; المشهد السياسي في موريتانيا: الرئيس والعسكر.. أسباب الأزمة ومظاهر الصراع | مجلة المجتمع

العنوان المشهد السياسي في موريتانيا: الرئيس والعسكر.. أسباب الأزمة ومظاهر الصراع

الكاتب سيد أحمد ولد باب

تاريخ النشر السبت 05-يوليو-2008

مشاهدات 65

نشر في العدد 1809

نشر في الصفحة 28

السبت 05-يوليو-2008

أخيرًا.. اتضح المشهد، وحسمت أوراق اللعبة وقرر الطرفان المواجهة في مشهد يعيد للأذهان هيبة العسكر» ويعطي للبرلمان دوره المغيب، ويجعل الرئيس والحكومة ووزراء الأزمة أمام الامتحان الصعب.. جنرالات مغامرون ونواب غاضبون ماضون في إسقاط الحكومة، ورئيس منتخب يتمسك بوزراء متهمين بالفساد «ساقطين شعبيًّا» ولو كان ذلك على حساب الديمقراطية والأمن والوطن.. إنها الحالة الموريتانية التي غنى لها الجميع، وتراقص لها السياسيون قبل أن ينقشع الغبار ليتضح كم كان الرئيس ولد الشيخ عبد الله رهين المحبسين «المستقلين والعسكر» وكم ضاعت أحلام الرجال حينما صدقوا أن البلاد خلفت وراءها عهود الظلام تحت قبعات الجيش.

 لم تكن الصور التي التقطها المصورون للجنرالين محمد ولد عبد العزيز ومحمد ولد الغزواني وهما يدلفان إلى مكتب الوزير الأول المكلف مجرد صور عابرة، بل كانت لحظات حاسمة في تاريخ موريتانيا ما بعد التغيير إنها لحظات اعتراض ونصيحة للوزير القادم من دهاليز مؤسسات السلطة المفلسة وتحذير للرئيس المنتخب من مغبة إشراك رموز طالما تعهد سيدي ولد الشيخ عبد الله نفسه للعسكريين والنواب المستقلين بعدم إشراكهم في اللعبة السياسية.

لكن الرئيس المفعم بالحماس، بفعل سنة من الإنجاز، قرر مواجهة الجنرالين تحت تأثير الضغط النفسي الناجم عن اتهام المعارضة دومًا له بالارتهان للجيش الذي أوصله للسلطة ولو بأصوات الموريتانيين.. مررت الحكومة، وأبقي على وزيرين رشوة للعسكر في التشكيلة الوزارية الجديدة وراهن الرئيس على مروءة رفيقيه.. وتبددت غيوم الفرقة مع الأيام.. لعل الأمور تهدأ والمشهد القادم يقنع منتقديه بأنه فعلًا الرئيس الحاكم، لكن هل كان ولد الشيخ عبدالله مصيبًا في توقعاته؟

مظاهر التأزم

كانت الأسابيع الأولى للوزير الأول المكلف يحيى ولد أحمد الواقف كفيلة بإسقاط الحكومة شعبيًّا من خلال حملات إعلامية ساعدت فيها الوجوه القادمة وأججتها مظاهر التأزم الناجمة عن ارتفاع الأسعار، ونقص الغذاء، وانعدام الأمن وتردى الحياة السياسية، بعدما خابت آمال الحالمين بفجر جديد بعد سنوات من الظلام الذي عاد صناعه!

تعهد الرئيس بتثبيت أسعار الأرز فواصل الأرز ارتفاعه، ولم تقنع تعهدات الرئيس جياع الداخل ولا عطشى العاصمة، وفشلت حملات تنظيف الأسواق من صغار التجار بعدما أججت مشاعر الكراهية بين السكان وحققت جرائم القتل والاغتصاب والمخدرات رقمًا قياسيًّا في ظل أمن يترنح بين التحديات الناجمة عن ظهور خلايا مسلحة للسلفيين، وإكراه واقع يجعل اعتقال صغار اللصوص في ظل تعيين الكبار إخلالًا بالمروءة وشططًا في استعمال السلطة.

كبت الحريات: كبنت الحريات فأغلقت إذاعة «صوت المواطنة، واستدعيت صحيفتا «القلم» و«البديل الثالث»، واعتقل دير صحيفة الحرية.... وسيطر الخوف على السكان بعد أن اجتاحت العاصمة موجة طالت ربات الخدور في بيوتهن والشيوخ السجد وتطاول ليل العائدين بعد أن هد الجوع أركان «بيوت» حلم ذووها يومًا ما بعودة كريمة إلى وطن تعهد «الممسكون» بزمامه بتوفير المسكن الأمن للعائدين من اغتراب والجوع والتشريد عن الدار والأهل حتى تاقت أعناق آخرين لفردوس العودة فكانت هجرات جديدة تُسجل طمعًا فيما تعهدت وكالة دمج اللاجئين العائدين بتوفيره، قبل أن يتبدد الحلم ويتحول الأمل إلى سراب والعودة إلى مأساة يصعب الحديث عنها في مثل هذا المقام.

وتناسى الجميع قضية فلسطين بعد أن تولت حمائم السلام أهم وزارات الدولة السيادية، وفهمت «إسرائيل» اللعبة سريعًا فحضر سفيرها في نواكشوط بوعز بوسميث، حفل السينمائيين من دون توجيه دعوة إليه لأنه من ضمن الجماهير الموريتانية المدعوة للاحتفال مجانًا على أقل تقدير!!

طريق مسدود!

في ظل مشهد متأزم كهذا عاود العسكريون إطلالتهم المعهودة، وبدأ استدعاء النواب، لكن هذه المرة ليس للضغط عليهم من أجل دعم المرشح سيدي محمد ولد الشيخ عبدالله بل لصياغة رؤية سياسية مشتركة تمهد للمرحلة المعروفة بما بعد ولد الواقف.

نجح العسكريون في التكتم على المشروع» السياسي الجديد، في ظل إقصاء رموز الكتل الداعمة للرئيس ولد الشيخ «عبدالله»، وإشراك آخرين أقل ما يقال عنهم: إنهم عوقبوا في ظل انتخابات برلمانية نزيهة من قبل العارفين بهم.

وظهرت بوادر الصراع بين القصر الرئاسي وصانع مجد «انقلاب» الثالث من أغسطس ٢٠٠٥م كما يحلو للبعض أن يسمي الجنرال «ولد عبدالعزيز.»

وبغض النظر عن صحة الإساءة التي تعرض لها الجنرال من الأمين العام للرئاسة قبل أسابيع، أو انزعاجه من حفل جماعي

لم يُستشر فيه، أو تمرير الرسائل في ظل غيابه دون إبلاغه، فإن الخلاف بين الرئيس المنتخب والجنرال النافذ بلغ أوجه، ولم تنفع فيه وساطة الأصدقاء بفعل تحريض المقربين «كما يُقال» وبعض المستوزرين الجدد في مشهد مثير للاهتمام!

ويقول العارفون بدهاليز اللعبة السياسية في موريتانيا: إن العلاقة بين الطرفين وصلت إلى طريق مسدود، رغم نفى ولد الشيخ عبدالله، لحلفائه في الأغلبية وجود أي خلاف بينه وبين الضباط المذكورين، وإصرار ولد الواقف على أن الأمور تحت السيطرة، وأن الخلاف يدور بينه وبين بعض المستائين من حزيه، وأن الأمور في طريقها إلى الحل، وهو ما لم تسعفه تطورات الوضع المتلاحقة.

خيارات الرئيس وقناعة الجنرال!

 في ظل دولة ك موريتانيا ودستور کدستورها يملك الرئيس الكثير من الأوراق بحكم منصبه، وصلاحياته الواسعة والشرعية الناجمة عن أي انتخابات شفافة ونزيهة، والدعم الخارجي الذي يحظى به عادة حكام العالم الثالث غير المشاكسين.

وتحديدًا، يمتلك الرئيس تعديل الحكومة الحالية قبل عرضها على البرلمان وبعده وإسقاطها من خلال تكليف رئيس وزراء جديد، كما يمتلك الحق في حل البرلمان والدعوة لانتخابات برلمانية مبكرة، ويعطيه الدستور حق إقالة الضباط وتعيينهم بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة، بل وحتى حل الوحدات العسكرية واستبدالها.. لكن فعليًّا، هل يمتلك ولد الشيخ عبد الله كل ذلك؟! 

أحوال السياسة متقلبة كما يُقال والكرسي نافذ والقرارات ممكنة.. لكن كيف ستكون العواقب؟ وهل سيضمن الرئيس انتخاب برلمان موال للرئيس ووزراء الأزمة في ظل وضع اقتصادي متدهور وأغلبية مغاضبة وحلفاء مترددين ومعارضة تتربص به الدوائر، وتعتبر نفسها اليوم في أحسن الأحوال بعد فراق الرئيس وحزبه؟ وهل يستطيع ولد الشيخ عبدالله فعلًا إقالة الجنرالين ولد عبدالعزيز» و«ولد الغزواني» بعد أن سمح لهما بإعادة ترتيب أوراق المؤسسة العسكرية طيلة عام وفق الرؤى والتصورات التي خططا لها عن ذكاء؟ ومن سينفذ أمر الرئيس، في ظل تأكيد أكثر من طرف على أن الحرس الرئاسي هو ذاته الذي قاد انقلاب الثالث من أغسطس ٢٠٠٥ م على الرئيس «معاوية ولد الطايع وفى ظل جيش يقوده ضباط آخرون؟ 

وكيف سيكون الحال اليوم وقد أحكم الجنرالان قبضتهما على الجيش ووحداته الداخلية، ودفعا بقائد المخابرات الجيش يعتبر نفسه أول ضحايا ملف الزنوج الذي فتحه الرئيس «سيدي ولد الشيخ عبد الله؟.. وحدها الوقائع قد تجيب السائلين. 

الرابط المختصر :