العنوان موضوع الغلاف: الانتفاضة الفلسطينية تعود من جديد
الكاتب محمد إبراهيم
تاريخ النشر الثلاثاء 08-أبريل-1997
مشاهدات 71
نشر في العدد 1245
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 08-أبريل-1997
الشيخ أحمد ياسين يقول: لا يمكن أن تحقق الراحة أو السلام طالما بقي الاحتلال قائمًا لفلسطين والقدس.
السلطة الفلسطينية تمنع الانتفاضة من الاتساع وتهدد باعتقال القيادات الفلسطينية الوطنية.
تحركت جرافات رئيس وزراء «إسرائيل» المتطرف بنيامين نتنياهو لمباشرة العمل في إقامة مستوطنة «هارحوما» «أي الجبل الجدار» على جبل أبو غنيم يوم الثلاثاء 18 مارس «آذار» 1997م من أجل فصل القدس واستكمال السور الاستيطاني اليهودي حول المدينة كخط دفاعي ضخم، وتنفيذًا للقرار الذي اتخذته الحكومة الإسرائيلية في 26 فبراير (شباط) 1997م.
وأمام عجز السلطة الذاتية الفلسطينية عن منع التغول الاستيطاني في جميع أنحاء الضفة الغربية وبشكل خاص في القدس الشرقية، وعدم اتخاذها أي موقف جاد للرد على العبث الإسرائيلي، بل عدم خروج الإجراءات التي اتخذتها السلطة عن إطار كونها قبولًا صامتًا بما يقوم به الإسرائيليون على الأرض.. انفجر الغضب الفلسطيني من جديد، وبدأ يتسع يومًا بعد آخر.
ومنذ تحرك الجرافات وحتى ساعة كتابة هذا التقرير شهدت مختلف مدن الضفة الغربية وقراها تظاهرات جماهيرية، ومواجهات وصدامات عنيفة مع قوات الاحتلال الإسرائيلي؛ حيث قذف الشبان الغاضبون القوات الإسرائيلية بالحجارة والزجاجات الفارغة وأحرقوا الإطارات المطاطية وأقاموا المتاريس في الشوارع، فيما ردت قوات الاحتلال التي تعيش حالة استنفار قصوى للأسبوع الثالث على التوالي بالرصاص الحي والمطاطي وقنابل الغاز، مما أدى إلى إصابة المئات من الفلسطينيين بجراح.
وأعادت هذه المواجهات صور الانتفاضة السابقة التي اندلعت نهاية عام 1987م، إلا أن الجديد هذه المرة هو قيام الشرطة الفلسطينية- المزودة بالعصى والغاز المسيل للدموع- بكبح جماح الشبان الغاضبين ومحاولة منعهم من الوصول إلى القوات الإسرائيلية.
كما دفعت السلطة الذاتية ببعض رجال الأمن الوقائي الفلسطيني إلى ما يسمى بمخيم الاعتصام في أبو غنيم تحت قيادة فيصل الحسيني مسؤول ملف القدس في السلطة، وصلاح التعمري عضو المجلس التشريعي الَّذي قال في أحد تصريحاته: «من يرمي حجرًا فهو خائن» في الوقت الَّذي كانت فيه قوات الأمن الفلسطينية تحول دون وصول المحتجين الحقيقيين وأصحاب الأرضي المصادرة إلى الموقع.
ومثلت العملية الاستشهادية التي وقعت في تل أبيب بعد ثلاثة أيام من بدء عملية الاستيطان في جبل أبو غنيم أي يوم الجمعة 21 مارس «آذار» الماضي قمة التصعيد، وذلك حينما قام أحد الشبان الفلسطينيين ويدعى موسى الغنيمات بتفجير حقيبتين كان يحملهما في مقهى بتل أبيب، وأسفرت العملية عن مقتل 3 إسرائيليين وجرح ما يزيد على 50 أخرين إصابة بعضهم خطرة، بالإضافة إلى استشهاد منفذ العملية «موسى الغنيمات» وهو من قرية صوريف في الضفة الغربية التي ما زالت خاضعة للاحتلال الإسرائيلي.
أسبابُ تَفَجُّرُ المَوْقِف
تجمع مختلف الدوائر السياسية على أن انفجار الأوضاع الأمنية في الأراضي المحتلة، وتجديد الانتفاضة كان النتيجة المنطقية لسياسة التصعيد الإسرائيلية التي انتهجها بنيامين نتنياهو منذ مجيئه إلى سدة الحكم في تل أبيب في انتخابات مايو «أيار» من العام الماضي، وانقلابه على عملية التسوية بكاملها حسب صيغة مدريد.
ففيما يتعلق بقضية القدس كثف نتنياهو من عمليات الاستيطان في محاولة منه لحسم قضيتها قبل بدء مفاوضات الوضع النهائي، وتمثل الانقلاب الَّذي قام به على التسوية السياسية أيضًا في فتح النفق تحت المسجد الأقصى في سبتمبر «أيلول» الفائت، ثم بلغت الأزمة ذروتها في القرار الَّذي اتخذته الحكومة الإسرائيلية في 26 فبراير «شباط» 1997م بإقامة مستوطنة جديدة على جبل أبو غنيم جنوب شرق القدس.
ولعل أبرز السياسات والأحداث التي أدت إلى هذه النتيجة تتمثل في:
- قصور الاتفاقات السابقة في معالجة القضايا الجوهرية مثل قضايا الاستيطان والقدس وتأجيلها إلى مفاوضات المرحلة النهائية التي كان من المفروض أن تبدأ في 7 مارس «آذار» الماضي، ومحاولة حسمها على أرض الواقع قبل البدء بهذه المفاوضات.
- استمرار أعمال الحفر الخطيرة التي تجري تحت المسجد الأقصى بهدف إقامة «هيكل سليمان» المزعوم مكان الحرم القدسي، إضافة إلى أعمال التهويد والاستيطان في المدينة المقدسة، والانتهاكات التي ترتكب بحق المقابر والمقدسات العربية والإسلامية.
- استمرار عمليات الاستيطان ومصادرة الأراضي سواء لإقامة مستعمرات جديدة أو لتسمين المستعمرات القائمة وذلك في جميع أنحاء الضفة الغربية، وفشل السلطة في وقف الاندفاع الاستيطاني وعملية تغيير الحقائق على الأرض كما نصت اتفاقات أوسلو.
- سحب هويات المواطنين الفلسطينيين المقدسيين كمقدمة لطردهم من المدينة ومنعهم من العودة إليها «تشمل هذه الخطوة 30 ألف مقدسي».
- تحديد نسبة 2% فقط لمساحة إعادة الانتشار في المناطق الريفية (ج) في الضفة الغربية.
- استخدام الولايات المتحدة الأمريكية لحق النقض «الفيتو» في مجلس الأمن الدولي مرتين متتاليتين في غضون أقل من أسبوعين ضد مشروعي قرارين يدينان الاستيطان الإسرائيلي في جبل أبو غنيم، بالإضافة إلى التصويت ضد القرارين في الجمعية العامة أيضًا.
- وأخيرًا مباشرة العمل في مستوطنة أبو غنيم رغم كل المناشدات العربية والدولية، كما رافق بدء العمل في إنشاء هذه المستوطنة إطلاق التهديدات العنيفة ضد أي محاولة لإعاقة هذه العملية.
ولعل هذه التهديدات لم تكن صادرة عن إسرائيل التي أطلقت التهديدات المباشرة وحدها، ولكن الولايات المتحدة شاركت كذلك في توجيه التهديدات التي تضمنت التلويح باحتمال رفع الغطاء السياسي عن السلطة الوطنية بكاملها، إذا كانت النتيجة المنطقية للسياسات الإسرائيلية توقف جميع المسارات التفاوضية الأخرى، فإن الحالة مختلفة على المسار الفلسطيني بسبب أن هذه الممارسات تمس المواطنين الفلسطينيين بشكل مباشر علاوة على ما تمثله القدس بالنسبة إليهم.
احتمالات استمرار المواجهات
تتباين التقديرات حول احتمال تصاعد المواجهات واستمرارها، وإن كان هناك إجماع من قبل المراقبين على أنه إذا استمرت السياسات الحالية لنتنياهو فإن النتيجة الحتمية لن تكون غير ذلك.
وفي هذا الإطار أكد الشيخ أحمد ياسين الَّذي تعتقله السلطات الإسرائيلية منذ عام 1989م تنفيذًا لحكم بالسجن مدى الحياة أن ما تقوم به إسرائيل لم يعد من الممكن احتماله أو السكوت عنه «وما دام الاحتلال جاثمًا على صدر الشعب الفلسطيني فلا شك أن المقاومة ستستمر، وأن مثل هذه الأحداث ستحدث».
وقال الشيخ ياسين إنه لا يمكن أن تتحقق الراحة أو السلام طالما بقي الاحتلال في الأراضي الفلسطينية والقدس المحتلة، وأكد ياسين أن إسرائيل بتصرفاتها الظالمة ومخططاتها الاستيطانية لا تسعى نحو السلام، مخاطبًا الإسرائيليين بقوله: «أوقفوا جرافاتكم وضعوا حدًا لاحتلالكم وظلمكم قبل أن تطالبونا بالتوقف عن محاربتكم».
وبيَّن الشيخُ ياسين أن الولايات المتحدة لم تعمل يومًا لصالح الشعب الفلسطيني وكانت على الدوام «موالية» للصهيونية، وأعرب عن استغرابه من أن الولايات المتحدة التي تدعى أنها لا تريد العنف «ترى في مقاومة الاحتلال عنفًا.. أما الجرافات والاستيطان فليس من العنف في شيء من وجهة نظرها».
أما زعيم جبهة الإنقاذ الوطني الفلسطيني خالد الفاهوم فقد قال لـ المجتمع- معلقًا على الأوضاع التي تشهدها الأراضي الفلسطينية- أنها تشكل «بداية انتفاضة شعبية» حيث إن الشعب الفلسطيني يعيد التأكيد على أنه «أبي ومناضل لا يسكت عن حقوقه».
وأعرب الفاهوم عن أمله في استمرار أعمال الاحتجاج الشعبية وتوسعها لتشمل بقية المدن والقرى الفلسطينية.
المواقف الإسرائيلية الاستفزازية
في ضوء القراءة الأولية لما أقدمت عليه السلطات الإسرائيلية حتى الآن، فإن هذه الإجراءات تدعم خيار استمرار المواجهات، فنتنياهو الَّذي أطلق التهديدات قبل بدء جرافاته العمل في جبل أبو غنيم بالرد بقوة على أي محاولة للقيام بأعمال عنف في الأراضي المحتلة أتبع هذه التهديدات بسلسلة من المطالبات تبناها المجلس الوزاري الإسرائيلي الأمني المصغر في الاجتماع الَّذي عقد في 23 مارس «آذار» الماضي واستغرق 4 ساعات كشروط مسبقة على سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني الالتزام بها لـ: «لتقدم مسيرة السلام» وهي: «يجب»:
- أن توثق السلطة الفلسطينية تعاونها مع إسرائيل في مجال الأمن.
- أن تمنع التحريض على العنف والدعاية المعادية.
- أن تكافح بفاعلية المنظمات الإرهابية وأن تدمر بناها الهيكلية.
- أن تعتقل الإرهابيين «رجال المقاومة» وأن تعاقبهم.
- أن تجمع الأسلحة التي تحمل دون تراخيص قانونية.
- أن تبحث طلبات تسليم الإرهابيين التي تتقدم بها إسرائيل طبقًا لاتفاقية الحكم الذاتي.
وبالإضافة إلى الشروط الستة السابق اتخذت السلطات الإسرائيلية مجموعة من الإجراءات الانتقامية والعقابية والتي تساهم بشكل أو بآخر في رفع وتيرة التصعيد وصب الزيت على النار ومنها:
أ- فرض الإغلاق على الضفة الغربية وقطاع غزة، رغم ما يترتب على الإغلاق من آثار سلبية على الشعب الفلسطيني، وهي سياسة لجأت إليها «إسرائيل» منذ عام 1988م أي بعد عام من اندلاع الانتفاضة، واستمرت هذه السياسة بعد انطلاق العملية السلمية.
ب- السماح للوحدات الخاصة السرية «المستعربين» والمسؤولة سابقًا عن عمليات اغتيال وتصفية عدد من رموز المقاومة المسلحة بمعاودة نشاطها داخل الأراضي المحتلة، فقد أكدت مصادر فلسطينية مطلعة لـ المجتمع أنها رصدت تحركات جديدة لهذه العناصر، كما أن نتنياهو قد أعلن مؤخرًا عودة هذه الوحدات للعمل من جديد في مناطق السلطة.
وفي الوقت ذاته تؤكد بعض المصادر الفلسطينية الأخرى أن نجاح هذه العناصر في اغتيال بعض الشخصيات والرموز الفلسطينية والمقاومة كان يتم عبر تعاون أجهزة الأمن الفلسطينية في تقديم المعلومات وتسهيل المهمة، مما يعني عدم انقطاع التعاون الأمني بين الجانبين كما يظهر، وهو ما ينذر باحتمال حدوث مزيد من التصفيات في المستقبل.
ج- قيام السلطات الإسرائيلية بحملة اعتقالات واسعة ضد الشبان الفلسطينيين، وإعطاء الحكومة الإسرائيلية الضوء الأخضر لجهاز الأمن العام «شين بيت» من أجل العمل في مناطق السلطة.
حماس تخرج من تحت الركام
لم تمنع الإجراءات القاسية التي اتخذتها سلطة عرفات الذاتية ضد حركة «حماس» بالإضافة إلى الإجراءات الأمنية التي اتخذتها السلطات الإسرائيلية التي كانت تتوقع عمليات عسكرية ضد أهداف إسرائيلية، من قيام أحد عناصر «حماس» بتنفيذ عملية تل أبيب، لذلك ترى المصادر الإسرائيلية أن القوى الفلسطينية المعارضة للتسوية وخاصة حركتي «حماس» والجهاد الإسلامي ما زالت تمتلك القدرة على تنفيذ عمليات موجعة ضد «إسرائيل»، وهو ما يستنتجه المعلق العسكري المعروف أليكس فيشمان من عملية التفجير الأخيرة في تل أبيب وخاصة ما يتصل منها بنشاط الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية «حماس».
ويوجز «فيشمان» استنتاجاته التي نشرتها صحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية في عددها الصادر في 23 مارس «آذار» الماضي على النحو التالي:
- إن جهاز العمليات العسكرية في حركة «حماس» يمتلك قدرة سريعة على الاستعداد من لحظة اتخاذ القرار بشن هجوم وحتى التنفيذ الفعلي للهجوم.
- إن في حوزة جهاز العمليات مواد متفجرة جاهزة «تي إن تي»، وأنه لا تحتاج لصنع وإعداد مثل هذه المواد:
- عملية التفجير الأخيرة في تل أبيب تشير إلى تغيير في أسلوب عمل الجهاز العسكري يستخدم كمية كبيرة من المواد المتفجرة التي تتطلب حملها على الجسم أو بحقيبة كبيرة بشكل يثير الشبهات.
- تبرهن عملية الجمعة أن لدى جهاز العمليات في حركة «حماس» مخزونًا بشريًا لا يستهان به من الانتحاريين الذين تلقوا الإعداد والتهيئة اللازمة، ويقفون على أهبة الاستعداد لتنفيذي الأوامر حال صدورها لهم.
استعدادات إسرائيلية لإعادة احتلال مناطق السلطة
ولعل هذه الاستنتاجات والتحليلات وغيرها هي التي دفعت بالسلطات الإسرائيلية إلى الاعتقاد بأن استمرار المواجهات واحتمال استعمال الأسلحة النارية فيها أصبحت مسألة حتمية، لذلك فقد سارعت قيادة الجيش الإسرائيلي إلى وضع مجموعة من الضوابط لمنع الأمور من الوصول إلى منزلقات خطيرة.
وفي هذا الإطار ذكرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية في تقرير خاص نشرته في 29 مارس «آذار» الماضي استنادًا لمصادر عسكرية رفيعة أن الجيش الإسرائيلي وضع «قواعد للمجابهة» المتوقعة مع الفلسطينيين تنص على التالي:
1- المهمة الرئيسة هي منع تعرض المستوطنين اليهود في الأراضي الفلسطينية المحتلة لأي هجمات، والحيلولة دون أي مساس بمصالح إسرائيل في هذه الأراضي بما في ذلك أماكن خاضعة لاحتلال المستوطنين مثل: مسجد النبي يوسف في نابلس، ومسجد بلال بن رباح في بيت لحم، والأحياء التي يقطنها المستوطنون اليهود في الخليل.
2- العمل حتى أقصى حد على تفادي قتل متظاهرين فلسطينيين وأفراد من الشرطة الفلسطينية خلال قيام القوات الإسرائيلية بقمع مظاهرات الاحتجاج المتوقعة.
3- العمل بسرعة على حشد قوات كبيرة في كل بؤرة يندلع فيها التوتر والمظاهرات بهدف الردع، وقد عززت وشكلت لهذا الغرض وحدات للتدخل السريع في مختلف ألوية الجيش الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية.
4- الاستمرار في إقامة اتصالات وحوارات مع المسؤولين الفلسطينيين على مختلف المستويات وفي كل الظروف، ومحاولة الاستعانة بهم لتهدئة الوضع.
5- خطة «الحديد الملتهب» لقمع المظاهرات العنيفة توضع موضع التطبيق بصورة تدريجية وفي حال تدهور الوضع وتطور الصدامات تقوم القوات الإسرائيلية باجتياح مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية كمرحلة أخيرة.
6- استخدام الدبابات والطائرات المروحية العسكرية القتالية يتم بصورة تدريجية ابتداء من استعراض للقوة، ثم إطلاق النار بقصد الردع وصولًا إلى توجيه نيران الدبابات والطائرات العسكرية بدقة نحو الأهداف.
7- تعزيز حماية المستوطنات اليهودية بصورة ملموسة في مختلف مناطق الضفة والقطاع وعدم السماح بأي شكل للعمال الفلسطينيين بالدخول للعمل في المناطق الصناعية الإسرائيلية على الحدود مع الأراضي الفلسطينية أو داخل المستوطنات، وقد طبقت العديد من هذه الإجراءات اعتبارا من صباح يوم الجمعة قبل الماضي بصورة مشددة.
التوقعات الفلسطينية
أعادت الأحداث والمصادمات وأعمال الاحتجاج التي شهدتها الأراضي الفلسطينية خلال الأيام العشرة الماضية صورًا من أيام الانتفاضة الشعبية الفلسطينية التي انطلقت أواخر العام 1987م بعد أن اختفت معظم هذه المظاهر في السنوات الماضية.
فقد شهدت المدن الفلسطينية خلال الفترة الأخيرة كثافة في البيانات الصادرة عن قوى وفصائل وطنية وإسلامية، تدعو لفاعليات عديدة شبيهة بتلك البيانات التي كانت تصدر بشكل دوري خلال الانتفاضة، كما احتوت على برنامج «النضال» اليومي للفلسطينيين.
ويجمع المراقبون على أن الحالة الفلسطينية اليوم تشبه إلى حد كبير الصورة التي أوجدتها انتفاضة 1987م في جميع صورها المثيرة، لا سيما عبر ما تبثه عدسات المصورين الذين ينقلون للعالم الأحداث الحية في الشارع الفلسطيني بشكل يومي.
كما يرى المتتبعون للنشرات والبرامج الإخبارية لغالبية محطات التلفزة المحلية والعالمية وخاصة الفضائية منها أن الحدث الفلسطيني الأخير، أخذ يستحوذ على مركز الصدارة والاهتمام والمتابعة، كما كان عليه الحال في سنوات الانتفاضة.
وسجلت الأيام الأخيرة عودة السلطات الإسرائيلية لإتباع وسائل القمع التي مورست خلال الانتفاضة السابقة، كفرض حظر التجول والاعتقالات ونشر القوات المعززة في محاور الطرق وتزويدها باللوازم الخاصة لفض المظاهرات إلى جانب الكميات الكبيرة من قنابل الغاز المسيل للدموع والرصاصات المطاطية.
وفي هذا الصدد يقول الصحفي عبد الرحيم قوصين مصومر معتمد من إحدى وكالات الأنباء الدولية لـ: المجتمع إن الأحداث الأخيرة تركت بصماتها على طبيعة نشاطه ومهمته، وأعادته للعمل في أجواء الانتفاضة السابقة، مضيفًا «إن الوضع الجديد أوجد نوعًا من المخاطرة مع توفر احتمالية الصدام المسلح بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي».
وتبث شاشات التلفزة بشكل يومي مظاهر إلقاء الحجارة والزجاجات الحارقة واستخدام المتظاهرين للمقاليع، إلى جانب تواجد الملثمين بالكوفية الفلسطينية والأقنعة وحرق الأعلام الإسرائيلية ورفع الأعلام الفلسطينية، وهي الوقائع التي فرضت عبارة الانتفاضة في القاموس الدولي.
ففي قرية «روجيب» الوادعة شرقي مدينة نابلس، عاد هذا الأسلوب إلى الحياة فيها مجددًا في مقارعة الجنود الإسرائيليين عبر نشر القنابل الوهمية على الطريق الرئيسي المار بمحاذاة القرية، والَّذي يستخدمه مستوطنو «ألون موريه»، الأمر الَّذي يضطرهم إلى إغلاقه لفترات طويلة نسبيًا لفحص تلك الأجسام، والتي كانت تدفع إسرائيل إبان أعوام الانتفاضة إلى فرض أحكام قاسية على أربع شبان من القرية ناسبة لهم تهمة التخصص في صناعة وتركيب الأجسام الوهمية.
فتح تدعو لتعليق المفاوضات ومواجهة الاستيطان
وفي تطور جديد دخلت حركة «فتح» لأول مرة على خط تصعيد المواجهات الأخيرة، فقد تبنى أعضا من حركة «فتح»- خلال اجتماع استثنائي لكادر الحركة التنظيمي عقد مؤخرًا قرب جبل أبو غنيم بمشاركة عدد من كبار المسؤولين في اللجنة المركزية للحركة ولجنتها الحركية العليا في مدينة بيت ساحور- توصيات بمقاطعة المنتجات الإسرائيلية «لاسيما تلك التي يوجد لها بديل فلسطيني، ابتداء من فاتح الشهر الحالي».
ودعا المسؤولون في الحركة إلى «العودة إلى ما كان معمولًا به إبان عهد الانتفاضة الشعبية» في هذا المجال، وإلى إغلاق الطرق الالتفافية التي تسلكها سيارات المستوطنين والتي دمر افتتاحها عشرات الآلاف الدونمات من الأراضي الزراعية، وطالبوا بوقف المفاوضات مع الحكومة الإسرائيلية وتنظيم فعاليات يومية لمواجهة الاستيطان.
وقال مروان البرغوثي أمين سر فتح في الضفة الغربية لـ: المجتمع: «إننا يجب أن نخوض معركتنا بطريقة مختلفة عن السابق».
ولم يتأخر الرد الإسرائيلي على دعوة «فتح» لتعليق المفاوضات ومواجهة الاستيطان بالأسلوب الَّذي كان معمولًا به أيام الانتفاضة الأولى، فقد استقبلت السلطات الإسرائيلية بغضب شديد دعوات حركة «فتح» تلك، ووصف «روني شيكد» الخبير الأمني الإسرائيلي بيان حركة «فتح» الَّذي دعا إلى تعليق المفاوضات واعتبار الاستيطان إرهابً بأنه «إعلان حرب ومؤشر خطير جدًا في المنطقة»، وأضاف أن البيان يمثل عودة إلى بيانات الانتفاضة الشعبية التي شهدتها الأرضي الفلسطينية عام 1987م واستمرت حتى عام 1994م.
وطالب رؤساء ما يسمى بمجلس المستعمرات اليهودية في الضفة الغربية وقطاع غزة في بيان صادر عنهم بحظر نشاط حركة «فتح» واعتقال أعضائها في جميع المناطق الخاضعة لسيطرة إسرائيل في القدس الشرقية والضفة الغربية.
وأضاف رؤساء المستوطنين «إن على الحكومة الإسرائيلية أن تعلن الآن عن حركة «فتح» كحركة «إرهابية» محظورة، وأن تقوم بالإيعاز لقوات الجيش الإسرائيلي وجهاز المخابرات «شين بيت» باعتقال جميع أعضاء الحركة الفلسطينية في مناطق (ب) و (ج) الخاضعة لسيطرة إسرائيل في الضفة الغربية»، وأكَّدُوا على ضرورة «اعتقال ناشطي الحركة في القدس المحتلة، وإقفال جميع مكاتبها الموجودة في المدينة»، أيضًا حسب ما جاء في البيان.
وقال أهرون دومب- أحد رؤساء مجلس المستعمرات اليهودية- إن حركة «فتح» قد «أعلنت استئناف الكفاح المسلح ضد المستوطنين.. ونحن نطالب رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو بالعمل من أجل منع نشاطات هذه المنظمة ومحاربتها تمامًا مثلما هو الحال بالنسبة لفصائل المقاومة المسلحة المعارضة لاتفاقات أوسلو» حسب تعبيره في إشارة إلى الإجراءات التي تتخذها إسرائيل في محاربة حركتي «حماس» والجهاد الإسلامي.
إذن ما يمكن استخلاصه في نهاية هذا الاستعراض لما شهدته الأراضي الفلسطينية خلال الأيام القليلة الماضية وفي ضوء المعطيات الموجودة على أرض الواقع فإن فرص استمرار المواجهات تبدو كبيرة، وإن كان بعض المراقبين يتوقعون أن تصاحبها اشتباكات بالأسلحة النارية، وخصوصًا في ظل هذا التوتر، ونتائج آخر استطلاعات الرأي التي أشارت إلى أن 84.6% من الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة يؤيدون العمل المسلح داخل أراضي الـ 48 بينما أعرب 28% فقط من الفلسطينيين عن تأييدهم للتسوية السلمية والاستمرار في المفاوضات.
ولكن المفارقة الجديدة في هذه الانتفاضة هي دخول الشرطة الفلسطينية على الخط وقيامها بعلمية إعاقة وكبح للشباب الفلسطيني الغاضب، يضاف إلى ذلك ما تختزنه ذاكرة الشعب الفلسطيني من صور الحملات العنيفة التي شنتها هذه الشرطة على أبناء الشعب الفلسطيني العام الماضي، وهي صور يصعب معها التفريق بين ممارسات الاحتلال وممارسات شرطة الحكم الذاتي من حيث العنف في التعامل والتعذيب أثناء الاعتقال.
ولعل من الأسباب التي عملت على عدم توسيع نطاق الانتفاضة الجديدة كثيرًا هو تهديد السلطة الوطنية لقيادات المعارضة الفلسطينية بالقيام بحملة اعتقالات في حال حدوث عمليات عنيفة، في حين ما زالت تحتجز في سجونها 850 معتقلًا، كما أن المعارضة لا ترغب حاليًا في الدخول في مواجهة مع السلطة مالم يتفجر الغضب الفلسطيني مرة أخرى، وتخرج الأوضاع عن السيطرة كما حدث في انتفاضة النفق في شهر سبتمبر «أيلول» الماضي.
كما أن السلطة الذاتية تدس عملاءها من الشرطة ورجال الأمن السريين بين الجماهير لمراقبة ما يحدث عن كثب.
لذلك فإن المراقبين يشككون في استمرار الانتفاضة لمدة طويلة في ضوء الضغوط المتزايدة على السلطة الفلسطينية لكي تقوم هي بالمهمة وتقمع الجماهير الغاضبة والمحتجة على السياسات الإسرائيلية، وإذا ما فشلت في هذه المهمة وتوسعت دائرة الاشتباكات وازدادت عنفًا فإن الدبابات الإسرائيلية والخطط العسكرية جاهزة لإعادة احتلال المناطق التي انسحبت منها القوات الإسرائيلية تنفيذًا لبعض بنود أوسلو وعندها ستعلن النهاية الرسمية لعملية التسوية السلمية في الشرق الأوسط.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل