العنوان المجتمع الثقافي (1545)
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر السبت 05-أبريل-2003
مشاهدات 88
نشر في العدد 1545
نشر في الصفحة 50
السبت 05-أبريل-2003
توبة
كانت كالزهرة ندية فواحة تتفتح للحياة في بهجة وصخب، مثيرة مغرورة.. مشاغبة متمردة، لا تعرف الانطواء أو الخجل حتى الحياء عندها يأخذ بعداً آخر، لا تتقوقع داخل نفسها ، منفتحة على الدنيا، شغبها حياة، تمردها حياة.
تطربها كلمات الغزل الرقيقة فترف الابتسامة على ثغرها الباسم بطبعه، وتسكرها النظرات المختلسة إلى جمالها الفاتن، فلا تتردد في أن ترد التحية.. الحرية في يقينها انطلاق من كل قيد، المساواة في عرفها تجعلها تبادر الفتيان بما يحبون أن یبادروها به، إذا أعجبت بشاب غمرته بكلمات الإعجاب حتى احمرت وجنتاه، لم تقتنع يوماً أن خلق الحياء لازم للفتاة دون الفتى ، تزاحم الشباب في الجامعة وفي النادي ، في الرحلات تطرب وتطرب لا تسمع نصحاً أو توجيهاً فهي في ظنها لا ترتكب حماقة أو حطيئة.
هذا الصباح أهم محاضرة في مادة التخصص فالامتحانات على الأبواب، والأستاذ سيلخص المادة ويحدد النقاط المهمة فيها، كانت حريصة على التبكير فهو لا يسمح لطالب أو طالبة بدخول القاعة بعده.. علق أظفر إبهامها الطويل الأحمر بجوربها ففتقه بحثت عن غيره يلائم ملابسها الزاهية لم تجد، اضطرت أن ترتق الفتق نزلت من البيت متأخرة عن موعدها لم تنتظر الحافلة استوقفت تاكسي، كان السائق يستمع من مسجل السيارة إلى محاضرة الشيخ جليل عن الموت أو لعلها عن الحجاب.. مضى الشيخ يقول: هل تنظرين إلى حمرة وجنتيك حينما تعلوهما الزرقة، وتتخشب منك الذراعان والساقان ويتصلب الجسد الفاتن المتأود، وقد أسبلت العينان الحالمتان فلم ترمشا ولم تجفلا، وشفتاك الشهيتان قبلهما دود القبر وعطرك الفواح بدلته رائحة العفن، واستبدلت بالثوب الكاسي العاريثوياً ساتراً هو الكفن، ومنعت من التبختر في مشيتك الراقصة، وحملت على الأعناق في سباق متعجل إلى الحفرة، وتخلى عنك الأهل والأحباب، وفزع منك الخلان والأصحاب الذين طالما صفقوا ليتلوى جسدك على نغمات إيقاعهم.. أين العاشق الوله الذي كان لا يشبع من النظر إلى عينيك، هل تراه اليوم يطيق نظرة الوداع الأخير أم يفر من جيفتك؟
سمع السائق شهقة خلفه فنظر في المرأة فإذا وجهها يمتعض، سألها بأدب: هل أغلق المسجل؟ أجابت بصوت باك دعه.
واسترسل الشيخ يصف الموت حين يزحف على الحياة.
في المدرج كان زميلها الشاب يلقي كلمة الصباح ويتلو قوله تعالى ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ ﴾ (الحديد : ١٦) هتفت أعماقها وهي ترتجف: لقد حان یا رب
دخل الأستاذ القاعة وبدأت المحاضرة المهمة، لم تستوعب كلمة واحدة كانت تسبح في عالم آخر. بكاء بلا دموع، استمر الوقت بطيئاً، سمعت صوت المؤذن يعلن عن صلاة الظهر، استاذنت من الأستاذ، خرجت وسط دهشة الزملاء فهذه أهم محاضرة في العام.. دخلت مسجد الكلية ربما لأول مرة في حياتها.. استعارت ثوباً ساتراً بالياً من على شجب المسجد لتصلي فيه.. عندما انقضت الصلاة، استأذنت عاملة المسجد لتحتفظ بالثوب إلى الغد حتى لا تخرج من المسجد شبه عارية .
منال نور
رسالة إلى شالوم
ها أنت قد عدت طريداً، تلفظك الأرض وتمقتك السماء، عدت كما كنت مخادعاً كاذباً، عدت تسفك الدماء التي نهاك الإله عنها، عدت تخرج أبناءك من ديارهم لتسوقهم للمحرقة وهو محرم عليك إخراجهم.
أسكنك الله الأرض كلها وشتتك فيها عقاباً لك، فلم ترض بذلك، وعدت تسفك الدماء، وتحارب الإله وإرادته في أرضه المباركة.
عدت كما كنت قاتلاً للأنبياء وأتباعهم، كذبت رسالة خاتم رسله، كما كذبت من قبل صفيه عيسى، ورميت أمه الصديقة بالبهتان، الذي عادة هو من صنعك ، ولم تكتف بذلك بل عملت جاهداً حتى أخرجت أتباعه من توحيد الله إلى مبادئ التثليث الشركية، مثلما حرفت من قبل كتابك الذي جاء نوراً وهدى وإماماً لتحيله قصص دماء وأشلاء، وهدم وحرق وقتل حتى للماشية والأطفال الرضع، ومعارك حتى بين الإله ونبيه إسرائيل. ولتذكر فيه بهتاناً أن الرب يندم .. تعالى الله عن ذلك.
ويحك يا شالوم، تقتل اليوم الأطفال والنساء وتهدم البيوت!. ويحك ياشالوم تحارب من حماك بالأمس ووفر لك الأمان وحفظ لك الذمة، ورضيت أن تكون حصان طروادة لمن كان يعذبك بالأمس ويقتلك ويسحلك!.
أدرت ظهرك لهذه الأمة الموحدة التي سمحت لك بالسكن في رياض عواصمها: في إسلام بول، في بغداد وصنعاء، وفي المغرب الأقصى والشام وأرض الكنانة!. ويحك با شالوم.. تجمع اليوم شتاتك لتحارب من آواك. أهكذا العهد؟! ولكنه هكذا طبعك، مخادع وناقض للعهود.
ويحك يا شالوم.. انظر ما صنعته يداك.
أبدلت أمنك بين ظهراني هذه الأمة الموحدة التي تؤمن بموسى كليم الله بمحاربتها.. فهل تقوى على ذلك؟
متى سيظفر أبناؤك بالأمن؟ متى ستمرح أزهارك في رياضها؟ أمع قرع طبول الحرب والجند والخوف الدائم؟ أم مع معزوفة الموت وقطرات دموع الأسى على فقد الأحبة؟
هل تقوى على حرب أمة تعدادها مليار وإن ضعفوا؟! هل تضمن أن تبقى الدواب التي تركبها اليوم لحرب أمة التوحيد مسخرة لك على الدوام؟ وأنت قد جربت من قريب أنيابها وحوافرها! هل تضمن أن تبقى الظروف مواتية لك على الدوام؟ هل تضمن أن يبقى الموحدون على غفلتهم ورقادهم؟
ألم يجل بخاطرك كيف ستكون النهاية، يوم يهدر المليار بصوت واحد: الله أكبر ويجلبوا عليك بخيلهم ورماحهم، يالها من نهاية مرعبة! وكيف يقوى صدرك يومها على تحمل رماح مليار فارس؟
هل فكرت في هذه النهاية وأنت تعلم يقيناً أنها آتية؟ هل تضمن ألا تأتي هذه النهاية لمجرد أنك أشحت بوجهك عنها، ولم ترد أن تفكر بها؟
ها أنت يا شالوم تحارب في أرض كنعان أبناء كنعان كما فعلت من قبل، ولكن هذه المرة لم يعودوا وثنيين عبدة لعشتار، بل هم عبيد الله وأصفياؤه وخيرة أهل زمانهم، قلوبهم عامرة بالإيمان ووجوههم مشرقة بنور الله، يقدسون الله كما لم تقدسه من قبل، ويطيعونه كما لم تطعه من قبل، يقدمون أرواحهم رخيصة لخالقها في حين بخلت حتى بدخول الباب.. فهل ستكون نهايتك في أرض كنعان كما كانت بالأمس؟
ويحك يا شالوم طلبت اليوم ثانية الثوم والبصل، واستبدلت الذمة التي أعطاك إياها المسلمون بحربهم! فها أنت كما كنت تستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير.. ها أنت يا شالوم لا تعشق إلا الشقاء والعناء.. مبدلاً كلمات الله معانداً.
ها أنت يا شالوم صدقت وهمًا صنعته هدمت بيوتاً، وطردت ساكنيها، وقتلت رجالها وسكنت أرضهم. ثم جئت تطلب السلام معأبنائهم وإخوتهم!
جنت تطلب سلاماً يضمن لك، عدم القصاص والعفو عن الدماء التي ولغت فيها ومازلت! سلاماً يضمن لك احتلال الأرض، واستمرار ابعاد المهجرين!.. أني لك هذا؟ وهل سيرضى صاحب الحق بذلك؟ أنت تبحث عن سراب ووهم فلتشق إذن أبداً، ولتضل في ارض التيه، حيران بائساً. ولا تقل حينها: إنها إرادة الإله، إنها إختيارك بمحض إرادتك التي عطاك الله إياها فاخترت الشقاء والعناء.
ويحك يا شالوم.. تبني السور الواقي! وكيف لك هذا؟ ألا تعلم أن الأرض المباركة ينبت الزيتون في كل مكان فيها؟ فكيف يمكن أن تبني أسواراً لا ينبت داخلها إلا الغرقد؟ وكيف نضمن ألا تجيئك الصقور من شاهق تقتلع رجسك من هذه الأرض وترميك بعيداً في غيابة الجب أو في خضم الأمواج وتخلص الأرض من شرورك وآثامك وسجلك المليء بالدماء والأحقاد وإيقاد نيران الحروب؟!.
ويحك يا شالوم.. عد للإله واسأله المغفرة وكفر عن خطاياك وارض بقدر الله الذي أرسلك للشتات عقاباً ثم اعتبر وانظر وتفكر. نعم تفكر وتدبر في كتاب الله وميثاقه الذي قطعه على موسی عليه السلام بالتصديق بأحمد حين يبعث رتل القرآن مع أحفاد كعب الأحبار والمؤمنين من ينيك الذين أبصروا نور الله، وعشقوا رحمته فآمنوا بالنبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل، فسعدوا.
خالد المخزومي
لله درهم
شعر: محمد إياد العكاري
نفس تمنرس في الحياة بئيساً.. يُسقى الشقاء ويرتويه كؤوسا،
يصغي لأحداث الزمان ووقعها.. ويرى النوائب تستجير ضروسا ..
كل الدواهي أيدت من حوله. والأرض أضحت بالوطيس غموسا
والصدر يغلي كاللهيب بصمته. يخفي الشعور ويشتكيه حبيسا ..
والنبض يرعد ثم يخبو حسه مما يرى من حوله التلبيسا
همس يدور بنفـــســــه وحــواســـه.. والعقل يلقى في الكيان هسيسا..
وفم الخطابا في الجنان معنياً. وصدى الذنوب يهده توجيسا ..
والأم يا نفحاتها روض الرضا، وهوى الحبيب فلا يزال أنيسا..
ماذا وكيف؟ متى سنبدأ رحلة؟؟ والكل في الدنيا اكتوى تدليسا!!
أأظل تحت جليدها متجمداً؟ ودم البطولة يستثير نفوسا
والعزم يصرخ في الكرامة من لها .. والحق يندب فارساً عتريسا ..
لله در الواهبين نفوساً باعوا النفيس لربهم تقديسا..
نذروا القلوب وأسلموا أرواحهم ومضوا إلى درب الغداء شموسا..
دوت تصوف الرعد من أجسادهم. والبرق تقدحه العيون خميسا
أما الفداء فقد تعجب منهم. وجه الربيع كوجههم مانوسا
يا يوم وقعتهم بليل قارس. متعاهدين ورافعين رؤوسا،
متناصرين وناصرين لدينهم. متقدمين مبيضين طروسا
والغاصبون بصقعة مما جرى. والرعب دب وامنهم منكوسا
لولا المعاش تسمروا في دورهم. والليل يجثم فوقهم كابوسا
لله درهم أباة ما رضوا (خطط الطريق) وما ارتضوا إبليسا
كلا ولا خضعوا لظلم صهاين طلعوا على حجب الظلام عروسا
صوت الكرامة اسمعوه مجلجلاً. سفر البطولة ضمنوه نفوسا،
والمجد مما خضبوه تألق. مهج على سرج العلاء جلوسا
هذا السبيل وليس (خطة حاقد).. وعلى الطريق يلقنون دروس
حرب ضروس: اکول عضوض - الوطيس المعركة النور، الضراب في الحراب
الأمر الغموس: الشديد - الهسيس : الكلام الذي لا يفهم، حديث النفس. عتريس: الضابط الشديد، الجبار الغضبان- الخميس: الجيش الجرار الطرس: الصحيفة، ويقال هي التي محيت ثم كتبت والجمع أطراس وطروس.
العقد في رواية (السراب) من فكر الحضارة الغربية
د. عودة الله منيع القيسي
في رواية «السراب» لنجيب محفوظ نجد الطفل كامل رؤبة يعاني من عقدة أوديب» وعقدة «أورست» (۱)... معاً.
وعقدة أوديب تعني أن البطل يكره أباه، وعقدة أورست تعني أن البطل يكره أمه. كان كامل يكره أباه، لأن أباه كان يهين أمه أمام ناظريه وهو صغير ثم انتهى الأمر به أن طلقها، فترك ذلك في نفسه كراهية لأبيه، لقد كان كامل، وهو شاب يتمنى موت أبيه، وكان السبب الظاهري الطافي على السطح هو رغبته في الحصول على ثروته، قال كامل لأمه:
ماذا ينتظر أن أرث عن أبي بعد وفاته؟
- لا تبن آمالك في الحياة على موت إنسان! بيد أني استخففت بمخاوفها وألححت عليها أن تجيبني على ما سألت فقالت مذعنة لإلحاحي:
لأبيك أوقاف تدر عليه أربعين جنيهاً كل شهر غير البيت الذي يسكنه. ... وسألتها مرة أخرى ما عمر أبي؟
وأجابتني على كره:
لا يقل عن السبعين.
ترى.... هل يُعمر كجدي مثلاً؟
ماذا يكون حالي لو عمر طويلاً وحرمني ميراثي عشرة أعوام أو عشرين؟
وتذكرت ما قيل لي من أنه انتظر يوماً على مضض موت أبيه، وكيف ساقه الجزع إلى الشروع في الجريمة التي قضت عليه بالحرمان من ثروة أبيه! إني أعاني نفس المشاعر التي عاناها قبل ثلاثين عاماً، ولعله لو كان لي بعض قوته لسلكت الطريق الذي سلك» (ص١٣٤).
... وقال كامل رؤبة مرة أخرى، يتحدث عن أبيه «... ورمقته بنظرة نارية حتى حادثتني نفسي بأن أقذفه بالقارورة في وجهه، ولكن لم أكن الرجل الذي ينفذ مثل ذلك الخاطر ...».
«ليس ثمة فائدة ترجى منه، موته وحده بيده أن يغير وجه حياته، أجل، لا أمل البتة إلا في موته» (ص١٤٩).
وهذه الخواطر والأماني التي تقوم على كراهية الأب والرغبة في التخلص منه .... هي من مفرزات «عقدة أوديب» التي توجه مشاعر الابن نحو أبيه، توجيهاً يسير في الطريق المعاكس، فقد كان ينظر إليه وكأنه عدو يريد قتلهوالتخلص منه.
أما أمه... فكان يحبها في وعيه ويكرهها في «لا وعيه» يحبها... لأنها احتضنته وأحاطته بكل رعاية وعطف، ويكرهها لأن حبها له حرمه من التمتع بالجنس مع النساء الجميلات اللواتي يشبهن أمه.
لقد أحب «رباب» الجميلة حباً عميقاً وتزوج منها، ولكنه لم يستطع أن يمارس معها دور الرجل مع امرأته، ففي ليلة الزفاف بدا بارداً لايحركه جمال حبيبته ويعترف فيقول:
«وأسندنا منكبينا إلى نمرقتين عاليتين وحبيبتي وما عليها من روب على صدري وبين ذراعي.
ومن عجب أن بصري لم يتطفل عليها، فاتجه إلى السماء خلال النافذة، وامتلات نفسي حياة لا عهد لي بها، أما جسمي فظل جامداً بارداً لا ينبض ولا تدب به حياة كأن نفسي استأثرت بكل قطرة من حياتي، وظللت على حالي حتى مطلع الفجر، ولم أدر كيف استرق النوم خطاه إلى جفني (ص ٢٢٤-٢٢٦)
لقد ظل جسمه بارداً لأنه كان يراها صورة من أمه، فكأن ممارسة الجنس معها هو ممارسة للجنس مع الأم (۳) يقول مؤكداً هذاالأمر: «... وحتى تلك الأويقات السعيدة لم تخلُ من تنغيص وألم، فعند حبيبتي كان يطاردني طيف أمي، وعند أمي كان يخيفني طيف حبيبتي... وتولد من ذلك قلق محير امتزج في نفسي بما يتن بها من ندم فشملني بكابة لا تريم (ص۱۰۷-۱۰۸)
وهذا... يُفسر لنا لماذا كان يجد نفسه في كامل رجولته مع الدميمات، فقد وجد متعة في معابثة خادمة أمه، وهو على عتبة المراهقة، ووجد لذة عميقة وهو يضاجع المرأة الدميمة «عنايات» ثم قفز خياله إلى رباب فتساءل:
«كيف كان نصيبي منها العجز والإخفاق، على حين أني نعمت بين يدي المرأة الغليظة بهذه السعادة الجنونية»؟ (ص (۳۰۹)
.... «ولم تكن تلك ظاهرة عابرة ثم ولت، إنها سر دفين، أو هي داء دفين، كأني موكل بعشق الدمامة والقذارة، إذا طالعت وجهاً ناضراً مشرقاً يقطر نوراً وبهاء.... ملكني الإعجاب وبردت حيوانيتي، وإذا صادفني وجه دميم ذو صحة وعافية أثارني وتملكني واتخذته زاداً لأحلام الوحدة وعبثها (ص٥٥).
لقد كان امتزاج صورة الأم بصورة الحبيبة في نفسه، وما أدى إليه من عجزه عن ممارسة الجنس مع الحبيبة/ الزوجة، قد جعل الرغبة في قتل الأم والتخلص منها تنطوي في أعماقه ثم تطفو على السطح في بعض أحلام اليقظة «ويوماً - وكنت جالساً إلى جانبها - جرت في تيار شعوري خواطر غريبة، لعل باعثها الخوف والإشفاق، فطرحت على نفسي هذا السؤال الخطير: كيف تكون الحياة لو خلت من هذه الأم الحنون؟ واقشعر بدني، بيد أن خيالي لم يسكن عن هذيانه، فتتابعت المناظر أمام عيني واستسلمت لمشاهدتها في حزن صامت ثقيل، رأيت بيتاً مقفراً ورأيتني حائراً كمن ضل سبيله في مغارة، وهذا جدي، متبرماً ساخطا يصب جام غضبه على الخادم العجوز والطاهي، ولمست عجزي عن مواصلة هذه الحياة المزعجة، فاقترحت على جدي أن أتزوج لنجد من يكلؤنا برعايته، ثم رأيت حبيبتي بقامتها الرشيقة ووقارها المحبوب تتعهد البيت وآله بعطف سابغ وحب شامل، ثم رأيتنا جميع أنا وزوجي وجدي - واقفين على قبر عزيز نرويه بدموعنا ...» (ص ١١٤ - ١١٥).
لقد جرت في نفسه هذه الخواطر السوداء نحو أمه... لأنها كانت تصده عن الزواج عملياً . وعن ممارسة الحياة الزوجية السوية - نفسياً - لأن صورتها كانت تتعرض بينه وبين النساء الجميلات فتحول بينه وبين الاستمتاع بهن.
وعندما ماتت زوجته - رباب - من جراء عملية إجهاض، تخلصاً من جنين غير شرعي.. طفحت أعماقه بالرغبة في أن تموت أمه أيضاً لكي يتخلص من وجهي الصورة التي جعلت حياته جحيماً مقيماً، قال لأمه عندما أخبرهاعن موت رباب :
«... ولا يمكن أن أنسى أنك أبغضتها حتى قبل أن تقع عليها عيناك.
فرفعت إلي وجهها في استعطاف وألموقالت:
- كامل! رحمة بأمك.. يعلم الله أني لا أخادعك، ولكن مثل ما كان بيننا من نقار لا يكاد يخلو منه : بيت ... . ولكني لم أرحمها، ولا أفهم في الوقت نفسه، كنه القوة التي دفعتني إلى تذكيرها بالماضي الأسيف، كأنما أسى حقيقي على رياب، فأردفت في غضب قائلاً:
الحق أن الدنيا لا تسعك من الفرح...
فتأوهت قائلة:
كامل! لا تقس على أمك، لا تقل هذا، لاأكرهها يعلم الله يحزنني ما يحزنك... ( ص ٣٥٤).
كانت هذه الكلمات ضربة قاضية نزلت على قلب أمه الذي كان مريضاً فلم يأتِ اليوم التالي إلا وقد لحقت برباب، وبذلك... تخلص من الاثنتين.
إن «عقدة أورست» هي التي جعلته لا يرحم ضعف أمه، بل تمادى في إيذائها ... لأن رغبة عميقة كانت تدفعه إلى التخلص منها كما خلص «أورست» من أمه.
عقد من فكر الحضارة الغربية
أوديب وأورست ثم الكترا، أيضاً هي في الأصل شخوص من الأدب المسرحي الذي انتقل قديماً، عن طريق إيطاليا إلى العالماليونانيالغربي، وأصبح من مكونات تراثه وحضارته.
وعندما جاء «فرويد»، بنظريته عن الجنس استخدم هذه الأسماء.. مصطلحات لمفاهيم في نظريته هذه، فأوديب... رمز به إلى «العقدة» التي تنشأ عند الولد عندما يضمر لأمه حباً جنسياً، ويرى أباه هو الذي يمتلكها فيضمر لأبيه كراهية، ويتمنى أن يتخلص منه ليفوز بأمه، فسمى هذا المفهوم «عقدة أوديب». لأن أوديب (٤)، في المسرح اليوناني قتل أباه - حكم القدر - وتزوج من أمه، قبل أن يعرف أنه قتل - بالملك - أباه - وتزوج - بالملكة . أمه، ففقأ عينيه وهام في القفار.
وأورست... رمز به إلى العقدة (٥) التي تنشأ عند الولد عندما يشب في أسرة محافظة تحرم الحديث عن الجنس فينشأ على تقديس أمه ورفعها عن النزول إلى ممارسة الرغبة الجنسية... فإذا تزوج... أخفق في ممارسة الجنس مع زوجته، عندما تكون قريبة الشبه من أمه، لأنه يشعر وكأن ممارسة الجنس معها هو منارسة له مع أمه، وسماها ... «عقدة أورست».
ومن ناحية أخرى، فلقد وجدت في كتاب أسس الصحة النفسية، لعبد العزيز القرصي. الصفحات: ٤٣٥ إلى ٤٣٨ ... ما يكاد يكون تلخيصاً لما ورد في رواية محفوظ حول كراهية كامل روبة لأبيه، وكراهيته - الباطنة – لأمه ذلك. فما تفسير ذلك؟
أيكون القوصي قد استقى هاتين الحالتين من رواية محفوظ أم استقاهما من كتاب غربي يعرض حالات موازية؟
الراجح أنه استقاهما من كتاب غربي، لأن كتاب علم النفس لا يعتمدون على فن الرواية في تقرير الحالات النفسية، فإذا وافق أن أخذوا من فن الروائي أمثلة أشاروا إلى ذلك، لأن الأصل أن تؤخذ الحالات من الواقع لا من الفن، أيكون محفوظ قد أخذ عن القوصي؟
هذا الكتاب، حسب تاريخ طبعه، متأخر عنتاريخ طبع رواية محفوظ.
فالمرجح أن محفوظاً أخذ عن الكتاب نفسه الذي أخذ عنه القوصي أو عن كتاب مواز ثم حول الموضوع إلى شكل فني روائي عن طريق أسلوب ، «الاعترافات».
ما سبق يدل على أن محفوظاً معجب بالنموذج الغربي، يتقبله، ويدخل بعض مفاهيمه إلى أعماله الروائية باعتبارها مفاهيم صادقة يصح تعميمها، واتخاذها نظاماً فكرياً للحياة المصرية، ونمط سلوك في الحياة.
ويتأكد هذا الاستنتاج إذا عرفنا أن التراث الإسلامي يخلو من مثل هذه المفاهيم.
إن الإسلام يؤكد أهمية الجنس في حياة الناس، يدل على ذلك أنه أباح الزواج من واحدة إلى أربع بشروط، وأن السنة حثت على زواج من يملك الباءة، وأعطت الرجل حق أن يستمتع بملك اليمين من الإماء... إلخ، ولكن الصورة التي يرسمها الإسلام لعلاقة الولد بأبيه وأمه.... في صورة تخلو من الجنس»، لا.. لأن ما يقوله «فرويد» ليس له ظل في بعض الحالات، أو لأن الإسلام لا يدرك ذلك... بل لأن الإسلام أرسى ثوابته وأصوله من منطلق «تهذیب» غرائز الإنسان، وتنظيمها، والسمو بها، مما لا يليق معه الحديث عن علاقة جنسية مكبوتة بين الابن وأمه، وإنما يليق معه حث الابن على احترام الوالدين ونيل رضاهما كما في قوله تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (الإسراء).
ثم لأن علاقة الاحترام والتوقير هي «الأصل» في نظرة الولد إلى والديه، أما العلاقة الجنسية فهي الشذوذ الذي لا يقاس عليه، ولا يتخذ موضوعاً لعمل كبير إلا إذا اتخذت العلاقة السوية موضوعاً لعشرات الأعمال، بل قد تغفل - في منظور الإسلام - أن تكون موضوعاً لعمل أدبي أساساً، لأن ذلك تأصيل لها، وقبول بها، ونظرة الإسلام هي قمعها ومحاربتها ، ودمغها بصفة الذنب الذي يتحرج المرء في إخراجه من مخبته في طوايا النفس.... ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ (يوسف:٥٣).
وأخيراً - فلعل هذا الاستجلاء لأنماط الحضارة الغربية، والدعوة لها عن طريق الرواية هو من أسباب فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل، وهل يريد الغرب من مسلم أن يدعو إلى أنماط حضارته أكثر مما فعل محفوظهذا؟!
الهوامش
(۱) انظر: عز الدين إسماعيل، التفسير النفسي للأدب ٢٦٠/ ٢٦٢ - القاهرة – دار المعارف ١٩٦3م.
(۲) رواية «السراب» ص ١٣٤، ط، دارمصر للطباعة، رقم الإيداع ١٩٧٦م.
(۳) انظر: أحمد إبراهيم الهواري البطل المعاصر في الرواية المصرية - القاهرة - دار المعارف ١٩٧٩م.
(٤) انظر: فن الأدب التمثيلي اليوناني ص ١٨٩ - ٢٥٤ - دار مصر للطباعة - دت: ترجمة طه حسين.
(٥) انظر: عبد العزيز القوصي - أسس الصحة النفسية ص ٤٣٦ - القاهرة - مكتبة النهضة المصرية ۱۹۸۲.
هي القدس
عبد الله خلف
هي القدس تسبيحة في السحر وزقزقة الطير فوق الشجر
هي الليل يعشقه السامرون ونجم رشيق يحب السهر
هي البدر يحرسه العاشقون ويرعاه بالفكر من يذكر
هي البحر في لحظات الغروب به الشمس في خدرها تستتر
هي الورد والفل والياسمين هي الزئبقات وكل الزهر
هي القدس خلق كريم نبيل ومن كل شيء جميل فطر
هي القدس لو أنكم تعقلون هي القدس لو تحسنون النظر
هي القدس في أسرها تنتظر وصرخاتها أوشكت تنتحر
تنادي هلموا أما من صلاح وفكوا قيودي أما من عمر؟!
أيا قدس عذرا وصبرا جميلاً فأمتنا خير من يعتذر
طلبنا صلاحًا من الصالحين فخاب الرجاء وضاع العمر
صلاح بأوطاننا مستكين ينام مع الجند وقت السحر
صلاح يقهقه والغاصبون يحيطون مسجده بالشرر
وباع الجواد الأصيل المغير بسوق الخمير لكي يستقر
ويبحث عما يسد البطون وعما يسد الأمور الأخر
لك الله يا زهرة العالمين فسبحانه الناصر المنتصر
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل