العنوان ربانية الأمة.. سر قوتها وخلودها
الكاتب شريف قاسم
تاريخ النشر السبت 31-يناير-2004
مشاهدات 67
نشر في العدد 1587
نشر في الصفحة 44
السبت 31-يناير-2004
■ أمتنا اليوم تواجه معركة مصيرها.. وعليها الدفاع عن عقيدتها وعن وجوب حضورها لأداء مهمتها بين الناس.
■ الأمة المجاهدة لا تعرف إلا نجاوى المقربين وميادين الجهاد.. وهي مطمئنة لوعد الله بالفتح والتمكين.
■ أمة الإسلام باقية خالدة بخلود كتاب ربها.. والأعداء سينهارون مهما كانت قوتهم.. تلك سنة الله في خلقه من لدن آدم إلى قيام الساعة.
■ تربية النفس المسلمة وتزكيتها بالعبادات.. وشحنها بالشوق إلى الله وتذوق حلاوة الإيمان.. يسمو بها فوق مراتع الابتذال.. ويؤهلها لنصر الله.
■ ربانية هذه الأمة هي المظلة الورافة لكل المسلمين في آمالهم المنشودة.
للدخول في ميدان هذا الموضوع، تتعدد الأبواب، وتتنوع الطروحات لاسيما وأن انكشاف عورة العولمة، فضح أسرار الهجمة الشرسة على الإسلام، وعلى الأمة المسلمة، ومحاولة طمس الهوية المتلألئة بأنوار القيم الربانية، منذ ظهور الإسلام في جزيرة العرب المباركة، ولعل التحدي الأكبر هو تجميع الدول الاستعمارية منذ عقود لليهود في أرض فلسطين، وإقامة كيانهم اللعين بقرار التقسيم عام ١٩٤٧م، وتسليح هذا الكيان وحمايته من قبل تلك الدول نفسها، حيث وجد اليهود الصهاينة ضالتهم التي حشدوا لها أوهامهم التاريخية، وأباطيلهم الدينية، فالدخول من هذا الباب يكشف ما أعد الله لهؤلاء اليهود من هوان وذلة، وما ألبسهم من ثياب اللعنة الأبدية، مهما رسموا من خرائط، ومهما بنوا من جدران، ومهما وسعوا من أحياء ومستوطنات حول القدس، وغيرها من البقاع الطاهرة غرب النهر، فوجود اليهود في القدس خاصة، وفي سائر الأرض الفلسطينية عامة، هو التحدي الأكبر- حقيقة- للأمة الإسلامية.
ولقد قال بن جوريون: «لا معنى "لإسرائيل" بدون القدس، ولا معنى للقدس بدون الهيكل»، أما الحاخام شلومو جورين فقد قال بكل قوة وجرأة: «إن حركة رابطة الدفاع اليهودي ستخوض صراعًا حادًا من أجل استعادة الهيكل، وإزالة المساجد، بما فيها المسجد الأقصى، وهذا الحقد وهذا العداء ليس بجديد، ولكنه ممتد منذ القدم، فلقد وقف زعيم اليهود حيي بن أخطب وأخوه ينظران في مقدم النبي يوم وصوله مهاجرًا إلى المدينة المنورة، فقال أبو ياسر لأخيه حيي أهو؟ قال حيي: نعم والله، قال أخوه: أتعرفته وتثبته؟ قال: نعم، فقال أبو ياسر- فما في نفسك منه؟ قال اللعين: «عداوته ما بقيت»، فاليهود هم اليهود في عهدهم القديم، وفي تلمودهم البابلي وفي الآخر الأورشليمي، وهم هم في كل طوائفهم المتعددة والمتناحرة.
فأمتنا اليوم تواجه معركة مصيرها، وليست المعركة معركة مصطلحات، أو بيانات ولقاءات، وإنما هي معركة الأمة في الدفاع عن عقيدتها الإسلامية، وعن وجوب حضورها لأداء مهمتها بين الناس، إن كل طبول المصطلحات المحدثة صناعة غريبة عنا، وعن قيمنا، صاغتها الدوائر المغلقة من صهيونية وصليبية، وأعدتها على شكل مشاريع لتغري بها المسلمين، ولقد استهوت بعض المسلمين الذين تعلقوا بذراع ما يسمى بالتقدمية أو الثورية، فلطخوا أفكارهم، وزينوا رؤاهم بأنواع المساحيق المستوردة، ونظروا إلى خطوط هويتهم الجديدة في مراياهم الخاصة فأعجبتهم، وكانت خسارتهم باهظة، وانعكست على أمتهم بهذا الانحدار المريع، حيث تقف الأمة- اليوم- في حالة من الوجوم يتشح وجهها بغبار النكبات والانتكاسات المتلاحقة، وتعلق على صدرها المحطم أوسمة الزيف المياسة، وتغشي قيمها السامية سحب احتقان ألام المساءات الحزينة بدموع الثكالى وأنين اليتامى، وهي تنظر بأسف وحسرة في حركة تسويق الشعارات بأسماء الشهداء، والأبرياء، وحينًا ترنو بابتسامات اليأس التي تدرها أشداق الموغلين في إرهاقها ببريق قسوة سيوف القهر والإذلال، وأحيانًا تسخر إذا اختلطت صيحات الذئاب الأهلية بتهدج سبحات الفجر الساطع بالأمل والرجاء، وحيث تتوهم أنيابها الآثمة أنها تحمي حضور التقهقر المرير من فضيحة بدت عارية، ولتعود تقطع أسيجة الفطرة الضاربة في سواد العيون المؤمنة، وفي أعماق الأحناء الطاهرة.
لقد ساخت حكايا عنترياتهم المملة في مستنقعات قذارة أفكارهم ورؤاهم وسلوكهم، التي ملأت سلالها المتعفنة بالحشف، ولم يمل ميزان عتوهم المضحك من سوء الكيل، يوم ملأت ديباجات أكاذيبهم شهادات الامتياز بحروف الزور الباهتة، لا بأحرف المجد الظليلة، ولا ببهاء قناديل الفتح التي أوقدتها أمتنا بربانيتها عبر العصور.
إن جمهور الطغاة يمتد في فراغ وهمهم، جمهورًا عريضًا طويلًا، ولكنه بلا مشاعر، وامتداده نتيجة لنهوض أسياده بتوسيع مساحات الفراغ، فلا عقيدة ولا قيم ولا أخلاق، فالمكان أخلوه إلا من حضارة الشيطان، فهو جمهور لم يعرف الالتزام بقيم القضايا المقدسة عند الأمة الثاكلة، تلك الأمة الربانية التي يجندها الوعي والإيمان فلا تعرف إلا نجاوى المقربين، وميادين الجهاد، وهي مطمئنة لوعد الله بالفتح والتمكين، وهذا هو الانتماء الرباني لها، ولا مكان ولا قيمة عندها لكل الفلسفات المتناقضة التي تجتر عداءها لأنصار الدعوة الإسلامية، ولا اهتمام لديها لكل المفردات والنصوص الاصطناعية التي صاغها أعداء الله، ورددها الأغبياء من أبناء جلدتنا: رجعية.. تقاليد بالية.. إرث محنط.. إلى آخره، وتلتها المفردات المبتكرة - حسب الطلب- أصولية.. إرهابية.. مع تلميع المصطلحات الباهتة من: حداثة.. معاصرة... علمنة.. عولمة.. إلى آخر شريط العبارات الجوفاء المزيفة التي يحاول مبتكروها ومصنعوها بواسطتها تصويح نضارة الأمة التي تحميها ربانيتها الحقة، وتجفيف منابعها الثرية.
ولقد شارك - مع الأسف - أبناء جلدتنا العدو الحاقد في هذه العمليات الصعبة التي باءت بالفشل بفضل الله تبارك وتعالى، من خلال حربهم على دينهم وبني قومهم، بالقتل تارة وبالسجن تارة أخرى، وبالنفي والتضييق، وبالمقابر الجماعية.. وغيرها من أنواع التنكيل والإرهاب والاستهزاء، فهل لهؤلاء الأبناء الأعداء أن يؤوبوا إلى رشدهم، وتدركهم رحمة الله؟ قال تعالى: ﴿أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ ۚ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (الرعد: 19).
وهل لهم أن يعلموا أن هذه الأمة باقية وخالدة بخلود كتاب ربها، وأن الأعداء مهما كانت قوتهم سينهارون ويتقهقرون تلك سنة الله في خلقه من أيام قوم نوح وهود وصالح، ومن زمن الجاهلية الأولى التي جاءها نبينا ﷺ يقول الحق عز وجل: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ۖ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ (الرعد: 36)، فأعداء الله جندوا عساكرهم لحرب النبوة، وما جاءت به من خير
وسعادة للبشر، ولقد هلك قدار الذي عقر ناقة الله، وهلك أبو جهل فرعون هذه الأمة، وتقهقر الروم والفرس، وباء المغول والتتار والصليبيون بالذل والعار والانكسار، وبقيت الأمة الربانية لأنها رفضت كل هزائم الآثمين في الصراعات غير المتكافئة، وصبرت ورجعت إلى الله، وتابت واستغفرت، وهي تكفر اليوم بالاستعمار الجديد الذي جاءها بأثواب العلمنة والعولمة، وبأسفار اللعنة من طرب وغناء وتمثيل وموسيقى الغرب، وبكل أنواع الثقافة والأيديولوجيات التي يحملها سيل الأعداء زبدًا وغثاءً، ويقيت الأمة المسلمة- وهي باقية - بمشيئة الله؛ لأن دينها الحنيف يرفض ذلك الزبد والغثاء والضياع، ولأنه رسالة الخالق للخلق، وله مهمة مقدسة حملها الأنبياء وأتباعهم، لإرشاد الآخر المعاند، وكان النصر للمؤمنين، وهو كائن إلى يوم الدين.
روى الإمام أحمد عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين، لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من خالفهم، إلا ما أصابهم من لأواء، حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك، قالوا: يا رسول الله: وأين هم؟ قال ببيت
المقدس وأكناف بيت المقدس».
أجل... إلا ما أصابهم من لأواء، ومن شدة وحصار وقتل وسجن وإرهاب وتدمير، وما وهنت الطائفة المؤمنة، وما استكانت، وتلك عقيدتها مهما أصابها من سوء، وصدق الله القائل: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ، وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (آل عمران: 146- 147). والسير تعيد أفعالها الحميدة بأيدي المؤمنين الصابرين في فلسطين، وفي الشيشان، وفي أفغانستان، وفي جنوب الفلبين، واليوم في بغداد- العراق، وفي كل أرض يحارب فيها أنصار دين الله، إن حضور الأمل بصلاح الأمة، وإعادة توجهها إلى الله، بدأ يحل محل الغفلة المظلمة، وربانية هذه الأمة تؤكد قدرتها على تخطي العقبات، وعلى معالجة ما أنتجته حضارة الآخرين، وعلى تقويم وتصويب مسيرة الحضارة الإنسانية على مراقي السمو والأمن، ولتسقط إلى الأبد مذاهب الانتكاسات والنكبات التي حملها للأمة أتاتورك، وطه حسين، وأهل الحداثة، والتغريب، وأتباع طغاة الغرب، وأهل القبعات، وتربية الكلاب.
ولحضارة الآخرين المعاصرة مزايا، ولكن سوءاتها ومثالبها أكثر وأكبر وأخطر، وسعيهم للقضاء على الإسلام والأمة المسلمة لم يعد خافيًّا. وإن أسباب العافية لأمتنا الربانية موجودة بين أيدي أبنائها، رغم تعدد الآفات، وتنوع الأمراض، ولقد أصيبت من قبل بابتلاء وشقاء، وهبت قوية عزيزة بما وهبها الله من أسباب النهوض من كبوتها، فهي الأمة المستخلصة، وهي أمة القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، فقيم الإسلام في الأخلاق والمعاملات، وقيمه في التربية والتنشئة، وقيمه في إيجاد الوعي، وتفعيل القدرات، وتوجيه الطاقات الروحية والمادية، وقيمه في قيادة عملية التغيير... تمنح الأمة الأداة ذات الطول والتأثير للتغلب على المفاسد والخلل، وتغذيها بمناهج المعالجات البصيرة للتشوهات التي أصيب بها جسدها، وثمرة ذلك مواجهة الأباطيل، ودحر شوكة الأذى، وكبح جماح الأعداء الذين ملكوا القدرات الهائلة من القوة العسكرية، ومن وسائل أخرى لا تقل خطورة عن الأولى في الثقافة أو الاقتصاد أو الفساد.
في حاضر أمتنا غياب لروح النهج الذي كان عليه الرعيل الأول من الصحابة والتابعين، أعني مجاهدة النفس وبناء الذات، فلقد قال رسول الله «المجاهد من جاهد نفسه في الله».([1])
فتربية النفس المسلمة وتزكيتها بالعبادات، وبالصفات المحمودة، وتوجيه طاقاتها في مسارات الولاء لله والوفاء لأهل دينه وشحن رؤاها بالشوق إلى الله وتذوق حلاوة الإيمان، واسترخاص النفس في ميادين الجهاد ودرب الاستشهاد، كل ذلك يرفعها فوق مراتع الابتذال في حياة اللهو بل يسمو بها على المستنقعات الوثنية الشيطانية في هذا العصر، ويجعل لها الوسيلة الطاهرة، والهدف الأسمى، ويمتد بفطرتها التواقة إلى الخير لتلتقي بصدقها ويقينها بمسؤولياتها في مجتمع الأمة المسلمة التي تدين لربانيتها بمعاني الأخلاق ومعاليها، وكره سفسافها، وتعيش بجمال التزامها بدينها الحق ولغتها الأثيرة لغة القرآن العظيم، وتصوراتها الفينانة بسعادة البشرية، وخصائصها في النصرة والإيثار والتضحيات، ومن التثبت في أدائها، وإتقان ترجمتها إلى سلوك يومي، فيه التوازن والتواؤم بين متطلبات أبناء المجتمع، وهذا ما يولد البناء الرصين لجسد الأمة الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، أي بالنصرة والتفاعل. وهذا ما يولد القدرة على استنهاض الهمم، والمنافسة والإقبال على رضوان الله في الميادين التي نوهنا بها من قبل.
ويشهد لهذه الأمة حتى أعداؤها، وهم صاغرون، لأن نور الشمس لا تحجبه يد باغية، ولا ثوب بالٍ ولا لعبة قذرة، فأمتنا بربانيتها وخلودها هي التي تستطيع توحيد الخلق تحت راية فطرتهم قبل أن يدنسها شياطين الإنس والجن، يقول دينون في كتابه «العواطف كأساس للحضارة» بعد حديث عن حال الناس آنذاك: «كانت المدنية في القرنين الخامس والسادس كشجرة ضخمة فارعة امتد ظلها إلى العالم كله، وهي واقفة تترنح، وقد تسرب إليها العطب حتى اللباب، وبين مظاهر هذا الفساد الشامل ولد الرجل الذي وحد العالم جميعه». ولد الإسلام في جزيرة العرب.... دينًا ليس بحاجة إلى القيام بتجربته في حياة الناس، ولا إلى انتظار ما ينقصه في حالة التطبيق، وليس بحاجة إلى محللين أو ناقدين أو منظرين؛ لأنه دين الله العليم بخلقه الخبير بكل احتياجاتهم ومشاعرهم ونوازعهم، ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ (آل عمران: 83)!!.
فأوامر الإسلام ونواهيه جعلها الله لتقويم السلوك والسمو بالنفس، وتوجيهات الإسلام ووصاياه الربانية جاءت لصياغة الإنسان المؤهل لخير الدنيا، والفوز بنعيم الآخرة، فلا مكان لظلم أو اعتداء بين الناس أفرادًا أو دولًا، بل لا مكان للشح والحسد والحقد في النفوس المطمئنة بثواب ربها، والرفعة والكرامة والمكانة للناس، إنما تكون بقدر التزامهم بمنهج هذا الدين، وبعبارة أدق بمقدار تقواهم لله، فلا يسخر قوم من قوم، ولا ينهب قوم حقوق الآخرين، وهنا تسقط شركات المكر والكيد، ومواقف المصالح المبنية على حساب الناس، كما نرى اليوم في حياة الغزاة والمحتلين الذين استحلوا لحوم العباد فقطعوها، ودماءهم فشروبها، وخيراتهم فنهبوها، ولقد تلاشت صيحات المصلحين والمفكرين في العرب والشرق أمام همجية وتقريه أباطرة المال، وحوش غابة العولمة الدولية، وهم يطالبون بالحرية ومحاربة الفقر والعوز والمرض والجهل، وتهيئة البيئة الصالحة لإيجاد بستان الإخاء الإنساني.... ولكن!!
لا يسمع الصم صوتًا بات يزعجهم وحسبهم قولهم: في أذنهم صمم
إن أمتنا الربانية ستبقى رغم كل المؤامرات، ورغم قسوة الهجمة الشرسة على قيمها وأبنائها؛ لأن رسالتها السماوية أغنتها بكل أسباب البقاء والسيادة، وما حقوق الإنسان التي يطالب بها المصلحون إلا من بعض القيم والتعليمات التي نادت بها شريعة الله، كحماية المجتمع من الجهل والمرض، وتأمين حاجاته الصحية والمعاشية، وتحريم الاستغلال في العمل، والنهي عن أكل حق الأجير، وحفظ حق الأمومة، وحق الإنسان في التكريم وفي بناء أسرة، وفي التعبير والعدالة والمساواة وغيرها من حقوق رعاها الإسلام وحفظها، وتوعد من استهان بها أو عمل على إلغائها.
والأمة- أصلح الله أمرها- حين نأت عن أفياء ربانيتها، ادلهمت فوقها سحب الهموم، واستأثرت بها عواصف الأوجاع الاجتماعية، وصاحبتها الرزايا واستأسدت عليها الثعالب، بل الكلاب فاكتوت بجمر الحسرات على مرأى السجون الملآى بالأبرار، وأحرقت كبدها غياهب القبور الجماعية وقد مضغت الهزائم، واستمرأت جلد الإهانة، وراحت تلهث خلف صدى أنين تنكره أصالتها، فروحها تمردت على التصحر، وانطلقت على صهوات القيم، تصرخ في آذان اللاهين المغرورين، وتحدثهم عن القادم الميمون، والغائب الحاضر الذي يزيل - بعون الله - حالات التجهم والتشاؤم التي تغطي مساحات وجوه لا يستهان بمكانة أصحابها من أبناء هذه الأمة، فهي بحاجة إلى توقد حرارة العودة إلى الله، والتمكين لمعاني الصبر والرجاء، وإشعال جُذى العزائم في النفوس من أجل التغلب على قسوة الاسترخاء والفتور التي أصيبت بها الأمة، ومن أجل أن تدخل مرحلة التغيير بوعي وقوة، وهي لم تفرط بهويتها الإسلامية التي طبع جلال محياها وجمال سمتها عصر النبوة منذ أربعة عشر قرنًا، وهذا ليس ضربًا في الخيال، أو زرعًا في قاع البحار، وإنما هو الحقائق، وبشائر النبوة، وحتمية التغيير والمداولة على وجه المعمورة.
وربانية هذه الأمة هي المظلة الوارفة لكل المسلمين في آمالهم المنشودة، من خلال تعبئة شاملة لكل قواهم الروحية والمادية، ولكل قدراتهم الفائقة في عالم النهضة والإنجازات والمآثر، وهم - والله - أهل لذلك، ولانطلاقة باهرة تخلو من كل سلبيات أمم الكفر والاستكبار والعدوان التي شاركت بقوة وحقد في قتل ملايين البشر خلال حربين عالميتين، مستعملة كل أنواع الأسلحة ذات التدمير المحلي والشامل، فأهلكت الحرث والنسل، وروعت حتى الطيور الآمنة في أعشاشها الربيعية.
إن حرب هؤلاء الأعداء ما برحت قائمة على أمة الإسلام، وما برح الغزاة يخططون لهدم شموخ هذا الدين، ألم يقل لورنس براون: «إن الإسلام هو الجدار الوحيد في وجه الاستعمار الأوروبي»([2])؟ ألم يقل جلادستون رئيس وزراء إنجلترا السابق: «مادام هذا القرآن موجودًا في أيدي المسلمين فلن تستطيع أوروبا السيطرة على الشرق»([3])؟! ألم تكتب إحدى الجرائد الشيوعية بالخط العريض على صفحتها الأولى: «من المستحيل تثبيت الشيوعية قبل سحق الإسلام نهائيًا»؟!([4]) أما بن جوريون الصهيوني فقد قال: «إن أخشى ما نخشاه أن يظهر في العالم العربي محمد جديد»([5])، وتضيق الصفحات بما قاله أعداء الإسلام لو تعمدنا نقل عباراتهم الموثقة في الكتب المطبوعة وفي وسائل الإعلام.
صحت نبوءة اليهود بظهور هذه الأمة، وناصبوه العداء، فهل تصح نبوءة هؤلاء الأعداء في هذه الأيام حيث يقول إلبر مشادور: «من يدري؟! ربما يعود اليوم الذي تصبح فيه بلاد الغرب مهددة بالمسلمين، يهبطون من السماء لغزو العالم ثانية وفي الوقت المناسب»! ثم يقول: «لست متنبئًا لكن الأمارات الدالة على هذه الاحتمالات كثيرة، ولن تقوى الذرة ولا الصواريخ على وقف تيارها، إن المسلم قد استيقظ، وأخذ يصرخ: هأنذا، إنني لم أمت ولن أقبل بعد اليوم أن أكون أداة تسيرها العواصم الكبرى ومخابراتها»،([6]) ولعلها هي بقرآنها وسنة نبيها، بقيمها وعدلها ورحمتها، الأمة الربانية بقوتها الدائمة، وبازدياد صحوة أبنائها، وبحب الناس لهذا الإسلام الذي تكمن فيه السعادة الأبدية لكل من اعتنقه، وبالروح الاستقلالية التي تتمتع بها الأمة، فما ذابت شخصيتها رغم جحيم الاستعمار، وأوار المكائد الذي ما انطفأ في يوم من الأيام، أجل هي الأمة الربانية التي تفتح آفاق الإنسانية على هدى الله، وتعالج بطريقتها المتميزة مساوئ هؤلاء وأولئك، ولن ترضى بالتبعية العمياء المضلة في مسيرتها المباركة؛ لأنها مسيرة نحو النجاة ونحو الحياة الكريمة، يقول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (الأنفال:24).
وحين لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، وحين يكون الخير فيها إلى قيام الساعة، وحين يبعث الله على رأس كل قرن من يجدد لها أمر دينها، وحين تهاوت المذاهب والملل بكل شعاراتها وممارساتها، وأطروحاتها الخائبة، سيعود الإسلام بهذه الأمة الربانية، حيث انبعاثها من جديد بثبات أبنائها على الحق، وتمسكهم بالقرآن الذي تعهد الله بحفظه إلى قيام الساعة، والقرآن أعظم أثرًا وأكبر قوة، وهو روح التآلق للقلوب ومعراج السمو للنفوس، وهو يبني إذا هدم الطغاة والغزاة، وهو يبشر إذا استشرى اليأس بين المتعبين، وهو يترجم معاني الصلاة والصيام والزكاة والحج إلى سلوك ذي يقظة ووعي في حياة المسلمين وبناء المجتمع الإسلامي، وهو يرد بالحجة والبرهان تشكيك الملحدين والحاقدين، وهو يصنع الأبطال لحمل راية الحق، وهذا كائن، وإن أسوأ الأيام وأشدها ظلمة وكربًا التي تحتاج إلى صيحة الفتح والنصر، قال تعالى: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: 40).
-------------------------------
الهوامش
[1]) ) أخرجه الترمذي وابن حبان
[2]) ) كتاب: التبشير والاستعمار
[3]) ) كتاب: الإسلام على مفترق الطرق
[4]) ) كتاب: الإسلام والتنمية الاقتصادية
[5]) ) جريدة الكفاح الإسلامي- العدد الثاني- شهر نيسان/ أبريل, 1955م
[6]) ) كتاب: لمّ هذا الرعب كله من الإسلام؟!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل