون التشكيلية والموسيقى والأدب والرقص.
(د) مدى العلاقات
الاجتماعية وكثافتها والكيانات المترتبة عليها.
رابعًا: تحديد من يقومون بقيادة
التغير في المجتمع والوسيلة التي يرونها أكثر فعالية وتحديد الاتجاه الذي سيسير
فيه التغير.
الصفوة ستقود التغير
الصفوة عند علماء التنمية في بلادنا
هي التي ستقود هذا التغير لأنها ترحب ترحيبًا قويًا بالمؤثرات الخارجية الوافدة من
الثقافة المتقدمة وهي التي ستتعهدها وتعمل على الترويج لها وترسيخها في
الأوساط الاجتماعية بكل سبل الترغيب المعروفة لأن ذلك من شأنه أن يجعل عملية
التغيير أكثر فاعلية وأبعد تأثيرًا على المدى الطويل. وسوف تسير هذه العملية
متبنية هذه المؤثرات الوافدة المتمركزة حول قيم المجتمع الغربي وذلك للأسباب
الآتية:
(أ) إن النهضة التي حققتها
أوروبا وأمريكا هي في نظرهم ثمرة تغييرات طرأت على الإطار الاجتماعي والثقافي خلال
القرون الثلاثة الماضية.
(ب) إن الإنسان
الغربي «الصناعي المتقدم» في نظرهم قد استطاع على امتداد القرون الثلاثة
الماضية أن يتفوق على أبناء الثقافات الأخرى الأقل تقدمًا عن طريق التغير الذي
أدخله على سلم القيم في ثقافته.
(ج) الاعتقاد بأن الظروف
الاقتصادية والاجتماعية السائدة في بلادنا تشبه في جوهرها الظروف التي كانت سائدة
في البلاد الصناعية المتقدمة حتى قبل ثلاثة قرون.
خامسًا: تأصيل أساليب السلوك الجديدة
المستقاة من الثقافة الغربية في الواقع الاجتماعي مع اعتبار أن الصراع الذي سوف
تدخل فيه مع القيم الإسلامية هو مرحلة انتقال ضرورية يعاد بعدها تشكيل القيم التي
يجب أن تسود في المجتمع ويتحول المجتمع من مجتمع ستاتيكي إلى مجتمع دينامي.
يرى علماء التنمية في بلادنا أن أي
تغير ثقافي حاسم في أي مظهر من مظاهر الثقافة سوف يؤدي إلى إحداث تغير في البناء
الاجتماعي القائم وأن هذا من شأنه أن يضعف القيم التقليدية والمتوارثة أو يستبدلها
بقيم ومظاهر سلوكية لا تتلاءم معها وقد يؤدي ذلك أيضًا إلى استحداث قيم وسلوكيات
جديدة لا تتفق مع القيم الأصلية في المجتمع وتكون نتيجة ذلك حدوث تعارض وصراع
وانحلال واضطراب وارتفاع في مستويات الجريمة وانهيار للقيم ومن ثم فقدان وضوح
الرؤيا في المجتمع وهم يحملون مسؤولية كل هذا الانهيار لعدم تقبل ومقاومة قيم
المجتمع الأساسية للقيم الوافدة عليها. لكنهم يرون أن هذا الاضطراب وهذا الانحلال
ضروري ويمثل مرحلة انتقال يعاد بعدها تشكيل قيم المجتمع لأن المجتمع يكون قد انتقل
من مرحلة الاستاتيكية إلى مرحلة الدينامية ويضربون مثلًا بعملية اختلاط المرأة
بالرجل وكيف كان المجتمع يرفضها حينما كان استاتيكيًا ثم أصبحت شيئًا عاديًا بعد
أن أصبح المجتمع ديناميًا.
سادسًا: التحول نحو الفردية والتخلي
عن المعايير والقيم التي تحكمها المعتقدات والتراث واستعداد الفرد لاستيعاب مختلف
الأيديولوجيات والأفكار التي يختار منها ما يشاء.
مرحلة سقوط المجتمع المسلم
هذه هي الخطوة الأخيرة التي تمثل
مرحلة سقوط المجتمع المسلم في قبضة النظام الرأسمالي بعد أن يكون قد تشرب قيمه
جميعها وعلى رأسها الفردية وتخلى عن كافة الأحكام الشرعية التي تقيد سلوكه
وتصرفاته.
يقول علماؤنا حول هذه النقطة:
1- «من العوامل التي تساعد على استيعاب تلك التناقضات وامتصاصها تحول
المجتمع الدينامي إلى الطابع الفردي والاستقلال الكبير الذي يحظى به الفرد مما
يترتب عليه حتمًا أن تضيق مجالات تدخل المجتمع ومنظماته في حياة الفرد وتضعف
وصايتها عليه ويصبح الفرد أكثر مرونة وأكثر حرية في مواجهة هذه المواقف والتعامل
معها فالفرد في المجتمع الدينامي يقف أمام مجموعة من البدائل يستطيع أن ينتقي من
بينها الأصلح له بمرونة ولم يعد في مواجهة قوة اجتماعية متسلطة تفرض عليه شيئًا
بعينه لا خيار له في الامتثال والإذعان له ونتخيل في مقابل هذا الفرد في المجتمع
الاستاتيكي الذي قد يعجز عن الاستجابة لضغط المجتمع فيصاب بحالات الذعر والقلق».
2- «ومن هنا يتضح أن النظام الاجتماعي الدينامي هو وحده القادر على تلبية
الحاجة إلى التنمية وإلى الاندفاع في سبيل تحقيقها».
3- «وبدلًا من المعايير الثابتة (التي تحددها المعتقدات ويصوغها
التراث) التي كانت قائمة في المجتمع الاستاتيكي يطور المجتمع الدينامي لأبنائه
أطرًا للاعتقاد والسلوك تتصف بالمرونة وتسمح لها مرونتها بأن تستوعب في داخلها-
دون توتر هام تعدد الأيديولوجيات والأنساق الفكرية وتعدد المصالح المادية».
بهذه الخطوات الست أراد علماء
التنمية في بلادنا أن يطيحوا بالدين والعقيدة مسترشدين بالخطوط العامة التي
استلهموها من علماء الغرب مثل والت روستو وبيرندت ورینیه كونيج
لكنهم ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ﴾ (الأنفال: 30) فشلت محاولات
التنمية فشلًا ذريعًا وبعث الإسلام من جديد بل وانتشرت الحركات والتنظيمات
الإسلامية باعتراف نورتون.
إن سياسات التنمية في بلادنا لن تنجح
إلا إذا قامت على هذه العقيدة التي خططوا للقضاء عليها إنها عقيدة تتضمن فكرة
أساسية عن الكون والإنسان والحياة وتضمن الأصالة والثبات لسياسة التنمية ولا
تتعامل مع الواقع فتتغير بتغير الواقع ثم يطلب منها أن تكون مرنة وقادرة على
الاستجابة للظروف المتغيرة وإلا اتهمت بالركود والسكون سياسة التنمية هذه المستندة
إلى العقيدة لا تستوحي عناصرها من سياسة اشتراكية أو رأسمالية وإنما من أحكام
شرعية مستنبطة من الكتاب والسنة أو مما أرشد إليه الكتاب والسنة وها هي حصيلة
تجارب التنمية في بلادنا التي انحرفت عن الكتاب والسنة تزايد في المشكلات
الاقتصادية وفي فقر الناس واستمرار للتخبط والاضطراب.