العنوان حزب العدالة والتنمية المغربي يقدم تصوره للمراجعة الدستورية الشاملة (١ من ٢)
الكاتب إبراهيم الخشباني
تاريخ النشر السبت 30-أبريل-2011
مشاهدات 92
نشر في العدد 1950
نشر في الصفحة 36
السبت 30-أبريل-2011
- تحديات كبرى للإصلاح تحرص المراجعة على تجاوزها بإبداع وجرأة تجسد نموذج الدستور الديمقراطي.
- خيار الإصلاح الديمقراطي المطروح يضع المغرب على أبواب الملكية الدستورية الثانية بعد الاستقلال.
ويرى الحزب أن المراجعة الشاملة للدستور تمثل مدخلا أساسيا لاستدراك التراجع في المسار الديمقراطي، الذي جعل المغرب اليوم في موقف كان غنيا عنه، فالتراجع عن المكتسبات الديمقراطية وضع المغرب أمام تحديات الاستجابة لحركة المد الديمقراطي في المنطقة العربية، بالرغم من أن شروط تحقيق الإقلاع الديمقراطي كانت متوافرة على الأقل قبل حوالي العقد، لكن استثمارها تعثر وتعرضت للاضطراب، وهو ما سبق للحزب أن أكده في مؤتمره الوطني السادس عام ٢٠٠٨م باعتبار الإصلاح الديمقراطي مدخلا للإصلاح الشامل.
وعبر الحزب عن أن نجاح المراجعة يتطلب الاستناد إلى رصيد الخبرة التاريخية لتطور الدولة المغربية من جهة أولى، وعلى مدارسة عميقة للإشكالات الناجمة عن الممارسة في ظل الإطار الدستوري الحالي من جهة ثانية والتوجهات الكفيلة بتجاوزها من جهة ثالثة.
ومن أجل ذلك، لابد من قراءة سياسية وتاريخية صريحة مستوعبة لأسباب التعثر والإخفاق تحدد الإطار الناظم والمستشرف يـ المستقبل التطور الديمقراطي من جهة رابعة باعتبار ذلك مقدمة ضرورية لتقديم تصور الحزب التفصيلي للتعديلات المقترحة.
وعلى هذا الأساس، جاءت وثيقة الحزب معتبرة كل هذه الأمور :
مرتكزات تاريخية
لقد تشكلت الدولة المغربية القائمة منذ حوالي ۱۲ قرنًا على أساس ثلاثة مرتكزات تكاملت وتفاعلت فيما بينها؛ لتُنتج مشروع الدولة الموحدة والمستقلة والمؤثرة في محيطها وتمثلت هذه المرتكزات في «المرجعية الإسلامية الموحدة للمجتمع الضامنة لتماسك البنيان الاجتماعي، و«الملكية» القائمة على المشروعية الدينية الجامعة لمكوناته والضامنة للحريات والاستقلال والمضطلعة بوظائف التحكيم والعلاقة مع الخارج وتعبئة القدرات لمواجهة تحديات المحيط، ولا مركزية واسعة تتيح التسيير الذاتي من قبل السكان لشؤونهم وقضاياهم بحرية واستقلالية في إطار المشروعية.
ورغم التحولات التي شهدتها المملكة المغربية، فإن الأسر الحاكمة المتعاقبة حققت استقرارها وإشعاعها بصيانة هذه المرتكزات والتقدم التدريجي نحو تطوير التشارك في القرار الوطني، واعتماد التعاقد في العلاقة بين المركز ومكونات الدولة، وهو التطوير الذي جسده النقاش الدستوري والسياسي في المغرب في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين الميلاديين، وما أفرزه من مشاريع دستورية ساهم العلماء بدور أساسي في بلورتها، ولاسيما دستور ۱۹۰۸م الذي صاغه العلماء وفقهاء القانون الدستوري على أساس المرجعية الإسلامية والحكامة الشورية؛ والذي اعتبر متقدماً جداً في هذا المجال، إلا أن دخول الاستعمار أدى إلى إيقاف هذا المسار الذاتي ودفع المغرب في مسار آخر.
مسار جديد
لقد قام الاستعمار على إرساء نموذج دولة قائمة على التحكم والضبط أتاح للمستعمر استغلال موارد البلاد وقمع كل مقاومة لوجوده؛ مما أدى إلى تفكيك تدريجي وواسع لبنيات الدولة التاريخية، وكان من الممكن أن يشكل خروج الاستعمار مدخلا لاستئناف مسلسل التطور الديمقراطي وتصحيح المسار وذلك بإقامة دولة حديثة هدفها المركزي خدمة المواطن وليس التحكم فيه، إلا أن الصراع الحاد الذي نشأ حول المشروعية أفضى إلى إعادة إنتاج دولة التحكم .. ورغم ما شهدته من مظاهر انفتاح توسعت في عقد التسعينيات فإن جوهرها التحكمي بقي ثابتاً، ولم تؤد المراجعات الدستورية المتتالية إلى تجاوزه .
ومع اعتلاء الملك محمد السادس للعرش، تجددت الآمال في تحقيق تحول ديمقراطي يتحرر من صراعات المشروعية والمصالح التي رهنت المغرب حوالي أربعين عاماً، كما يستثمر الإرهاصات التي تراكمت في السنوات الأخيرة لعقد التسعينيات، وما أفرزته من تنامي الثقة في مسار ديمقراطي جديد للمملكة المغربية، والذي لو استمر لكان جنّب المغرب الاضطرار إلى الانخراط في مسلسل إصلاحات في سياق ديمقراطي عربي مشتعل وحراك وطني ضاغط.
وبرغم التطور الذي شهدته جوانب من الحريات العامة، فإن الفترة التي تلت الانتخابات التشريعية عام ٢٠٠٢م، وخاصة بعد تفجيرات ١٦ مايو ٢٠٠٣م بمدينة الدار البيضاء، شهدت عودة تصاعدية لمنطق التحكم في المجتمع، وتغولًا متناميًا في الضبط والإقصاء الذي بلغ مداه بالتدخل في المجالات الحيوية للمجتمع مثل السياسة والاقتصاد والإعلام والثقافة والفن، وهي وضعية عمَّقت من الهشاشة السياسية للمغرب وساهمت في الحد والإضعاف من آثار مجموع خطوات الانفتاح السياسي والحقوقي - مثل «هيئة الإنصاف والمصالحة» و«مجلس المنافسة»، وغيرهما - على التطور الديمقراطي للمغرب.
سياق سياسي
وعبر حزب العدالة والتنمية عن أن قراءته للسياق السياسي للإصلاح الدستوري الراهن تقوم على أن سياسات التحكم والتراجع عن توجهات الانفتاح مازالت في بداياتها وواجهت مقاومة سياسية ومدنية معتبرة، وهو ما حال دون تعرض البلاد للاضطراب الشديد بل وأتاح إمكانية الانخراط في الإصلاح السياسي والدستوري بشكل استباقي وإرادي، جسده الخطاب الملكي التاريخي في 9 مارس ۲۰۱۱م، وما عكسه من وعي متقدم بحاجة البلاد إلى مبادرة إصلاحية عميقة تتفاعل التطلعات الإصلاحية الشبابية والشعبية وتحفظ للمغرب مكتسبات الوحدة والاستقرار والهوية، وهو ما فتح أفقاً جديداً وأملاً كبيراً في تجاوز تحديات الموجة الديمقراطية مع الجديدة، وضمان موقع رائد ضمنها .
وخيار الإصلاح الديمقراطي المطروح اليوم يضع المغرب على أبواب الملكية الدستورية الثانية بعد الاستقلال، وهو أفق واعد وتاريخي واستراتيجي ينبغي المضي إليه بكل جرأة وإبداع ومسؤولية ووضوح، دون تخوف أو تردد في زمن المراجعة الحقيقية والشاملة وليس المراجعة التقنية الجزئية والتي ستنقل الدولة المغربية من دولة التحكم إلى دولة التشارك بين مجموع مكوناتها في القرار خدمة للصالح العام.
إن مستقبل المغرب - هوية ووحدة واستقرارًا هو في الديمقراطية، ومستقبل الملكية المغربية هو في الديمقراطية، وكسب هذا الرهان يمر حتماً عبر الأخذ بقواعد النظام الديمقراطي بالمعايير الدولية المتعارف عليها دون تجزيء أو تقسيط، وذلك بإنتاج نموذج ديمقراطي مغربي أصيل؛ لا يخل بالمعايير الدولية، ولا يكتفي باستنساخ نماذج أخرى، ويحقق الديمقراطية والشفافية والمحاسبة.
سبعة توجهات
إن تحليل التطور السياسي للدولة المغربية الحديثة من ناحية أولى، وتشخيص إعطاب الممارسة السياسية الناجمة عن قصور الإطار الدستوري القائم من ناحية ثانية، واستيعاب حدود المكتسبات المسجلة بفعل خطوات الانفتاح من ناحية ثالثة؛ يفرز وجود تحديات كبرى ينبغي للمراجعة الدستورية أن تعمل على تجاوزها بإبداع وجرأة تجسد نموذج الدستور الديمقراطي.. وتتمثل هذه التحديات في سبعة توجهات تمثل تصور حزب العدالة والتنمية للإصلاح الدستوري، وهي:
- دستور يرتقي بمكانة المرجعية الإسلامية، ويعزز مقومات الهوية المغربية.
- ملكية ديمقراطية قائمة على إمارة المؤمنين.
- تقدم رائد في صيانة الحريات العامة وحقوق الإنسان.
- ديمقراطية قائمة على فصل السلطات وضمان التوازن بينها؛ من خلال برلمان ذي مصداقية بصلاحيات واسعة، وحكومة منتخبة ومسؤولة.
- الارتقاء بالقضاء وإقرار استقلاله.
- جهوية متقدمة بضمانات دستورية واسعة
- حكامة جيدة ضامنة للتنافسية ، ومنتجة للفعالية في تدبير الشأن الاقتصادي.