; المجتمع الثقافي ( العدد 1510) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي ( العدد 1510)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر السبت 20-يوليو-2002

مشاهدات 80

نشر في العدد 1510

نشر في الصفحة 50

السبت 20-يوليو-2002

قصة قصيرة

 الشيخ والأسر

أسامة أحمد البدر

أعترف أنني قد جبنت عن زيارته!...... عبارة ضابط الأمن ما تزال تتردد في داخلي: «سأسلخ جلدك!......» فأشعر منها كأنني مراقب على الدوام... وأنني- وعند أول خطوة- سيتعقبني أحد لا أعرفه, ثم.... يكتب تقريره المُعَد سلفًا و... أضيع!... تمامًا كما ضاع صاحبي لعشرين عامًا أو تزيد!

«تخاف؟... وهل أدى بنا الخوف واصطناع الحذر إلا إلى مزيد من التصاغر أمام انتفاخ الخصوم؟!....» 

لماذا لا يتركونني وشأني؟!.... مادمت قد خرجت من الصف كما يقولون!.... وتركت لهم الجمل بما حمل!... فلماذا لا يتركونني وقناعاتي؟!... وما جدوى أن يأتي من يبث لي محاضرة عن (الثبات) وقت الضعف؟!.

على أنني أحسست بشوق جارف إليه!... ترى هل تغير؟!... هل هو حزين؟!... ناقم؟!... يتأسف على شبابه الذي أمضاه من جماعة «لم يلبثوا أن أسلموه إلى من لا يرحم مقابل قرار ارتجالي لا يُعرف من اتخذه ولماذا؟!».

حدقت فيه... لقد شاب!... ملامحه تغیرت كلها، وإن لم تكن قادرة على التنكر لي أنا صديقه لزمن طويل.. شيء وحيد لم يتغير فيه... ابتسامته الطيبة... كان يبتسم للمهنئين ويردد:

«نحن من الجماعة!.... الآن وحتى قيام الساعة.... فليرضوا هذا أو ليكرهوه!....»

همست فيه بعدما ركن إلى جواري: «عن أية جماعة تتحدث؟ لقد تشتتوا!...) نظر إلي في صفاء واكتسى الجد وجهه كعهده في الأشياء المهمة وقال: «الجماعة ليست ناسًا... هؤلاء يأتون ويذهبون... الجماعة هي المبدأ... هي العروة الوثقى... وحبل الله المديد من السماء إلى من شاء له أن ينجو من أهل الأرض!».

مازال يردد الكلام الجميل نفسه الذي حفظناه من زمن!... ويحلق بعيدًا مثل أيام الشباب!... ألم تعلمه أيام السجن كيف يمشي على الأرض أو يفيق إلى واقع الحال؟!.... لعلها مهمتي التي عليّ أداؤها... قلت له: «بل الجماعة واقع... ناس يتحركون... وآثار تترتب.. ومآس وأيتام وأرامل عند القرار الغلط!... الجماعة خطط ومناهج تلاحق بذكاء تتابع الأحداث.... وليست كلامًا واجتماعات وبيانات!...»

قال: «الجماعة خلق يتجدد... مثلما الحياة... دفقات من الأمواج بعضها في إثر بعض!... إن خابت الأولى تبعتها بالنجاح أختها... ولن يزال الأذان يتردد إلى أن يشاء الله!.....»

قلت: «ولكنك الآن وحدك... تعاني وحدك.. وتخسر عمرك وحدك, وغدًا عندما تنزل إلى الشارع سترى الناس غير الناس... وسيذكرك من كان يعرفك... ومن لا يعرفك لن تهمه في شيء!.... وستشعر حينها أنك دفعت بلا مقابل وزرعت بغير أمل في الحصاد!... وستسمع عن الذين كانوا مثلك ونجوا كيف تشتتوا وأثروا ثم ضاعوا ونسوا......».

قال وهو مطرق في إنصات: «هذا كلام جديد لم أتوقعه... ولم أفكر مرة بهذه الطريقة ... وسيان من ثبت أو تنكر.. فكل أحد يمضي للقدر الذي كتبه له مولاه... أما نحن فلنا هدف أسمى جاهدنا لتحقيقه.....»

توقف لحظة واستأذنني ليستقبل بعض الوافدين الجدد... تطلعت إليه بين الضيوف... كنت أدري ماذا سيقول.. لذلك أشفقت عليه... وحين التفت نحوي بعد حين عاجلته قائلًا: «الهدف الأسمى لا يعني أن نغمض العين عن النتائج... بالنتائج نعرف ما إذا كنا مهتدين أم أننا نتخبط!... أعني أصحاب القرار هم الذين كانوا يتخبطون!.....»

هز رأسه في غير اقتناع ثم قال: «بالنتائج التي تعتمد عليها كثيرًا نجد أننا نجحنا... لا تندهش.. فالنجاح ليس هو مجرد الوصول... إن كل خطوة تخطوها نحو الهدف هو بذاتها نجاح, ولو تبعتها أختها بعد سنين... ليس سهلًا أننا انتقضنا وقلنا للسارقين مكانكم... وكنا عقبة في طريق أحلامهم في إنشاء دولتهم على أنقاض دولة الخلافة الراشدة... لم نبن دولتنا بعد... صحيح... ولكننا استطعنا أن نخط خطًا عميقًا في هذا الاتجاه... ولن يستطيع شعبنا أن ينسى دماءنا وآلامنا التي بذلناها لصد أحلام سارقين! .....»

استوقفته قبل أن يمضي وراء هذا السراب اللذيذ وقلت: «لن يذكر الناس الذين تنتظرهم شيئًا من هذا... صدقني... صدقني قبل أن تلمسه بنفسك وتُصدم به!... لقد شدوهم من شهواتهم... فما عادوا يفكرون بغير المتعة! .....».

قال وهو غارق في تفكير عميق... «إذا تأكد ما تقول فلينالوا عاقبة ذلك... وليتحملوا جديدًا من جولات الذل والهوان... لقد نصحناهم وفتحنا أعينهم على حقيقة ما جرى... وإذا لم يفيقوا إلى الآن فمعنى هذا أنهم بحاجة إلى مزيد من سياط الظالمين تكوي ظهورهم حتى ينتبهوا... أما شبابنا الناجون الذين تشتتوا وأثروا فضاعوا ونسوا كما تقول... فلعل الله قد علم ما في قلوبهم من إيثار للتي تفنى على التي تبقى... فعجل لهم طيباتهم في الدنيا، مقابل ما تحملوه من بعض الآلام في سبيل دعوتهم... وقدر لهم سبحانه أن ينشغلوا بعيدًا عن الصف بالمتاع الذي أتاحه لهم كي يبتعدوا ويفسحوا الطريق للأيدي الطرية والقلوب الصادقة تحمل اللواء من جديد!».

أحسست أنه يتكلم عن يقين... فتركته إلى يقينه شفقة عليه.. وقلت سيتغير... ولم يطل انتظاري، فقد سمعت أنه غادر إلى الحج... مع أن هذا عسير على معتقل... ثم سمعت أنه هناك وافته المنية... قريبًا من مثوى الرسول الكريم... تاركًا- رحمه الله- الراية من خلفه.. أو لمن يستأهلها ممن خلفه كما كان يردد دائمًا! رحمه الله وأحسن له الجزاء!.

الثقافة والثرثرة..!

بقلم: محمد السيد

نقل عن سقراط قوله: «ما بنته الأقلام لم تطمع في دروسه الأيام»، وقديمًا قالت العرب: قيِّدوا العلم بالكتابة.. وأفضل من هذين القولين وأكد وأفحم في الإقناع القسم الذي أقسمه رب العزة بقوله جل من قائل: ﴿ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (سورة القلم: 1)

إنه القلم... وما يسطر على القراطيس، وإنها الكتابة بمعناها الشامل للمفهوم الثقافي الذي يشمل كل أنواع الأنشطة الإنسانية, من فكر وأدب وفن وعلم، وتقنية، وتاريخ وجغرافيا، وإعلام، واقتصاد, وسياسة، وعلى رأس كل ذلك, وفي مقدمته الدين وما يضم من عقيدة وشريعة ونظام حياة. 

وإذن... فهي المسؤولية الخطيرة, الملقاة بثقلها وخطرها على كواهل الأقلام التي تكتب في كل نوع أو جنس من أجناس الثقافة التي ذكرنا فروعها آنفًا، بحيث تسعى هذه المسؤولية إلى إنتاج مجتمع قادر على مواجهة الحياة العاجلة بمنظومة فكرية وعملية, تدفع بالمجتمع إلى مصاف الرقي الإنساني، سلوكيًّا وتصوريًّا, بحيث تخرج الأقلام على تنوعها في الأخذ بالأجناس الأدبية من مشكاة واحدة، تتلون فيها الفروع بألوان مختلفة، لكنها في المال، تخدم بمجموعها المتنوع الغني المنظومة الفكرية والعملية الواحدة، فتكون في التشبيه والتمثيل اللذين يقربان الصورة للقارئ الكريم، مثل قطعة الماس الواحدة, تعطيك من كل وجه لونًا مختلفًا, لكنها في النتيجة تشكل بمجموعها جمال القطعة ومعناها وقيمتها الغالية المطلوبة. 

إن الذي جعلني أورد هذا المعنى, ما أراه ويراه كل مراقب للساحة الثقافية العربية والإسلامية، من شتات التوجهات، وتشتت الأفكار, وتنازع الأهداف، وتنابذ الرؤى, وسيادة المصالح الخاصة الأنانية، وتفضيلها على المصلحة العامة في معظم ما يكتب وما يدبج وما يفسح له المجال الأوسع في ساحات النشر والإعلام.

وقد يقول قائل: إن هذا تنوع محمود مثرٍ ومغنٍ، وهو مطلوب من أجل بعث الحياة في القامة الثقافية، ولازم لجعلها جليَّة الحضور, مخضرَّة الأغصان, قوية النبض.

لكنني حِيال هذا الادعاء أقول: إن هذا التنظير صحيح ومنطقي، غير أني أستدرك عليه بالسؤال الآتي: 

هل ما نشاهده تنوع محمود فعلًا ... فنقر به, ونرضاه، وتطمئن قلوبنا وعقولنا به وبعطائه...؟.

 لا.. أبدًا.. إن ما نراه، وما نقرؤه، وما  يسطر في شتى مجالات الثقافة في مفهومها الواسع, ليس في غالبيته، سوى شتات أهواء، وأفكار لا تعود إلى أرومة واحدة، ولا تتحاكم في المآل إلى مرجعية أصيلة، تخرج من مشكاتها كل التوجهات, التي تنوع وتثري السبل والحلول، تطرح الفكرة, والفكرة الأخرى، وكلاهما يقترح لأجدى للوصول إلى أفضل حالات التنفيذ والالتزام بالخصوصية الحياتية والعقدية للأمة.

لقد اختطفنا الآخر، وانتزع أقلامنا من أغمادها الأصيلة أو كاد، ووضعها- للأسف- تحت سطوره، وفي مستوى النقل والتقليد والتبشير بما يريده ويرضاه لنا من تبعية، تجعل ساحتنا الثقافية مجال حرب تطحننا ليل نهار, فيها مدعو الثقافة، أو تناسوا أن حربًا كهذه ليس فيها منتصر غير الآخر، وأن جميع المتبارين في الساحة- من غير الملتزمين بخصوصيتهم- إنما هم نسخ مشوهة عن الأصل لا تستطيع أن تبدع، ولا أن تبني تقدمًا أو تطورًا خصوصيين, يشكلان إضافة حضارية, تنقذنا من وهاد العجز والتخلف والتبعية، وتصنع لحياتنا الحضارية قيمة ذات معنى في قواميس الآخرين. 

كما لا تستطيع أن تخرج كاتبينا ومثقفينا من الأضمومة التي أبغضها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: «إن أبغضكم إليّ: الثرثارون المتفيهقون, المتشدقون».

واحة الشعر

في موسم الصيد البذيء

شعر: د. عبد الله بن سليم الرشيد

لملم فضولك واغرب أيها القلم *** ففي ضجيج المآسي تخرس الكَلِمُ

قد أصبح الجسد الداوي لنا قلمًا *** ووجنة القدس طرس والمداد دمُ

يا مرقص المجد، والتاريخ في يده  *** مكوم، وضلوع الكون تحتدمُ

عجِّل لنا قِطنا، إنا على سفر *** لا نستقر، وفي أشواقنا ضرمُ

سرنا نشاطر وجه الليل فحمتهُ *** وحولنا أفق بالرعب ملتثمُ

والفجر في محضن الأوهام ملتهبٌ *** جمرًا، ترشفه الرؤيا فتضطرمُ

نراه لكنه ينأى، فيُثخننا *** يأس، ويطفو على أحداقنا ندمُ

فاعبر إلينا - نديم الخلد - إن بنا ***   وجدًا على عصبة بالحتف تحتزمُ

صاغوا من الهمم البيضاء فجرهم ***  لا يشرق النصر حتى تشرق الهممُ

من نبض تلك الصحارى جاء أولهم*** وخلف آخرهم يستفحل العدمُ

الآخذون زمام الأفق، ما فتئوا *** يستعذبون فحيح الموت حولهمُ

لما ترجلت الظلماء - باغية - *** تفجروا في عيون الظلم واضطرموا

واسترسلوا عاصفًا دوت ملاحمه ***   في حقله تنبت الأشلاء والرممُ

توحدوا في غبار التيه, واجترؤوا ***  على الفناء، وجمر البغي يحتطمُ

فأنبتوا في ضمير الفخر ذاكرة *** أعيا على نبضها القرطاس والقلمُ

ويل أمهم، موقدو مجد، لو اتقدت  *** لهم رجال، ولكن الرجال همُ

يا حارس اللهب القدسي، معذرة  ***  فقد تمطى على أسماعنا صممُ

أمطرت صوتًا، فما لانت لقطرته ***  أذن ولا رف في أندائه نسمُ

لا تسألن عُصَبَ الأعراب نخوتهم ***         فهم من النخوة الجرداء قد سئموا

هذي بيادرهم، صفراء خاوية *** وليس تضحك في آفاقها ديمُ

مخدَّرون، فلا رأي ولا رشد *** محيرون، فلا هاد ولا علمُ

أخجلت بالخطبة الصماء منبرهم  ***  وفوقه زبد الأفواه يزدحمُ

تبني فتنهدم الآمال، ثم ترى *** وميض فأل، فتبنيها فتنهدمُ

بدءًا وعودًا، تسامى عن لجاجهم         ***  إذا جرى السيل لم تعبأ به القممُ

ما تم من ألم إلا اصطفى أملًا ***   وليس من أمل ما عاقه ألمُ

يا سيد الأرض، لم تنكر ملامحه         *** في وجهه من فبوض ثرة حزمُ

انظر حواليك، إن الربع قد دجنت ***   صقوره، فتداعى البوم والرخمُ

وقد شبعنا ضجيجًا فابتعث لغةً    ***  ما لاكها - في اليباس السامري - فمُ

الحلم عندك قد صبغت روامزه ***    وكم تكرر في مآساتنا حلمُ!

هذي سبيتك العذراء ضارعة *** وأنت - إذ قيل وا ذلَّاه - معتصمُ

يا حارس اللهب القدسي كن أجلًا ***  يفري اليهود، فيفنى الداء والورمُ

كن مهجة الرعد، واستمطر لهم حممًا *** تبارك الرعد تهمي تحته الحممُ

لا يقذفنَّك صوت الرعب في وهن ***  فلن يزركش وجه الخوف منهزمُ

واجمع شظاياك/ فتيانًا قد احترفوا ***         موتًا، رفاتهم للضوء يبتسمُ

القادمون رحيقًا/ سلوة/ أملًا *** آجالهم في سجل المجد تزدحمُ

يا راقمي شهقات البرق ما برحت *** حروفكم في المدى المحمومُ ترتسم

تبقون شهبًا على الأضداد راصدة ***   إذ غيركم ينزوي مصباحه الهرمُ

تبقون نارًا على الباغين جاحمة  ***  وتصنعون الذي تعبأ به الأممُ

إن الجداول تجري، وهي موجسة ***  قرب الفناء، ويبقى البحر يلتطمُ

(*)عضو هيئة التدريس في كلية اللغة العربية بالرياض

كتاب «من أعلام الحركة والدعوة الإسلامية»

عبدالله الطنطاوي

كتب الشيخ محمود عبد الحليم- يرحمه الله- كتابه الرائع: «الإخوان المسلمون: أحداث صنعت التاريخ» بأجزائه الكبيرة الثلاثة، وكتب المجاهد الصابر والضابط المحتسب الأستاذ صلاح شادي- رحمه الله- كتابه القيم: «حصاد السنين»، وكتب شيخنا الوقور الأستاذ عباس السيسي ما كتب عن تاريخ الدعوة، وكتب غيرهم من الأساتذة الأفاضل ما كتبوا في هذا المجال, ثم جاءت موسوعة الشيخ المستشار عبد الله العقيل الموسومة بـ «من أعلام الحركة والدعوة الإسلامية المعاصرة».. مكملة لتلك الكتابات، وكان لها مذاق غير ما كان لتلك، لما لها من خصوصية الحركة واللقاء، والتحاور, والغوص في الأعماق, والاستشعار، وما نجم- عن كل ذلك- من حب في الله، وأخوة، سمت على حضارة الطين، ولقاء المصالح والرغائب الخسيسة, والأهواء الهابطة التي نراها في علاقات ناس «الدنيا» بعضهم ببعض..

كتب عن رجال أبطال، تنوعت عظمتهم, وتلونت بطولاتهم بألوان الطيف الإنساني التي حباها الإسلام من التسامي ما زادها تألقًا... في زمن الغثائية والمادية الطاغية.

برز أولئك العظماء حين شَحَّ الرجال، وعزَّ ذَوُو البذل والعطاء، وتصدوا لألوان التخلف والفساد والطغيان، وعاشوا لله، ولدينهم, ولأمتهم، باعوا نفوسهم لله، وبذلوا أوقاتهم, وأموالهم، وجهودهم, بسخاء، واستهانوا بما يقتتل عليه الناس من المتع الدنيا، ولم يأبهوا بالإغراءات، وكانوا فوق كل ترغيب أو ترهيب, وحزنوا على الذين تساقطوا على مفترق الدروب والطرق, ممن استهوتهم الطواغيت في الأرض.

کتاب الدعوة والدعاة

حفِل هذا الكتاب بخطرات دعوية رائعة, فكان بحق, كتاب الدعوة والدعاة، ولا يستغني عنه أخ جاد في ميادين الدعوة، فهو يؤرخ للدعوة من خلال التأريخ للدعاة، ولكنه، على رغم جدواه، لا يغني عن المذكرات، ولدى شيخنا العقيل خزين كبير منها، ومن الذكريات التي تهم الدعاة إلى الله، ليستنيروا بها، ويفيدوا من تجارب من سبقهم، ولهذا نطالع في هذا الكتاب- الموسوعة- دروسًا عملية للدعاة، تقيم لهم الصوى والمعالم، حتى لا يضيعوا في متاهات الحياة، ولتدلهم على الكيفية التي تكسبهم القلوب, من خلال الخبرات والتجارب. فالدعوة لیست مجرد كلام وخطب وكتابات, بل هي سلوك، وأخلاق، وتضحيات وإيثار، واعتبار وتخطيط, وفن....

وقد برز في الكتاب الدور الكبير الذي كان للعقيل في مسيرة الدعوة والحركة، وإن جاء على استحياء، فقد كان العقيل يبذل من خاصة نفسه,  ووقته, وجهده, وماله في سبيل الدعوة, إذ كان حركة دائبة, يستقبل الأضياف, ويسهر على راحتهم، وتأمين طلباتهم، ويصل هذا بذاك, كأفضل ما يكون الوصل والربط, ويشتري الكتب الدعوية، ويهديها لإخوانه، ولمن يتوسم فيهم الخير، ويرى في استمالتهم وضمهم إلى ركب الدعوة والدعاة، كسبًا يحرص عليه, ويسعى إليه وفي سبيله... هذا وهو طالب ثم وهو الشاب الذي يدرج نحو النضج، ثم وهو واحد من الرجال الرجال.

أطلعَنا الكاتب في موسوعته هذه, على كثير من الشؤون الإسلامية التي لا يعرفها أكثر الناس حتى الدعاة، ومن خلال السرد والذكريات, أبطل المقولة التي تزعم أن الإسلاميين عشوائيون، فوضويون, لا يعرفون التخطيط، ولا يهتمون به إذا عرفوه، فقد ذكر العقيل أن الشباب المسلم عام ١٩٦٠م كانوا يفكرون ويخططون حسب الإمكانات؛ لإنشاء مكتبة إسلامية، فكانت مكتبة المنار الإسلامية, وفكروا في إنشاء بنك إسلامي... أي غير ربوي، فكان بنك دبي الإسلامي عام ١٩٧٥م, وبيت التمويل الكويتي عام ١٩٧٧م، ودحضوا زعم الزاعمين من العلمانيين وأشباههم, أن البنوك لا يمكن إلا أن تكون ربوية، كما ابتدعها اليهود المرابون.

من أجل هذا.. ومن أجل أن الجهاد لتحرير سائر أقطار العروبة والإسلام، شعار الحركة وطريقها الذي به وبغيره من الأهداف، نمت الحركة الإسلامية, وامتد وانتشرت في أنحاء الدنيا.

حنين إلى ندوة الجمعة

وكم يحن الأخ المسلم في هذه الأيام العصيبة، إلى دارة تقام فيها ندوة كندوة الجمعة الأسبوعية التي يؤمها الإخوان كل يوم جمعة في بيت العقيل، لنشر الوعي الإسلامي، من خلال تدارس قضايا الأمة الإسلامية، والدعوة إلى الله على بصيرة، وتلقى فيها الدروس والمحاضرات وتقام الندوات.

من خلال هذا الكتاب- الموسوعة- نعرف أن أبناء الحركة الإسلامية أبناء عصرهم، تعاملوا مع معطياته، فكان لهم إعلامهم ووسائله المتاحة, .. الجمعية، والكتابة في الصحف، وإنشاء الصحف والمجلات, والمكتبة والكتاب، ولم تتح لهم وسائله الأخرى الأهم: الإذاعة, والفيديو, والتلفاز، والمحطات الأرضية، والفضائية, والمسرح, والسينما. 

الذي يطالع هذا الكتاب, يعرف أن الخير في أمة محمد إلى أن تقوم الساعة، فقد حفِل الكتاب بالأبرار الأطهار الأحرار الذين يعيدون إلى الحياة سير عظمائنا من السلف الصالح, ولو كتب غيره من رصفائه، لأطلعنا على نماذج كهؤلاء سموًا ورفعة.

الذي يطالع هذا الكتاب البديع في بابه يقوم بسياحة فكرية, وروحية, وسياسية, واجتماعية, وثقافية، ويستفيد من خبرات الدعاة الوعاة, ويطلع على بعض جرائم الطغاة بحق الأخيار الأحرار، وبحق هذه الأمة ... لأنه مكتوب بقلم رجل أمضى حياته مجاهدًا في ميادين الدعوة، ومع الدعاة، وقدم ما أمكن تقديمه، فلم يبخل بمال, أو جهد، أو حياة شخصية، ولم يرج إلا الله فيما فعل ويفعل, ولم يخش سواه، ولم يرقب إلا الله- عز وجل في علاه- يعمل بهدوء وصمت، وكم قيل لي في زياراتي للكويت ثم للسعودية أن ألقاه، ولكني كنت أوثر أن أسمع عنه، وأخشى، إن أنا التقيته, أن يتصرف أمامي- وهو الموظف الكبير- بما قد يجرح الصورة الوضيئة التي رسمها لي محبوه وعارفو فضله، فلما ترك الوظيفة، بادرت إلى لقائه، فإذا هو فوق الصورة التي ارتسمت في العقل والقلب عنه، دماثة خلق، وإخباتًا إلى الله, وتواضعًا مع المؤمنين، وبذلًا وعطاء، وتضحية, وعلمًا، وسعة أفق, وحبًا للمسلمين من أي الأقطار كانوا، لأنه ذو نظرة عالمية، ولا يؤمن بإقليمية, ولهذا حفل كتابه برجال من شتى الأقطار... من إندونيسيا حتى المغرب الأقصى، وما بينهما من أقطار ... كدأب الدعاة، فوق العصبية الإقليمية والقطرية والعشائرية ... إنه مجاهد يتحدث عن مجاهدين... قدوة يتحدث عن قدوات, عرفوا معنى الحب في الله، والبغض في الله، والبذل في سبيل الله.. كاتب, ومفكر منتم إلى الإسلام، متميز بالوعي والإخلاص والحركة الدائبة لخدمة الإسلام والمسلمين، وعى زمانه, واستقامت طريقته، وأخلص عمله لله، فجاء مثمرًا نديًا محفوفًا بالبركات، فأكسبه هذا معرفة بالرجال, وخصائص كل منهم، في مجالي الخير والجهاد... وعى ذلك بفؤاده الذكي، وذكائه اللماح، وتجرده فيما يكتب بقلم عف، وعبر عما يختلج في صدره من خواطر محلقة, برغم واقعيتها التي عاشها حوادث, موشاة بمشاعره الرقيقة، وذوقه الرفيع، مما جعلها تتغلغل في النفس الإنسانية عامة، والإنسانية المسلمة بشكل خاص دونما استئذان.

إن ما كتبه العقيل يشكل وثائق ممهورة بصدق الوقائع، وصدق التعبير عنها في شفافية حقيقية لا تعرف التزوير الذي نراه ونقرأ عنه في كتابات المنافقين والمزورين من كتاب «الشفافية» هذه الأيام.

قبل أن يحين الحَيْن

إنني أدعو رجالات الحركة الإسلامية، ممن لقوا الإمام الشهيد، وتتلمذوا على يديه وعلى أيدي إخوانه البررة، وأيدي تلاميذهم أن يبادروا إلى كتابة ما اختزنته الذاكرة عن أولئك العظماء, قبل أن يحين حين الواحد منهم، فيرحل, وترحل معه ذكرياته ومذكراته، وهي التاريخ الحقيقي لهذه الجماعة الخيرة، ولهذه الأمة المنكوبة بقوادها وكثير من مثقفيها. 

أبطل الكتاب مقولة أن الإسلاميين فوضويون لا يعرفون التخطيط ولا يهتمون به.

إننا نودع في كل يوم حبيبًا من أولئك الشيوخ، وعندما نحاول رثاءهم، أو التعريف بهم، لا نجد المادة التي تؤهلنا للكتابة عنهم، فهم كانوا زاهدين في الأضواء، والإعلام الرسمي والعلماني منحاز ضدهم، وأكثرهم يأخذ بوصية الإمام الشهيد, في البعد عن كتابة المذكرات، حتى لا تقع في أيدي «زوار الظلام»، الفجرة.. وهذا صحيح من جهة، وغير صحيح من جهات، ونحن بهذا نترك المجال للأعداء والخصوم يكتبون ما تمليه عليهم أهواؤهم وضمائرهم المستترة, والمنفصلة، والمنحرفة... ونحن لا نعتب على أولئك، فهم خصوم متربصون، ولكننا نعتب على أصحاب القضية انصرافهم عن التأريخ لجماعتهم من خلال ذكرياتهم ومذكراتهم, متعلِّلِّين بتعلات غير مقبولة.

من يستطيع الكتابة منكم فليكتب، ومن لم يستطع الكتابة فليضع المسجل أمامه، ويسجل بصوته ذكرياته عن الحوادث والرجال ولو بصوت واهن، وإذا كانت لديه وثائق، فليسلمها إلى أصحاب الشأن، حتى يستفيد الكاتبون ويستفيد المؤرخون.

عودوا إلى من بقي من الشيوخ

إنني أرجو إخواننا الشباب النابهين في سائر الأقطار، وخاصة في مصر وسورية، أن يعودوا إلى من بقي من شيوخنا الكرام، وأن يعودوا إلى صحف الإخوان وكتاباتهم منذ التأسيس وحتى الآن، وخاصة في الثلاثينيات, والأربعينيات والخمسينيات من القرن المنصرم, ويجمعوا ما كتبه القادة والمفكرون والأدباء والشعراء من أبناء الدعوة، لتكون لدى الدارسين مواد موثقة يستندون إليها في كتاباتهم. 

وأخيرًا... إننا نشد على يدي شيخنا المستشار عبد الله العقيل، ونهيب به ألا يتواني عن إصدار الجزء الثاني من هذه الموسوعة القيمة, ولو تطلب هذا التفرغ كذلك، فنحن في عصر المشاغل والمتاعب وقلة البركة في الوقت, ولن يجدينا غير التفرغ والاستعانة بالأعوان من الشباب.. نحن في سباق مع الزمن.. ومع الآخرين... ولا نريد أن نكون المسبوقين, مهما بلغت إمكاناتنا من الضعف، وإمكاناتهم المادية من القوة، فهم يجدون ما يستعينون به علينا من مال يهيئ لهم ما يريدون، ومن نصرة الحكام، ولا نجد... إنهم يسبحون مع التيار، ونحن نسبح ضده... ومعنا الله, ومعنا إخلاصنا وتصميمنا وإرادة الجهاد في سائر الميادين.

بيوت من ورق

هذا هو الكتاب العاشر ضمن سلسلة مشاكل وحلول التي تعرضها الشبكة العنكبوتية على موقع إسلام أون لاين, الذي يتناول مشاكل الأسرة في الخليج وبالتحديد موضوع الخيانة الزوجية والطلاق وآثاره.

19 حالة .. عدد المشاكل التي ناقشها الكتاب حيث يتقدم صاحب المشكلة بطلبه الذي يعرض تفاصيل مشكلته من خلال وجهة نظره, ويتلقاها الخبير النفسي أو الاجتماعي بالدراسة والتحليل، ثم يرد على صاحب المشكلة عارضًا حله لها بأسلوب لا تقل فيه الرشاقة عن العمق، ويتفوق فيه التوازن على الانحياز لأحد الطرفين بجدارة، فلا ينفعل إلى درجة أن يطالب بالتشفي والانتقام، ولا يتجاهل أو يتغافل عن الموضوع «المشكلة»، إلى الحد الذي يفقدها وهجها وأهميتها ولا سيما بالنسبة لصاحبها الذي اكتوى بنارها وخضع لتأثيرها.

 ومن هنا يأتي الحل في النهاية متوازنًا يراعي مختلف الجوانب, ويحسب حسابًا لكل الاحتمالات، ويجتهد ألا يدع فراغًا في بنيته، تتسرب منه الهواجس والشكوك. يتلقى صاحب المشكلة الإجابة «الحل»، بارتياح واطمئنان ويتعامل معه بمسؤولية وعندما يتخذ قراره بالاستجابة- أو عدمها- للحل يبادر إلى مخاطبة الشبكة شاكرًا أو مستفهمًا يحتاج إلى بعض التشجيع وإعادة الثقة. وبهذا التواصل يتقلص حجم المشكلات وتتسع مساحة الحلول ويكتسب المشروع مزيدًا من التجارب والخبرات.

الناشر: إسلام أون لاين

أسرار البنات

سلسلة مشكلات وحلول التي أصدرها موقع إسلام أون لاين. نت, تضمنت هذا الكتاب الرابع: «أسرار البنات», وابتداء هل للبنات خصوصية يتفردن بها عن الأولاد, نستشف من المطالعة السريعة للعناوين أن البنات أكثر تعقيدًا؛ لأن عالمهن مليء بالأسرار التي لا يمكنهن البوح بها لأي أحد ولا في أي وقت وآن.

يتناول الكتاب بجرأة المشكلات والاستفسارات التي يتلقاها من زوار الشبكة العنكبوتية وخاصة من البنات, فهو يتحدث عن العادة السرية عند البنات, وكذلك الشذوذ الجنسي وهي عوالم غير مكشوفة بالكامل لكل القراء.

كما يتحدث عن غشاء البكارة قبل أن يحكي لنا قصص التحرش والاغتصاب لتكون الأسباب والنتائج ماثلة في الأذهان.

من التعقيبات الجميلة التي نقرأها في الكتاب, أن اختيار الزوجة ذات المنبع الحسن والسمعة الطيبة والدين السليم هو فعلًا الدليل الأكيد على عذرية المرأة، فليكن هذا مقياسك, فإن كان هناك غير ذلك فأنت وشأنك دون أن تلاحقها أو تضغط عليها.

حقًا إنه عالم يزدحم بالأحاجي والأسرار.

الناشر: إسلام أون لاين-  ص. ب ۲۲۱۲- الدوحة-  قطر فاكس ٤٣٥٨٨٤٤  (٩٤٧)

الرابط المختصر :