; سقوط قلعة الرعب ومنظومة الفساد.. قدرات الشعب المصري، فجرتها ثورة ٢٥ يناير | مجلة المجتمع

العنوان سقوط قلعة الرعب ومنظومة الفساد.. قدرات الشعب المصري، فجرتها ثورة ٢٥ يناير

الكاتب أحمد عز الدين

تاريخ النشر السبت 12-مارس-2011

مشاهدات 77

نشر في العدد 1943

نشر في الصفحة 26

السبت 12-مارس-2011

  • بعد أقل من شهر على خلع مبارك، تمكن الشعب من اقتلاع جهاز «أمن الدولة» الذي سام الناس سوء العذاب.
  • خبراء يقدرون حجم الثروات المنهوبة في السنوات الأخيرة ب«تريليون» دولار.
  • أراضي الدولة التي تم الاستيلاء عليها في عهد «مبارك» أكثر من ضعفي المساحات المزروعة في مصر، أي ما يزيد على مساحة خمس دول عربية هي فلسطين ولبنان والكويت وقطر والبحرين!
  • الوعي الجماهيري كفيل بالضغط في اتجاه استرداد حقوق الشعب المسروقة، فما ضاع حق وراءه مطالب.

أعظم ما في ثورة ٢٥ يناير المصرية أنها كشفت عن المخزون الهائل من القدرات والطاقات والإمكانات التي يمتلكها الشعب المصري، وأعطته الثقة في قدرته على استخدام تلك الطاقات لتحقيق ما كان يظنه الناس من المستحيلات، هذه الروح إذا استمر سريانها في الجسد المصري -ونسأل الله ألا يتم إجهاضها كما أجهضت روح نصر أكتوبر ۱۹۷۳م- فإنها ستمكن الشعب من الانطلاق في مرحلة الإصلاح والبناء والتنمية والنهضة بشكل كبير.

وإذا كان يوم 11 فبراير الماضي، الذي شهد زوال حكم حسني مبارك يومًا تاريخيًا مشهودًا، حقق فيه المصريون إنجازًا كبيرًا بطريقة سلمية متحضرة، فإن يوم الخامس من مارس الجاري لا يقل عنه أهمية، فهو اليوم الذي شهد سقوط قلاع مباحث أمن الدولة؛ وأهمها المقر الرئيس بالقاهرة؛ ذلك الجهاز الجبار الذي كان رمزًا للقهر والظلم والبطش والتنكيل بالمواطنين، والتعذيب والقتل، والسجن والاعتقال، وكل الجرائم التي مورست بحق الشعب المصري، بل والشعوب الأخرى، وأقربها الشعب الفلسطيني.

كان مجرد السير بجانب سور ذلك الجهاز ممنوعًا، وقد بني بطريقة توقع الرعب والهلع في نفوس من ينظر إليه، فإذا به يتهاوى أمام الجموع المحتشدة، ويهرب كبار قادته، صحيح أن للجهاز أدوارًا أخرى لتأمين الوطن، لكنها تضاءلت وتقزمت وربما تلاشت في مقابل الدور الذي قام به لتأمين النظام الحاكم، لا بل رأس النظام وأسرته. 

فقد رحل «مبارك» يوم ١١ فبراير، لكن بقي جهاز مباحث أمن الدولة بعده أربعة أسابيع، كان الناس خلالها يضعون أيديهم على قلوبهم خوفًا من أي مكيدة يدبرها لإجهاض الثورة، والالتفاف على مكاسبها الشعبية، كيف لا وهو الذي اعتاد تدبير المكائد والدسائس وتلفيق القضايا لحساب الآخرين أي لحساب «مبارك» وزمرته الحاكمة، فكيف لا يلجأ لتدبير المكائد الحماية نفسه وأفراده ونفوذه وسيطرته على كل صغيرة وكبيرة، والمكاسب غير الشرعية التي تحصل عليها أفراده.

قرار مخيب للآمال

وقد وقعت طوال الأسابيع الأربعة الماضية حوادث، تشير وقائعها إلى أنها من تدبير أمن الدولة؛ من محاولات مفتعلة للإخلال بالأمن، وعمليات سرقة ونهب وجرائم قتل غامضة، وافتعال فتن داخلية؛ لإثبات أنه بدون مباحث أمن الدولة فإن البلاد في طريقها إلى الفوضى، وهذا ما دعا إلى إطلاق صيحات التحذير المتكررة من مؤامرات تحاك ضد الثورة. 

وقد ظل مصير الجهاز بعد الثورة محاطًا بالسرية والإبهام، فيما الشعب يتشوق المعرفة ما تم أو سيتم اتخاذه ضده من إجراءات، وخلال ذلك تحدث «محمود وجدي» وزير الداخلية اللغة السابقة نفسها التي كان يستخدمها سلفه «حبيب العادلي»، محاولًا إلصاق التهم بـ«الجماعات»، وتبرئة الأمن من الإخلال بالأمن والإضرار بمنشآت الشرطة، ثم بعد طول انتظار كان قراره المخيب للآمال بتغيير رئيس جهاز مباحث أمن الدولة، وتعيين آخر من داخل الجهاز لا يقل سوءًا عن سابقه! 

أثار ذلك القرار المتأخر والمخيب للآمال ثائرة الشعب الذي لم يكف عن المطالبة بإلغاء جهاز مباحث أمن الدولة، وفي الوقت نفسه كانت مقار أمن الدولة تشهد حركة واسعة للتخلص من الملفات والمستندات التي بحوزتها، والتي يمكن أن تقود رؤوسًا كثيرة فيها إلى «حبل المشنقة» أو السجن، فبدأت المسيرات الشعبية تتجه يوم الجمعة ٤ مارس إلى بعض مقرات مباحث أمن الدولة لحماية المنشآت وما بداخلها، ثم توج هذا العمل باقتحام المقر الرئيس للجهاز بحي «مدينة نصر» في القاهرة يوم السبت الماضي «5 مارس».

افرموا الأوراق

وتشير وثيقة سرية صادرة عن رئيس الجهاز السابق بتاريخ ٢٦ فبراير الماضي، إلى أنه أصدر توجيهات لفروع الجهاز بالتخلص من أرشيف مكاتب أمن الدولة؛ عن طريق «فرم» الأوراق، وإلغاء كل الأوراق التي تحمل صفة «سري للغاية».

أي أن الجهاز كان يتوقع أن الإصلاح لا بد أن يطاله، وهو الأمر الذي تأكد مع استقالة حكومة الفريق «أحمد شفيق» بعد تصاعد الرفض الشعبي لها، وتعيين «د. عصام شرف» أحد من رشحتهم الثورة بدلًا منه، وقد ذهب «شرف» يوم الجمعة قبل الماضية إلى ميدان التحرير، حيث يوجد المتظاهرون ليؤكد لهم أنه يستمد شرعيته من الثورة، فكان أول رئيس وزراء في مصر -بعد ثورة ١٩٥٢م وربما قبلها- يعترف بسلطة الشعب، وينزل إلى الشارع، وتحمله الجماهير فوق الأكتاف.

ورغم عمليات التخلص من المستندات بالفرم والحرق والتمزيق، إلا أنه أمكن العثور على كثير من الملفات التي تثبت انحرافات جهاز أمن الدولة وتخريبه للحياة السياسية وشراء الذمم، وهي أمور تزيد في «فضائحيتها» على ما نشرته وثائق ويكيليكس» المسربة من وزارة الخارجية الأمريكية، أو فضائح جهاز «السافاك» الأمني في عهد شاه إيران.

بيع مصر بثمن بخس!

ومن إنجازات الثورة المصرية، فتح ملفات التحقيق في وقائع الفساد المالي الذي شمل عمليات سرقة ونهب مصر بشكل لم تشهده في تاريخها حتى أيام الاحتلال الإنجليزي، وقد طالت التحقيقات الرئيس المخلوع وأفراد أسرته، الذين تم منعهم من السفر إلى الخارج، والتحفظ على أموالهم لحين الانتهاء من التحقيق في وقائع الفساد المالي الذي مارسوه. 

ويقارن المصريون بمرارة بين تصريحات «مبارك» في بداية حكمه وبين أفعاله، والحق أنه كان يمثل نموذجًا فجًا للتناقض بين القول والعمل، فهو الذي قال: إن «الكفن مالوش «ليست له» جيوب، لن أرحم أحدا يمد يده إلى المال العام حتى لو كان أقرب الأقرباء، لا أقبل الشللية وأكره الظلم وأكره استغلال علاقات النسب، لن أقبل الوساطة وسأعاقب الصوص المال العام، مصر ليست ضيعة لحاكمها».

أما الفعل فقد كان على النقيض، فقد قدر بعض الخبراء حجم الثروات المنهوبة في عهد «مبارك»، أو بالأحرى في السنوات الأخيرة من عهده بتريليون دولار، أي قرابة ستة آلاف مليار جنيه مصري، أي رقم ٦ وأمامه ۱۲ صفرًا!

وكشفت البلاغات المقدمة للنيابة العامة عن تضخم كبير في ثروات «آل مبارك»، ووجود حسابات عدة لهم في البنوك تحوي عشرات الملايين من الجنيهات، بخلاف الأصول العينية والأسهم التي يمتلكها على الخصوص نجلاه «علاء» و «جمال»، فضلًا عن الأموال المهربة للخارج، والتي خاطبت مصر بشأنها عددًا من دول العالم لتجميدها تمهيدًا لمحاولة استعادتها، ولم يتح بعد ملف الصفقات السرية التي كان «مجلس الشعب» «البرلمان» المزور يفوض «مبارك» لإبرامها دون مراجعة من أي جهة.

رجال أعمال أم لصوص؟!

بدأ الفساد قبل سنوات في مجال البنوك؛ حيث كان رجال الأعمال يقترضون المليارات دون ضمانات حقيقية ويتوقفون عن السداد، وبعد انكشاف الأمر ودخول بعض رجال الأعمال الممتنعين عن السداد السجن، بدأت لعبة الاستيلاء على أراضي الدولة بأثمان زهيدة، وكان هذا الأسلوب أحد أبرز عمليات النهب وأكثرها سهولة. 

ووفق بيانات جهاز استخدامات الأراضي استولت مافيا الأراضي، على ١٦ مليون فدان، أي أكثر من ضعفي كل المساحات المزروعة في مصر وهي مساحة تزيد على ٦٧ ألف كم مربع؛ أي ما يزيد على مساحة خمس دول عربية، هي: فلسطين ولبنان والكويت وقطر والبحرين!

وليت من استولوا على الأراضي دفعوا ثمنها الزهيد، فالأرض كانت تباع بالتقسيط، وهم ربما لم يدفعوا شيئًا من ثمنها، أو سددوا الدفعة المقدمة بقروض من البنوك، ثم عادوا فباعوا الأراضي بأضعاف سعرها! وكشف جهاز الرقابة الإدارية أن أحد الوزراء أضاع على الدولة ما يقرب من ٣٠٠ مليار جنيه بقيامه بتوزيع مساحات شاسعة من الأراضي الصحراوية وأراضي البناء على المسؤولين ورجال الأعمال. 

وحصل بعض رجال الأعمال؛ مثل: «أحمد عز» و«محمد فريد خميس» و«محمد أبو العينين» و«نجيب ساويرس» على عشرات الملايين من الأمتار المربعة، لكل منهم في منطقة غرب السويس الصناعية وحدها بخلاف ما حصلوا عليه في مناطق أخرى.

واستولى «مجدي راسخ» والد زوجة «علاء مبارك» على أكثر من 9 ملايين متر مربع من أراضي البناء في مدينة الشيخ زايد بسعر ٣٠ جنيها للمتر، فيما يزيد سعر المتر اليوم على ألف جنيه، ودفع راسخ مقدمًا بسيطًا ولم يسدد المبلغ المتبقي، وهذا مجرد غيض من فيض فشركاته تملك عشرات الملايين من الأمتار في المناطق السكنية حول القاهرة! 

ومثله أيضًا «أحمد بهجت» صاحب مدينة «دريم لاند» التي حصل عليها بسعر أقل من دولار للمتر، و«نجيب ساويرس» الذي حصل على أكثر من 8 ملايين متر مربع لبناء مساكن للشباب بسعر أقل من دولارين، ثم خصص جزءًا كبيرًا منها للإسكان الفاخر!

أما «حسين سالم»، صديق «مبارك» الشخصي، فقد حصل على المليارات من بيع الغاز المصري للعدو الصهيوني، ومن عمولات بيع وشراء ونقل الأسلحة والاستيلاء على الأراضي وغير ذلك! 

وحول عدد من رجال الأعمال مثل «سليمان عامر» الأراضي المخصصة للزراعة إلى مناطق سكنية، وحققوا المليارات من فروق الأسعار، كما حصل معظم مسؤولي الدولة على قصور وفيلات في القاهرة والمنتجعات الصيفية بأسعار زهيدة جدًا!

وقد ساهمت سياسات وزير الإسكان السابق «أحمد المغربي» -المحبوس حاليًا على ذمة قضايا فساد- في الارتفاع الحاد في أسعار أراضي البناء؛ إذ لجأ إلى إقامة المزادات على أراضي الدولة، فدخل مستثمرون جدد من بعض الدول العربية واشتروا الأراضي بأسعار عالية، وبالطبع ارتفعت قيمة الأراضي التي سبق أن حصل عليها المتنفذون بأسعار زهيدة، فيما تضاعفت أسعار الشقق التي يشقى المواطن للحصول على واحدة منها!

حماية رسمية للفساد!

وقد غل النظام السابق أيدي الأجهزة الرقابية التي كانت تعد تقارير بقضايا الفساد التي تجاوزت ٦٠ ألف قضية في السنة؛ بخلاف ما لم تتحرك الأجهزة الرقابية لرصده، فكان مصير غالبيتها العظمى الحفظ في الأدراج، وحين تحرك «الجهاز المركزي للمحاسبات» بعد الثورة لتسليم النيابة العامة بعض تقاريره، جرى افتعال عدة مناوشات وتجمعات تهتف ضد رئيس الجهاز، كما جرت محاولة تحرق مبنى جهاز المحاسبات، مما دفع رئيسه لاتخاذ قرار بإغلاقه.

وقد امتد الفساد إلى مختلف مناحي الحياة في مصر، وشمل قطاعات واسعة من الناس، حتى قدر بعضهم عدد المستفيدين من المال الحرام في عهد مبارك، بستة ملايين شخص، وهو عدد مهول يحتاج إلى جهد جبار لملاحقته قضائيًا، لذا، فإن التحقيقات بدأت ببعض رؤوس الفساد.

لكن الضغوط الشعبية أجبرت النيابة العامة على تحريك عدد من القضايا، رغم أن النيابة -بنفس أشخاصها الحاليين- حفظت بعض تحقيقات الفساد سابقًا، وبخاصة ضد محمد سليمان، وزير الإسكان الأسبق، الذي كان يتحرك تحت حماية «مبارك»! 

ويستطيع المراقب أن يؤكد أن الوعي الجماهيري كفيل بالضغط في اتجاه استرداد حقوق الشعب المسروقة، فما ضاع حق وراءه مطالب.

الرابط المختصر :