; الفريق حميد جول رئيس جهاز الاستخبارات السابق لـ«المجتمع»: هناك أزمة قيادة في البلاد | مجلة المجتمع

العنوان الفريق حميد جول رئيس جهاز الاستخبارات السابق لـ«المجتمع»: هناك أزمة قيادة في البلاد

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 05-أكتوبر-1993

مشاهدات 54

نشر في العدد 1069

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 05-أكتوبر-1993

·       الجماعة الإسلامية نجحت في تشكيل أحد التيارات السياسية القوية في البلاد

لعب الفريق حميد جول رئيس جهاز الاستخبارات الباكستاني السابق، دورًا هامًا في رسم السياسة الداخلية والخارجية لباكستان أثناء توليه منصبه، فقد كانت الحرب الأفغانية على أشدها والمناوشات مع الهند لم تهدأ، وكان عصر الجنرالات هو عصر رئاسته لجهاز الاستخبارات، وحينما تقاعد عن منصبه لم يترك الساحة السياسية بل كتب أكثر من كتاب ولا يزال يشارك بآرائه في الحياة السياسية الباكستانية بشكل بارز، ولأن القيادة العسكرية في باكستان تعتبر هي الحامي الأساسي للتجربة السياسية الباكستانية، فقد التقت «المجتمع» الجنرال حميد جول، وكان معه هذا الحوار:

المجتمع: أحد الظواهر الملفتة للنظر في الانتخابات البرلمانية الحالية في باكستان أن الحزبين الرئيسيين في البلاد قد تغاضيا عن التحالف مع قوى سياسية أخرى؟ ما تفسيركم لذلك؟

حميد جول: إنني أعتقد أن حزب الشعب الباكستاني الذي أسسه ذو الفقار علي بوتو عام ۱۹٧٠ يعد من أقوى الأحزاب السياسية في البلاد، إن لم يكن أقواها على الإطلاق، وهذا لا يعني أنني أؤيد هذا الحزب، وقد حرص هذا الحزب على عدم الدخول في الانتخابات متحالفًا مع قوى أخرى، غير أنه في انتخابات عام ۱۹٨٨ و۱۹٩٠ اتجهت بينظير إلى التحالف مع بعض القوى العتيدة، إلَّا أنها شعرت فيما بعد أنها تتعرض للابتزاز من هذه القوى، ولذا فقد آثرت بينظير في هذه الانتخابات ألا تكرر تجربة عامي ۱۹٨٨ و۱۹٩٠م.

نواز شريف نفسه قد اقتنع هو الآخر بهذه الفكرة بعد أن فشلت تجربة التحالف الإسلامي وانفرط عقد هذا التحالف بعد فترة ليست طويلة من العمل مع الجماعة الإسلامية وبعض القوى الأخرى. وأود أن أشير هنا إلى أن حزب الرابطة الذي يتزعمه نواز شريف ليس على نفس مستوى حزب الشعب من التماسك والتنظيم، ولكنه يفتقر لوجود كوادر تنظيمية عالية. وقد أسهمت الجماعة الإسلامية بما لديها من تنظيم في إدارة الحملة الانتخابية للتحالف الإسلامي عام ۱۹٩٠. وقد ولد غياب الجماعة الإسلامية عن التحالف مع الرابطة الإسلامية فراغًا يبدو بوضوح في مستوى الأداء التنظيمي لحزب الرابطة.

المجتمع: العنصر الأيديولوجي في العملية الانتخابية غائب من برامج الحزبين الكبيرين إلى الحد الذي لا تستطيع فيه أن تميز بين حزب الشعب وحزب الرابطة، ألا تتفق معي في هذا الجانب؟

حميد جول: بكل تأكيد هذا ما يلحظه الجميع، فالعنصر الأيديولوجي غائب تمامًا عن برامج الحزبين رغم ما عرف في الماضي بتوجه حزب الشعب اليساري وميله نحو الاشتراكية. إلَّا أن الوضع اختلف تمامًا فكلا الحزبين يتحدثان عن اقتصاد السوق والخصخصة والاستثمار الأجنبي، ولكن رغم ذلك فلم يحدث أي تقدم يذكر من الجانبين فيما رفعا من شعارات، فالفساد وسوء الإدارة والرشوة والمحسوبية تحظى بنصيبٍ وافرٍ في إدارة الحزبين.

إن الأدوات التي سيقدمها كل طرف في حملته الانتخابية تنحصر في جماعات المصالح من رجال أعمال ورجال الإقطاع، أضف إلى ذلك أن بينظير بوتو فقدت جزءًا كبيرًا من حملتها الشخصية الكاريزمية لوالدها والتي كان لها سحر خاص لدى الشعب الباكستاني. نواز شريف في الانتخابات الماضية مثلًا كان يردد شعارات أسلمة المجتمع ودعم القضيتين الكشميرية والأفغانية، غير أن شيئًا من ذلك لم يحدث في حملته الحالية؛ لم يستطع التحدث عن هذه القضايا التي سبق وتحدث عنها ولم يقم بشيء تجاهها، ولذلك فإن جناح اليمين في التحالف الجمهوري الإسلامي قد أصيب بخيبة أمل كبيرة من جراء ذلك، وهذا ما دفع القوى الإسلامية لخوض العملية الانتخابية دون المشاركة مع أي من الحزبين الكبيرين.

المجتمع: إذا كان العنصر الأيديولوجي قد غاب في المعركة الانتخابية، فما دور العشائر والتصنيفات العرقية العديدة في باكستان في العملية الانتخابية؟

حميد جول: لا شك أن العشائر والعرقيات لها دور هام في الانتخابات نظرًا لطبيعة المجتمع الباكستاني المعقدة في هذا الجانب. ولذا فقد حرص الحزبان الكبيران أثناء اختيار مرشحيهما على انتقاء العناصر التي تنتمي إلى عشائر أو قبائل كبيرة ولها القدرة على الإنفاق بسخاء في العملية الانتخابية. ومن هنا فإن الشخصيات المحلية بما تحظى به من عصبيات قبلية تشكل أحد عوامل التأمين على العملية الانتخابية.

المجتمع: القوى الإسلامية في باكستان كثيرة ومتباينة بل ومختلفة فيما بينها أيضًا، غير أن بعض هذه القوى قد نجح في تجاوز الأطر التقليدية لهذه القوى وأصبح يشكل القوة الرئيسية الثالثة في البلاد، ما تعليقكم؟

حميد جول: فيما يتعلق بالجزء الثاني من السؤال والخاص ببروز قوىً إسلامية ذات فعالية كبيرة فهذا بلا شك يبدو واضحًا هذه الأيام، فقد نجحت الجماعة الإسلامية بعد أن شكلت ما يعرف بالجبهة الإسلامية الباكستانية في أن تشكل أحد التيارات السياسية القوية التي تتحدى الحزبين التقليديين. وأعتقد أن هذا التحول قد جاء في أعقاب التغيير الجوهري الذي طرأ على فكر الجماعة الإسلامية عندما فتحت أبوابها لشخصيات أخرى من خارج نطاق الجماعة للمشاركة معهم في العمل السياسي، وهذا في اعتقادي يشكل إحدى القفزات الكبيرة التي حققتها الجماعة الإسلامية والتي سيكون لها ما بعدها، خاصة وأن الجماعة الإسلامية بما لديها من رصيد معروف في دعم القضيتين الأفغانية والكشميرية سوف تسهم في المدى البعيد في إعادة صياغة القوى السياسية المطروحة على الساحة.

وإذا عدنا للشق الأول من السؤال والمتعلق بالتباينات بين القوى السياسية فهذا صحيح كذلك وهو يشكل إحدى نقاط الضعف الخطيرة التي تعاني منها القوى الإسلامية في البلاد، وأعتقد أن التقاء هذه القوى سيكون له إسهام فعال في التأثير على نتائج الانتخابات سواء الآن أو في المستقبل، خاصة وأن هذه القوى لم يعرف عنها إلى الآن أي مظهر من مظاهر الفساد أو سوء الإدارة، كما لم يتهموا أو يتورطوا في اختلاسات مثلما هو حاصل مع الحزبين الكبيرين، ربما لأنهم لا يزالون خارج السلطة، ولكن لا ندري ماذا سيكون حالهم إذا ما وصلوا إليها.

المجتمع: هل تتفق مع من يقول إن الأزمة السياسية التي تعيشها باكستان اليوم تعود في جزءٍ كبيرٍ منها إلى غياب عنصر الثقة لدى الشعب الباكستاني في الحزبين الكبيرين ورغبة هذا الشعب في إيجاد بديلٍ أكثر حرصًا على مصلحة هذا الوطن؟

حميد جول: هذا تشخيص صحيح، فهناك أزمة القيادة في البلاد أكثر من أي وقت مضى. لا يوجد شخص واحد عليه إجماع من قبل الشعب الباكستاني، لا يوجد قائد حريص على مصالح البلاد، ويعطي رسالةَ أملٍ لشعب أصيب باليأس من الأنظمة الحاكمة. إن الأزمة الحالية ليست دستوريةً فحسب، رغم الدور الذي لعبه التعديل الدستوري الثامن في حل حكومة نواز والبرلمان، إلَّا أن هناك أزمةً سياسيةً واقتصاديةً واجتماعيةً أيضًا. إن الأقاليم الصغيرة تشكو مثلًا من أن رئيس الدولة يأتي دائمًا من البنجاب لأنها ولاية كبيرة بينما لم يأتِ من بلوشستان، كما أن النظام السياسي في البلاد فاشل وفي حاجة إلى إصلاحٍ جذريٍ مثله مثل بقية الجوانب الأخرى دستورية واقتصادية واجتماعية.

المجتمع: بصفتكم أحد قادة الجيش الباكستاني سابقًا، ما تقييمكم لدور الجيش في الأزمة السياسية الباكستانية الراهنة؟

حميد جول: إن الجيش كان دوره محايدًا ولا يزال، فلم يتدخل في الشؤون السياسية وترك الأحزاب وشأنها، ولكن عندما أصبح الأمر حرجًا خاصة عندما دعت بينظير إلى تنظيم المسيرة الطويلة اضطر الجيش إلى القيام بدورٍ محايدٍ في التوفيق بين الأطراف المختلفة خشية أن يتكرر ما حدث عام ٧٧، ٨٣ وما ترتب على ذلك من مشاكل في البلاد. لقد تدخل الجيش بالقدر الذي حافظ فيه على سمعته وتمكن في نفس الوقت من الاتفاق على صيغةٍ مناسبةٍ لاحتواء الأزمة. لكن على أية حال فإن الصورة التي تم بها معالجة الأزمة تعد مؤقتةً وليست نهائية.

المجتمع: هل هذا يعني أن الانتخابات لن تحسم الأزمة الراهنة في البلاد؟

حميد جول: لست متفائلًا كثيرًا، لأن النظام السياسي في البلاد كما ذكرت حافل بنقاط الضعف والدستور به ثغرات عديدة، وأعتقد أن ملامح هذه الجوانب على درجة كبيرة من الأهمية حتى يتحقق الاستقرار في البلاد وإلا فإن الأزمة ستلقي بظلالها من جديد في البلاد.

الرابط المختصر :