العنوان الأندلس نكهات رمضانية(2).. البشارة النبوية بفتح الأندلس
الكاتب أ.د. عبد الرحمن علي الحجي
تاريخ النشر السبت 13-يوليو-2013
مشاهدات 56
نشر في العدد 2061
نشر في الصفحة 30
السبت 13-يوليو-2013
من العجيب أن تكون جميع الفتوحات الأندلسية المتتابعة لسنوات كانت في رمضان.
كان الفتح الإسلامي في أغلبه صلحًا وليس عنوة علما أن ذلك ليس فيه غنائم ومسؤولياته أكثر.. لكن يفضله المسلمون
أشرنا في مقال سابق إلى الحديث الشريف الذي احتوى معجزتين؛ الأولى تحققت في فتح جزيرة قبرص، وشهدته الصحابية الجليلة أم حرام، فمن تكون المجموعة الثانية؟ ومتى تحققت بشارتها؟
يذكر ابن حزم الأندلسي (456هـ / 1064م) أن المقصود بالجماعة الثانية حتمًا هم فاتحو الأندلس، وهو تشريف لها : «وأنا أقول: لو لم يكن لأندلسنا إلا ما رسول الله ﷺ بشر به ووصف أسلافنا المجاهدين فيه بصفات الملوك على الأسرة، لكفى شرفًا بذلك، يَسُرّ عاجله ويغبط أجله« (1)، كان هذا الفتح مجدًا وشرفًا أبواب مدنهم وحضارة للعالم كله حققه المسلمون بفضل الله تعالى وكان فيه التحقيق للمعجزة الثانية في حديث رسول الله ﷺ الذي يُعتبر من دلائل نجد جمهرة الفتوحات بل منقذين، كما نبوته الكريمة وما أكثرها .
تم تحقيق هذه المعجزة النبوية بكل مراحلها في رمضان سنوات متتالية، كما يتبين لاحقًا.
وإنه لمن العجيب أن تكون جميع مناشط الفتح الأندلسي المتتابعة لسنوات، في رمضان فهل كان ذلك تبركًا اختيارًا مقصودًا؟ لا حرام أبعده أبدًا.. سبقت أول عمليات الفتح أمور الإسبانيا وأود ومتى وترتيبات ومراسلات عدة، لكن قبلها جميعًا، ما كان ليتم منها المسلمون شيئا يذكر لولا ما سبقها وسَبَقَ غيرها، مما يتعلق بالقاعدة العظيمة المعتادة التي سار عليها المسلمون في الذين قَدِمُوا فاتحو فتوحاتهم التحريرية على الدوام، تلك هي لو لم أنهم ما كانوا ينطلقون لفتح جديد، إلا يوم ولا عداء، فم يستقر ما قبله باستقرار الإسلام في النفوس الملوك الذي من أجله أتوا إلى هنا وإلى غيره، هداية الناس لهذا الدين ودعوتهم إليه بالسلوك قبل المنطوق، فإذا ما أقبل أهل بلد ما عليه ودخلوه أفواجا وغدا كلهم أو جلهم من أهله باختيارهم له وغدوا من أمته الخيرية، وأحبوا خدمته ودعوته، جرى التفكير في قيادة مده الكريم ضان وتوجهه إلى مكان آخر، هذا يقود إلى تبين قضية مهمة مستنتجة أو منشورة ومدرجة في فضيلة حُريّ ثنايا ما بقي لنا من المدونات، من أن الفتح تقوم عليه عـ صلحا الإسلامي كان في أغلبه صلحًا وليس عَنْوَةً، في المدن علمًا أن ذلك ليس فيه غنائم ومسؤولياته أكثر لكن يفضله المسلمون.
المواجهة في الفتوحات الإسلامية كانت المون مع السلطة »وجندها ومن معها« التي تحول وتمنع استماع الناس لكلمة الإسلام، ليترك لهم الاختيار كاملًا الذي هم فيه أحرار تمامًا الشعوب لم تواجه الجيوش الإسلامية خلال الفتوحات، بل كانت حين تسمع بهم تفتح لهم أبواب مدنهم استقبالًا لهم وترحيبًا وتعتبرهم منقذين، كما نوه بذلك أحد الكتاب المؤرخين الإسبان من أهل القرن العشرين الميلادي، إذا نجد جمهرة من دارسي الغرب وأمثالهم ومن الإسبان بالذات، مَنْ نَوّه عموما بهذه الأجواء الاجتماعية وحياتها الكريمة السمحة الوفية يُذْكَرُ منهم المؤرخ الإسباني »بلاسكوا أَبَانيز» «أحد علماء القرن العشرين«، نوه بذلك وغيره مبينًا آثار هذا الفتح الأندلسي العظيم، وجلبه الخير العميم والعلم والحضارة الإنسانية لإسبانيا وأوروبا، ثم للعالم كله، حيث تحدث مشيدًا بقوة بالفتح الإسلامي، وأنه تم صُلحًا دون حرب في أغلبه، ويقول:
«لقد استقبلت إسبانيا أولئك المسلمين الذين قدموا إليها من القارة الأفريقية استقبالاً حَسَنَا، وَسَلَّمَتُهُمُ القُرَى قيادتها بغير مُقاومة ولا عداء، فما هو إلا أن تقترب مجموعة من العرب «المسلمين« من إحدى القرى حتى تَفْتَحَ لها الأبواب وتتلقاها بالترحاب، لم يكن فتحًا فَرِضَ على الناس برهْبَة السلاح، بل حضارة جديدة بسطت أيديها على جميع مرافق الحياة بسطًا، كانت غَزْوَةً »فتح« تَمْدِين ولم تكن غَزْوَةَ قتل وتخريب.
فضيلة حرية الضمير
ولم يتخل أبناء تلك الحضارة مرةً عن فضيلة حرية الضمير، وهي الأساس الذي تقوم عليه عظمة الشعوب، فقد قبل المسلمون في المدن التي ملكوها كنائس النصارى وبيع اليهود، ولم يَخْشَ المسجد معابد الأديان التي سَبَقْتُهُ، فَعَرَفَ حَقَّها واستقر إلى جانبها غير حاسد لها ولا راغب في السيادة عليها ونمت على هذا -ما بين القرن الثامن والقرن الخامس عشر الميلادي- أجمل الحضارات وأغناها في العصور الوسطى، ونهضت بالبلاد نهضات«
بل إن أحد كبار المؤرخين الإسبان المعروفين »جنثالث بالنثيا Gonzslez« Palencia يصف في كتابه »تاريخ إسبانيا المسلمة Historia de la Espas « Musulmana الفتح الإسلامي لإسبانيا بأنه مجرد نزهة عسكرية »(2)
هذا كله مما تم في الأندلس مثل كثير غيره، لذلك فإن أكثر من 80% من المدن الأندلسية فتحت صلحًا، بل إن هناك مدنًا رئيسة مهمة كبرى، لا أعرف عن فتحها شيئا مثل مدينة «بلنسية«
ثم هناك معلومة فذة مهمة، أعانت على ظهورها وتأكيدها، معلومات جديدة ظهرت في مخطوط نشر حديثا، تتعانق مع الفهم العام للموضوع وتتلاحم مع ما لدينا من مفاهيم ونقول وآفاق تشي كلها بتماسكها وصحتها، يسندها أكثر من موقف وحادثة وحالة إلى جانب الجو العام لأجوائها؛ تلك هي أن هذا الفتح ما كان له أن يتم أبدا بحال لولا نوعية هؤلاء الجند في إيمانهم بالمنهج الرباني القرآني، الذي وهبوه كل شيء واسترخصوه من أجله، ويرون كل ذلك قليلا لقدره، ولذلك أمثلة كثيرة، منها : -1 كيف أمكن لجيش لا يتجاوز اثني عشر ألفًا، كثرة منهم متطوعون، أتوا من وراء البحر ليقاتلوا جيشًا تعداده مائة ألف أو يزيدون عُرف بعسكريته ومراسه، إذ لم يهزم ولا مرة واحدة طيلة قرنين من الزمان قبل هذا الفتح العظيم؟ كل ذلك وهو يقاتل في أرضه دن التي يعرف دروبها وتضاريسها وطبيعتها، دنا والعُدَّة كلها والمدد والسند منه قريب، وخبرته يئا العسكرية ممتدة وروحه المعنوية عالية جدًا، لم يخامره شك أبدا في انتصاره على هؤلاء الأفر على القادمين خلال يوم واحد ليغدو جميعًا بين في قتيل وأسير، حتى أن القوط جلبوا معهم عام عربات تحمل الحبال لكتاف أسرى المسلمين! وتستمر المعركة حامية قرابة عشرة أيام لم يظهر لمن يكون النصر إلا في أواخرها حيث لى كان للمسلمين وقد أنزله الله تعالى عليهم.
2- حين جاء طارق بن زياد بالفوج الأخير ليرسو على الجبل، وقف الجيش القوطي في وجهه، ولم يسمح له بالنزول، فماذا يفعل أمامه؟ من أمر من معه أن يبحروا عائدين إلى المغرب الأطل حتى حل الظلام فتوقف ثم عاد في الليل بتفاص من خلف الجبل حيث يكون القطع عموديًا، شر وطلب إلى الجند أن يتسلقوه بالمجاديف وحبال البراذع ويسحب الواحد منهم الآخر! مَنْ يَرَى الجبل من هناك لا يكاد يصدق لولا أنه حدث طارق كان يعرف نوعية الذين معه، لولا مذا ذلك ما كان يمكن أن يطاع.
3- أين كانت تختفي الأفواج التي سبقت طارقًا في العبور، التي كانت كلما أتى فوج يواجه بالحرب من قبل أمهر قائد قوطي «تدمير Tudmir «وفي جميعها كان ينهزم أمامهم فرارًا؟ تعجب من ذلك مما دعاه أن يكتب إلى مليكه «لذريق»، وهو عسكري معروف قائلا له: «أيها الملك أدركني فقد حل بأرضنا قوم لا ندري أهم من أهل الأرض أم من أهل السماء»، نعم إنهم من أهل الأرض بمنهج السماء.
وبعد استقرار الإسلام في الشمال الأفريقي جَرَتْ مراسلات بين موسى بن نصير »والي الشمال الأفريقي« وبين الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك، انتهت بموافقة الخليفة مما جعل موسى يبدأ بالخطوات العملية، وكان أولها توجه حملة استكشافية بقيادة طريف ابن مالك، بربري من سكان البلاد، مكونة من خمسمائة جندي منهم مائة فارس رحلوا من مدينة سبتة الواقعة على فم المضيق من جهة البحر المتوسط عبر مضيق جبل طارق ليرسو بسفنه في رأس أرضي ناتئ في المحيط الأطلسي عُرف باسمه Tarifa، قام بالمهمة بتفاصيل نجهلها وعاد إلى موسى بالأخبار السارة، وكان ذلك في رمضان سنة) 91هـ -710م)
الهامشان:
(1) نفح الطيب، 3/160 - 161 بتصرف.
(2) التاريخ الأندلسي (×)، 128
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل