; من هو الشهيد في الإسلام؟ | مجلة المجتمع

العنوان من هو الشهيد في الإسلام؟

الكاتب صالح الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 15-مايو-1979

مشاهدات 1067

نشر في العدد 445

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 15-مايو-1979

  • فضل الشهادة في سبيل الله :

الشهادة منزلة رفيعة عالية عند الله سبحانه، وقد ندب إليها المجاهدين المخلصين المؤمنين كاتبًا لهم جل وعلا أعلى الدرجات وأرفع المقامات في جنة النعيم ودار الخلود، وكبير الأجر والثواب تحقق من المنعم المتفضل الكريم، فهو سبحانه ذو العطاء الجزيل الكبير، ومن ثم لما للشهادة من منزلة عظيمة فيها بذل النفس وإزهاق الروح، ومن قدم نفسه في سبيل الله دونما سواه لغرض من أغراض الحياة، وجاهد موقنًا بربه لأن تكون روحه في حواصل طير في الجنة كما أخبر المصطفى في الحديث الثابت، من ذلك بهذا الاعتبار نال مرتبة الشهادة. قال الله تبارك وتعالى:  ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾   (الحديد: 19)

وقال: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ۞فرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ۞يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ۞الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ۞الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ۞فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ۞ إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 169- 175)

تلك الآيات الكريمة من سورة آل عمران لا تعد شاهدًا واحدًا على منازل الشهداء عند ربهم، وإنما مجموعة من الشواهد الواضحة المنيرة للمؤمنين ما ذكره الله سبحانه عن سلفهم الكريم من الصحابة رضوان الله عليهم في غزوة أحد، وكيف كانت نفوسهم ومشاعرهم وتحركاتهم من كونهم أنهم أيقنوا أن نقلتهم من الدنيا أي من دار الفناء والعدم إلى دار البقاء والأبد، ومن منازل الثبور والسقم إلى منازل السرور والحبور، فهم أحياء يرزقون ولكن رزق النعيم والرغد، وأنهم في استبشار للقاء إخوانهم، وهو حسن ظن من استمرارية مسيرة الإيمان، كما أنهم لا يخشون أحدًا لأنهم أخذوا كامل الأسباب بصلابة الإيمان الذي جعلهم متوكلين، وهم بذلك أولياء الله، وهل أجلّ مكانة وأسمى رتبة من كون ربهم العزيز الحكيم يختارهم؟ قال سبحانه :

﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ۞وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ (آل عمران: 140،141).

فهنا في قوله جل شأنه ﴿وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ(آل عمران: 140) تعبير مجيب عن معنى عميق أن الشهداء لمختارون. يختارهم الله من بين المجاهدين، ويتخذهم لنفسه سبحانه، فما هي رزية إذن ولا خسارة أن يستشهد في سبيل الله من يستشهد، إنما هو اختيار وانتقاء، وتكريم واختصاص، فهم شهداء يتخذهم الله، ويستشهدهم على هذا الحق الذي بعث به للناس، يستشهدهم فيؤدون الشهادة. يؤدونها أداء لا شبهة فيه ولا مطعن عليه ولا جدال حوله. يؤدونها بجهادهم حتى الموت في سبيل إحقاق هذا الحق وتقريره في دنيا الناس. بطلب الله سبحانه منهم أداء هذه الشهادة، على أن ما جاءهم من عنده الحق، وعلى أنهم آمنوا به، وتجردوا له، وأعزوه حتى أرخصوا كل شيء دونه، وعلى أن حياة الناس لا تصلح ولا تستقيم إلا بهذا الحق، وعلى أنهم هم استيقنوا هذا فلم يألوا جهدًا في كفاح الباطل وطرده من حياة الناس، وإقرار هذا الحق في عالمهم وتحقيق منهج الله في حكم الناس.. فإذا اقتضى هذا الأمر- الجهاد لتحقيق شرع الله- أن نموت في سبيله فهو إذن شهيد. أي شاهد طلب الله إليه أداء هذه الشهادة فأداها، واتخذه الله شهیدًا، ورزقه هذا المقام.[1] 

ومما كتبه الله سبحانه من الفضل للشهيد أن جعل مقام المطيع له جل وعلا محشورًا مع من أنعم الله عليهم من الأنبياء، ووضع سبحانه في سياقهم الشهداء وأنهم في رتبة تعلو رتبة الصالحين، فقال جل وعلا: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا(النساء: 69).

وبعد هذه اللمحات المقتضبة في إعلاء مكانة الشهداء كما بينها الكتاب العزيز، هناك أحاديث كثيرة متوافرة في المنزلة العالية لمقام الشهادة وجزاء الشهيد، وشاهد عظيم في ذلك تمنى الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكون شهيدًا، مكررًا ثلاث مرات، وذلك فيما أخرجه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول :

«والذي نفسي بيده لولا أن رجالًا من المؤمنين لا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا عني ولا أجد ما أحملهم عليه ما تخلفت عن سرية تغزو في سبيل الله، والذي نفسي بيده لوددت أني أُقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أُقتل ثم أحيا ثم أُقتل ثم أحيا ثم أُقتل» الحديث.

وقال عليه الصلاة والسلام: «والذي نفسي بيده لا يكْلُم أحد في سبيل الله، والله أعلم من يكْلُم في سبيله، إلا جاء يوم القيامة اللون لون الدم والريح ريح المسك» الكَلَم: الجرح ويَكْلُم يُجرح.

وقال: «ما يجد الشهيد من مس القتل إلا كما يجد أحدكم من مس القرصة»، وتلك الموتة الشريفة والخاتمة السعيدة والنهاية الهادئة الطيبة تدعو الشهيد أن يطلب من ربه العزيز الحميد- وقد أناله جميع المطالب- أن يطلب منه أمنية عزيزة، وهي أن يرجعه سبحانه للحياة مرة ثانية فيقتل في سبيل الله ولكن الله سبحانه يرد على عبده بأنه قد كتب أنهم إليها لا يرجعون.

ففي الحديث عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يؤتى بالرجل من أهل الجنة يوم القيامة فيقول الله عز وجل: يا ابن آدم كيف وجدت منزلك؟ فيقول يا رب خير منزل، فيقول سل وتمنَّ، فيقول ما أسأل وأتمنى إلا أن تردني إلى الدنيا فأقتل في سبيلك عشر مرات؛ لما يرى من فضل الشهادة».[2] 

وقال صلى الله عليه وسلم: «الشهداء على بارق- جانب- نهر بباب الجنة في قبة خضراء، يخرج عليهم رزقهم بكرة وعشيًّا».

وعن المقدام بن معد يكرب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها، ويُزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع في سبعين من أقربائه».[3] 

إنه جزاء ليس بعده جزاء إلا للأنبياء و الصديقين، ومن ثم يكون جزاء الشهداء وبعدهم الصالحون، فهم إذن في رتبة ذات تقديم تسمو بهم مدارج الخير والعطاء والإنعام، فيكونون في أعلى درجات الجنة في الفردوس.

  • من هو الشهيد؟ إن الشهادة كلمة إعلاء وتزكية؛ فمقامها كبير لاشتقاقها من كلمة التوحيد، ولدخولها في معنى الإقرار والإشهاد في أمور القضايا والجنايات، ولهذه المكانة السامية أمسى إزجاء كلمة الشهيد لكل من يريد تعظيمًا لميته أو أمواته، ما دامت قد انتهت حياته في عمل ما أو في معركة ما، ويعد ذلك تجاهلًا لمعنى الشهادة اللغوي؛ لذا لزم معرفة من يكون شهيدًا، وإيضاح ذلك يتم لنا بمعرفة الأمور التي يتحقق بها معنى الشهادة وهي :

1- صحة وسلامة العقيدة :

إن صحة المعتقد أمر جد لازم، وبدونه الكفر والابتداع والفسوق والخروج من دين الله، وإذا ما قتل شخص يعتقد أنه يدافع لسمعة أو مجد أو مال أو تراب دونما نظر إلی توحید ربه و إعلاء كلمته فهو ليس بشهيد، مهما لقب وأعطي هذا الوصف الكريم، كذلك ليس بشهيد من ينكر معلومًا من الدين بالضرورة أو ينكر آية من القرآن أو يبتدع بدعة في دين الله، أو يأتي بعمل يخرج فيه على إجماع أهل السنة والجماعة، كأن يسيئ إلى مكانة ومنزلة الصحابة الكرام رضوان الله عليهم جميعًا.

إن العقيدة الصحيحة تلك التي تتمثل الإيمان الصادق بالله سبحانه، من كونه واحدًا صمدًا في ذاته وصفاته وأفعاله دونما تشبيه أو تمثیل أو تجسيم، والإيمان بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره. والوقوف على أقوال وأعمال وتقريرات الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم من حيث بيانه لمعنى الجهاد في سبيل الله، ومن حيث جمعه شمل الأمة على التوحيد والتمسك بالكتاب والسنة، واتباع الخلفاء الراشدين المهديين، والأمر بذلك بالعض بالنواجذ، وأيُّما أمر يخالف هذا التصور يعد خروجًا عن الملة أو انحرافًا بتأويل يؤدي إلى البدعة والضلالة والعياذ بالله.

2-الإخلاص لإعلاء كلمة الله:

أكدت كلمات القرآن الكريم بقول الله سبحانه أن القتال والجهاد يجب أن يكون خالصًا لله جل وعلا، قال سبحانه: ﴿۞ فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ ۚ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (النساء: 74)

فيقاتل في سبيل الله: فالإسلام لا يعرف قتالًا إلا في هذا السبيل.

لا يعرف القتال للغنيمة ولا يعرف القتال للسيطرة، ولا يعرف القتال للمجد الشخصي ولا القومي.. إنه لا يقاتل لمجد شخص ولا لمجد بيت ولا لمجد طبقة، ولا لمجد دولة ولا لمجد أمة ولا لمجد جنس، إنما يقاتل في سبيل الله. لإعلاء كلمة الله في الأرض، ولتمكين منهجه من تصريف الحياة.

وحين يخرج المسلم ليقاتل في سبيل الله بقصد إعلاء كلمته وتمكين منهجه ثم يُقتل يكون شهيدًا وينال مقام الشهداء عند الله.

وحين يخرج لأي هدف آخر- غير هذا الهدف- لا يسمى شهيدًا ولا ينتظر أجره عند الله.. والذين يصفونه حينئذ بأنه «شهید» يفترون على الله الكذب، ويزكون أنفسهم أو غيرهم بغير ما يزكي الله به الناس افتراء على «الله».[4] 

3- العمل والدعوة لله سبحانه:

وفي ذلك يقول الألوسي رحمه الله: «وينبغي ذلك يعتد به ولا يتحقق إلا بفعل طاعات يعتد بها، وإلا فيبعد أن يكون المؤمن المنهمك في الشهوات الغافل عن الطاعات صديقًا شهيدًا، ويستأنس لذلك بما جاء من حديث عمر رضي الله عنه: «ما لكم إذا رأيتم الرجل يخرق أعراض الناس ألّا تعيبوا عليه؟ قالوا: نخاف لسانه، قال: ذلك أحرى ألّا تكونوا شهداء»، قال ابن الأثير: «أي إذا لم تفعلوا ذلك لم تكونوا في جملة الشهداء الذين يشهدون يوم القيامة على الأمم التي كذبت على أنبيائها».[5]

فهنا انظر إلى قوله «طاعات يعتد بها» ثم يمثل لذلك بالقول الطيب وألّا يسيء اللسان إلى أحد، فكيف إذن نطلق كلمة الشهادة على أشخاص لا تخلو أقوالهم من الأخذ على دين الله ولمجرد إصابتهم بالقتل وصفوا بالشهادة؟ إن ذلك لمن الافتراء. 

  • ملاحظات :

1- يحثنا الموضوع على الحرص على الشهادة، وتكون بالاتجاه الخالص إلى الله، وتتحقق في الجهاد الأكبر في قتال الأعداء، وترتبط الكلمة بموضوع الجهاد إذ يكسب دليل أهمية ويقدم أبعاده في الإحساس الحماسي لرفعة دين الله بمختلف أساليب الحركة.

2- يتطرق الموضوع إلى النوع الأساسي في الشهادة، وقد ثبت أن الحريق والمبطون والغريق وحتى من تمنى الشهادة صادقًا والنفساء، كل أولئك نهايتهم تعتبر لهم شهادة.

3-لا يعد الموضوع وافيًا إذا لم يشمل ما يتعلق بالشهيد من حيث الأحكام الفقهية.

4-الأساس المطلوب من هذا المبحث معرفة من هو الشهيد حسب التحديد الشرعي، وبالذات قد تم التركيز على جانب العقيدة و إيضاحه.

5-مراجع المبحث أمهات كتب الحديث، كالبخاري ومسند الإمام أحمد، كذا كتب التفسير بالذات تفسير الألوسي وفي ظلال القرآن.

6-خلا الموضوع من النماذج والأمثلة خشية الإطالة.

 

  • هوامش

[1] ظلال القرآن ٨٥/٢ و ٨٦ بتصرف.

[2]  أخرجه الإمام أحمد في المسند.

[3]  الترمذي وأحمد.

[4] الظلال ١٤٦/٢ بتصرف.

[5] روح المعاني- ١٨٣/٢٧ – ١٨٤.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 48

95

الثلاثاء 23-فبراير-1971

مواقف (48)

نشر في العدد 379

78

الثلاثاء 20-ديسمبر-1977

لا تؤثموا المسلمين

نشر في العدد 837

79

الثلاثاء 06-أكتوبر-1987

ثقافة (837)