; شجاعة النفوس المسلمة | مجلة المجتمع

العنوان شجاعة النفوس المسلمة

الكاتب الشيخ عبداللطيف السلطاني

تاريخ النشر الثلاثاء 18-أغسطس-1981

مشاهدات 74

نشر في العدد 539

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 18-أغسطس-1981

نعيش في هذه الحياة أيًّامًا وأعوامًا حسبما قُدِّر لنا أن نعيش ثم يجيء وقت الفراق، فنفارق ما ألفناه في حياتنا هذه إلى حياة أخرى لا ندري كيف يكون مقامنا فيها.. أمقام السعداء أم مقام الأشقياء؟ لأن ما قُدِّر لنا فيها محجوب عنا بحجاب الغيب، وحتى أولئك الذين عملوا منا بوصايا الدين لم يكونوا على يقين من حياتهم تلك، لأن أعمالهم الخيرية وأقوالهم المرضية وإن كانت متمشية حسب ما طلبته منهم الشريعة الإسلامية، فإنهم لا يدرون هل ما قدموه من صالح الأقوال والأعمال هو مقبول معترف به من قبل ربهم الذي أمرهم به، أو مردود عليهم لم يُقبل منهم لما فيه من النقص والخلل؟ فكل هذا شيء مجهول عنا في الوقت الحاضر، ولا يستطيع العامل منا أن يستبين مستقبله المجهول، وهذا ما يدفعه إلى الزيادة في عمله المفيد، والبعد عن العمل الضار غير المفيد، فيعمل العاملون بجد ونشاط كي يصلوا إلى منازل العزة والكرامة في حياتهم الأخرى المنتظرة، وهذا لمن آمن بها وبما يقع فيها.

إن أعداء الله وأعداء الإسلام والعقيدة يعملون وجادون في محاربتهم للعقيدة الإسلامية بجميع ما لديهم من الوسائل العلمية والعملية معًا، فكيف لا يقابلهم المسلمون بعمل جاد وحازم ليدرأوا عنهم خطر الإلحاد الداهم عليهم، وهذا يقتضينا أن نُقابل العمل بالعمل بلا توانٍ ولا تراخٍ ولا فتور.

إن المسؤولين عن المسلمين من أفراد الأمة الإسلامية كأنهم لم يشعروا -إلا القليل منهم- بما عليهم من أعمال واجبة عليهم أن يوفوا بها لإخوانهم في الدين والعقيدة، وإلا فلا نجاة لهم من تبعاتها الخطيرة يوم يتوجهون فيه إلى عالم الغيب والشهادة، للوقوف أمامه ليحاسبهم على ما قدموه في حياتهم هذه لأنفسهم ولإخوانهم، فإن الخالق لم يخلقهم فقط للأكل والشهوات، بل خلقهم لأنفسهم ولغيرهم، وبهذا تتم حياة السعادة للجميع

والذي نعرفه من حياة المسلمين في القديم والحديث من التاريخ أن قيادتهم كانت موزعة بين صنفين من الناس، وهما العلماء، والحكام..

فالعلماء واجبهم نحو إخوانهم النصح الخالص لهم، وتعليمهم ما يرجع عليهم بالخير والبركة والسعادة في الدنيا والآخرة، وعليهم الاتصال بهم في كل وقت مناسب وحين ملائم، وتعهدهم بالمواعظ والتوجيه، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخول أصحابه بالمواعظ، حسبما رواه عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، وأهم من هذا سيرتهم في مجتمعهم التي ستكون لهم نعم العون على القدوة الحسنة والسيرة الصالحة، فإننا نرى أن الكثير من العلماء فقدوا مراكزهم كقادة في مجتمعهم، وانفلت من أيديهم زمام القيادة لأمتهم، وهذا راجع إلى تخليهم عن مراكزهم القيادية وانزوائهم المشين في أجحارهم، فتركوا القيادة لغيرهم من الحكام وغيرهم من السياسيين؛ فلم يُحسن هؤلاء الخلافة ولا القيادة، حتى انتشر التكذيب والإنكار لما جاء به الإسلام من عقائد وأحكام، وتدهورت الأوضاع، حتى رفع رأسه وصوته كل دعي في الإسلام دخيل، وليس له من وسائل القيادة ما ينفع به أمته، فطغت عقائد الإلحاد وسوء الأخلاق والاستخفاف بتعاليم الإسلام، وخاصة في وسط الشباب الجامعي العلماني، إلا من رحمه الله، فأنقذه من هذا الوسط الذي خرج عن محيطه الإسلامي إلى ما هو مشاهد بلا نکران.

شجاعة النفوس المسلمة

وتأتي مرتبة الحكام المسلمين بعد مرتبة العلماء في المسؤولية الملقاة عليهم، فالإسلام يوجب عليهم أن يُحيطوا من جعلهم الله تحت رعايتهم بعنايتهم الفائقة، إذ هم رعاتهم وقادتهم والمسؤولون عنهم أمام خالقهم، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، يوم يمثلون بين يدي خالقهم، ولا يُنجيهم ممَّا عند الله أي اعتذار، وفي ماضينا الكريم ما يكفي للأسوة والقدوة، كأيام خلافة الخليفتين الصالحين عمر بن الخطاب وعمر بن عبدالعزيز رضي الله عنهما، فقد كانا من صميم أمتهما ولم يمتازا عنها بالقصور الفخمة ولا بالمراكب الفارهة، ولا بإيداع أموال المسلمين في المصارف الأجنبية لوقت الحاجة، أو لتصرف وتبذل في ليالي اللهو والمجون، ولا لصرفها في شهوات النفوس ورغباتها.

فعقبة يوم الحساب أمامنا طويلة وشاقة، فإنه لا يفوز فيها إلا المخفون، ولا يستطيع صعودها إلا الصالحون، لتكن في نفوسنا الشجاعة القومية لمواجهة تقلبات هذه الحياة.

إن شجاعة النفس هي الملجأ الوحيد المُخلص ممَّا يحرم حولنا، بل دخل مجتمعنا المسلم من حب الذات، ومحاولة الطغيان، والعبث بالمسؤوليات، ولا ننسى وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا جميعًا في الحديث الصحيح: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسؤولة عن رعيتها، والخادم راعٍ في مال سيده وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع في مال أبيه وهو مسؤول عن رعيته، فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته".

ففقد الشجاعة من نفوس العلماء وجعلهم يتأخرون عن میدان عملهم، ويتركون مجالهم الواسع لغيرهم من حكامهم، وكثيرًا ما يكونون قليلي العلم بما يجب عليهم، فيعملون حسب رغباتهم وشهواتهم، فنتج عن هذا أن ضعف موقف العلماء وتعزز موقف الحكام، فتصرفوا في تسيير الأمور بما يريدون.

دعوا -يا معشر الحكام- نفوس المسلمين تشبع من وصايا ربها وإسلامها، ولا تحولوا بينهم وبينها مكنوها ممن ينصحونها ولا يغشونها، فإنه «من غشنا فليس منا» ولا تجبروها على الغش لدينها وعقيدتها، بأحكام المسلمين.

ذكر متتبعو حياة أبطال التاريخ الإسلامي أن عمرو بن العاص الصحابي المعروف، والذي كان مع معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، والذي كان معه بمنزلة المستشار أو الوزير الأول في مصطلح اليوم.. أنه قال ذات يوم لمعاوية: يا معاوية لقد أعياني أن أعلم أشجاع أنت أم جبان؟؟ فأجابه معاوية بما عرف عنه من الدهاء السياسي، وذلك حين قال له

شجاع إذا ما أمكنتني فرصة 

فإن لم تكن لي فرصة فجبان

 فهذه هي شجاعة الفرص أو المناسبات أو الظروف المواتية لإظهار الشجاعة، وشجاعة الفرص هذه لا تُسمَّى شجاعة في عرف الشجاعة والشجعان.. ونفس ما قاله معاوية لرفيقه عمرو بن العاص، رأينا البعض يتظاهر منا بالشجاعة، ويرفع صوته إذا حانت له فرصة إظهارها، فلا تكونوا من هذا الصنف أيها العلماء المسلمون، والسلام عليكم ورحمة الله، والسلام على من اتبع الهدى.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل