العنوان الإسلام لم يكن عائقًا أمام التطور في ماليزيا
الكاتب ليلي رامي
تاريخ النشر السبت 02-سبتمبر-2006
مشاهدات 68
نشر في العدد 1717
نشر في الصفحة 32
السبت 02-سبتمبر-2006
لقد مس التمدن الممزوج بالقيم والأخلاق الإسلامية كل مناحي الحياة.. وانصهر الإنسان الماليزي في السلوك الحضاري
يبدو لدى الكثير أن أي شكل من أشكال التمدن يعكس الطابع الحضاري الغربي، وأي شكل من أشكال التمسك بالقيم الإسلامية يعكس طابع التخلف والانحطاط!
إنها صورة مؤلمة كانت معكوسة في زمن العصر الذهبي للأمة الإسلامية، كان
الإنسان الغربي إذا أراد أن يبدو متحضرًا يتباهى بالزي العربي. وأمسى هذا الزي رمزًا للتخلف، بعدما كان رمزًا للتقدم والرقي، وللأسف الشديد يكاد الجواب الذي يترسخ لدى كثير من الناس أن سبب تخلف المسلمين هو الإسلام.
ونحن اليوم وبأعلى صوتنا نقول: إن الإسلام الذي أعز الله به المسلمين يومًا ورفعهم إلى أعلى عليين، ما كان ليصبح يومًا من الأيام سبب تخلفهم، إنه مصدر سعادة البشر أجمعين وبدون استثناء، فكيف يصبح مصدر تعاستهم؟! لقد أعزنا الله به كما قال عمر رضي الله عنه: «إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام، فمهما نطلب العزة بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله» أخرجه الحاكم.
ها هي ماليزيا تحدث نقلة نوعية في هذه المفاهيم، وتعطي بقوة لا مثيل لها في باقي دول العالم الإسلامي نظرة عكسية تمامًا. لقد أثبتت التجربة الماليزية أن الإسلام لم يكن سببًا لتخلف المسلمين مثلما عبر عن ذلك الدكتور محاضير رئيس الوزراء الماليزي السابق بقوله: «الإسلام لا يشكل عقبة تحول دون التقدم والتطور والنمو، ولا يعوق اكتساب المهارات الإدارية العالية وتطبيقها في حيز الواقع، ولا يحرم مراكمة الثروة عن طريق القدرات التجارية والصناعية، ولا يمنع إعداد القوة الكفيلة بردع المعتدي، الذي يحاول التقوي على الضعفاء». إن نجاح المسلمين والأمة الإسلامية في مختلف مناحي الحياة كفيل بإقناع غير المسلمين بالوجه الحقيقي للدين الإسلامي، أكثر من المواعظ والخطب، خاصة عندما يكون هناك تناقض بين الأقوال والأفعال. وفعلًا استطاع هذا الرجل أن يترجم كلامه على أرض الواقع، ويشهد بلده تمدنًا في قفزة اقتصادية فريدة من نوعها ويطمح أن تصبح دولته بحلول ۲۰۲۰م ضمن الدول المتقدمة.
مظاهر التمدن الإسلامي في ماليزيا
لقد مس التمدن الممزوج بالقيم والأخلاق الإسلامية في ماليزيا كل مناحي الحياة، فلقد تعود الإنسان الماليزي على السلوك الحضاري، فإلى جانب العمران الراقي ووسائل النقل الحديثة والاستخدام العالي للتكنولوجيا، وأسلمة المطاعم الكبيرة المنتشرة الفروع في كل أنحاء ماليزيا، نلمس أيضًا مظاهر سلوكية متنوعة. فالنظام والانضباط في العمل منتشران في كل مؤسسات الدولة.. الأدب في التعامل فيما بينهم ومع العملاء بكل أنواعهم، لا يميزون بين عميل غني وآخر متوسط الحال.. يتبادلون الحديث يصوت منخفض وبهدوء..
ومن بين السلوكيات المتميزة أيضًا الأمانة، فمن النادر جدًا أن تفقد أمتعتك أو أشياء تكون نسيتها في مكان ما، سواء في أماكن الوضوء أو غيرها، فإذا عدت إليها وجدتها تنتظرك، وأحيانًا تجدها عند الموظفات وخاصة من أهل البلد.
النظام للجميع
ومن مظاهر التمدن الإسلامي أيضًا المساواة في التعامل مع كل الناس، فالقانون والنظام مطبقان على الجميع، فلا يقدم شخص على شخص آخر بسبب علو منصبه أو مكانته الاجتماعية.. إذا استدعى الأمر الأنتظار لقضاء عمل ما ينتظر كغيره من الناس.
وغالبًا يجر التمدن معه انتشار ظاهرة اللا أمن ، غير أن الوضع في ماليزيا مختلف بفضل الإسلام، فالتمدن مع الأمن ميزة لم ينعم بها الغرب بالشكل الذي تنعم به ماليزيا، فمنذ أن تطأ أقدامك مطار كوالالمبور سوف ينتابك شعور بالأمن، ستشعر أنك في بلد آمن هادئ، وهذا لا يعني أن هذا البلد يخلو من المشاكل الاجتماعية.
ومن مظاهر الأمن أيضًا أنك عندما تلتقي برجل الأمن تشعر فعلًا بالأمن، وخصوصًا رجل الأمن الملاوي.. تجده يعتز بالإسلام ولا تفوته أوقات الصلاة، يتوجه رجال الأمن يوم الجمعة للصلاة، وتنوب عنهم نساء الأمن وأغلبهن
محجبات.
ومن بين مظاهر التمدن الإسلامي أيضًا، قلة انتشار ظاهرة التدخين في الأماكن العامة والخاصة، تكاد تنحصر هذه الظاهرة فقط في الشوارع العامة وبشكل محدود جدًا، فالتدخين يعبر عن معاني الرجولة أو التمدن كما يبدو في دول العالم الثالث، وتعتبر ممارسته شيئًا مذمومًا لا يفتخر به فاعله.. تجد لافتة ممنوع التدخين منتشرة في كل مكان، سواء في وسائل النقل العامة أو الخاصة وفي كثير من المطاعم، وبعض تلك المطاعم وضعت جناحًا خاصًا بالمدخنين، وكذلك الفنادق خصصت هي الأخرى أجنحة خاصة بالمدخنين. إنه سلوك حضاري راق لسان حاله يقول: من أراد التدخين فلا يفرضه على غيره، ولينزو في مكان يجمع أمثاله وعادة يسمح بالتدخين في المطاعم التي في الهواء الطلق، أما المغلقة فنادرًا جدًا ما تجد يسمح بذلك، وللحكومة دور فعال، فإلى جانب اللافتات القانونية، تجدها شنت حملة إعلامية عن أضرار التدخين، سواء عن طريق التليفزيون أو اللافتات التجارية الدعائية.
إعلام هادف
ومن مظاهر التمدن الإسلامي أيضًا فرض الرقابة على الإعلام، فلا أثر للفيديو كليبات الخليعة المسموح بها في القنوات العربية، فالإعلام الماليزي يبدو محافظًا مقارنة بإعلام العالم العربي، وبفارق كبير جدًا رغم توافر أحدث الوسائل التكنولوجية به.. وحتى الفنانون المستغربون يقفون عند حدود معينة، وتقوم القناة الأولى بالتلفاز الماليزي بتشجيع الإعلام والفن الإسلامي، مستفيدة بشكل كبير من التكنولوجيا الحديثة، وعرض أفلام اجتماعية خاصة ذات التوجه الإسلامي تقوم فيها النساء بأدوارهن وهن مرتديات الحجاب.. بالإضافة إلى عرض أفلام تربوية توجيهية، إلى جانب إنتاج أفلام كارتونية، سواء المتعلقة بالسيرة النبوية أو التاريخ الإسلامي أو الوقائع الإجتماعية، تحافظ على الهوية الملاوية المسلمة.
ونجد قناة الراديو «أي كي أي إم» ذات توجه إسلامي معتدل، فإلى جانب تشجيعها للفن الإسلامي وتقديم الأناشيد الإسلامية الماليزية، إلى جانب أناشيد تستوردها من مختلف دول العالم الإسلامي باللغتين الإنجليزية والعربية، فهي تشجع تعلم اللغة العربية أيضًا.
ومن مظاهر التمدن الإسلامي أيضًا ما نشهده في المستشفيات، فإلى جانب استخدامها للوسائل المتطورة وتوفير النظافة في المستشفيات الحكومية والخاصة، يلفت الأنظار وجود آيات قرآنية تتعلق بما يلزم على المريض من أدعية شفائية، فتعطي المريض والزائر انطباعًا بالرضى بقضاء الله لنيل الأجر، كما تمنحه إحساسًا عميقًا بأن الله سبحانه وتعالى سيشفيه ما يبعث شعورًا إيمانيًا بالراحة النفسية للمريض ومرافقيه على حد سواء، هذا كما تلفت الأنظار أيضًا ظاهرة انتشار الممرضات المحجبات، وتلقى المريضة المحجبة العناية الكاملة التي تناسبها وتريحها ولها أن تطلب طبيبة امرأة، وتلبي رغبتها بكل رحابة صدر وتلقى كل الإحترام في المعاملة، فلا تخترق قناعاتها، بل بالعكس تحترم بشكل كبير، كما وضعت الحكومة الماليزية قانونًا يمنع اختلاء الطبيب بالمريضة، فعلى الطبيب طلب الممرضة في مثل هذه الحالة.
ولم يمنع التمدن المستشفيات من المحافظة على الهوية الإسلامية، بل نجدهم متمسكين بها بكل اعتزاز، ولا يعتبرون التمسك بها تخلفًا أو رجعية، بل إن غير المسلمين يبدون احترامًا واضحًا لتلك القيم السالف ذكرها.
إن إيمان الحكومة الماليزية بعدم عرقلة الإسلام للتطور هو الذي شجع ماليزيا للوصول إلى ما وصلت إليه، فامتلاك حكومة لمثل تلك القناعات التي سبق ذكرها من شأنه كسر كل العقبات.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل