العنوان على عتبات البيت الأبيض الأمريكي!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 26-يوليو-1983
مشاهدات 81
نشر في العدد 630
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 26-يوليو-1983
لم تلتفت وكالات الأنباء العالمية إلى مغزى تغيير المبعوث الرئاسي الأمريكي للشرق الأوسط.. في الوقت الذي اكتفت فيه بنقل بعض الهوامش البروتوكولية لهذا التغيير.
ولمحاولة تلمس المغزى أو الوصول إليه لا بد من تفحص الظرف العربي وتفحص الشخص البديل الذي ورث مهمة فيليب حبيب. فضلًا عن قراءة ردود الفعل السريعة التي قد تحمل بعض العناصر الشفافة التي تقرب لنا المغزى.
* أما الظرف العربي الذي يجد المتفحص عنوانه في الرحلات الرئاسية العربية الأخيرة إلى عتبات البيت الأبيض فهو ظرف يرتكز اليوم على جانب من الرؤية السياسية الدولية التي لا يمكن أن توصف الولايات المتحدة الأمريكية بالبعد عنها..
ولغل هذه الرؤية أفرزت في المنطقة ما يشبه الاتجاه الجماعي نحو الحل الأمريكي لمشاكل المنطقة العربية.. لذا فلم يكن كثيرًا أن يشهد الأسبوع الماضي زيارتين عربيتين كبيرتين لعتبات البيت الأبيض يعلن في ختامهما عن عزم الرئيس الأمريكي رونالد ريغان على زيارة عواصم المنطقة العربية في سبتمبر القادم.
* وأما روبرت مكفارلين الذي ورث مهمة حبيب كمبعوث للرئيس الأمريكي فقد توفرت له حتى الآن بعض الأوصاف الدالة على توجه المهمة المنوطة به.
* فالمبعوث الجديد رجل أمن من الطراز «العريق!!» تدرج في المناصب الأمنية الأمريكية حتى وصل إلى منصب نائب مستشار الرئيس للأمن القومي. وقد يكون بعض الناس معذورين عندما يترجمون عبارة «الأمن القومي الأمريكي» بمدلولات الأمن الجبري للمصلحة الأمريكية خارج الولايات المتحدة وذلك لما عرفوه من مهام رجال الأمن القومي في عواصم العالم ولا سيما عواصم الشرق الأوسط العربي.
* والمبعوث الجديد ذو خبرة بالمنطقة العربية وقضاياها. ولا سيما القضية التي تشكل القاسم المشترك الأعظم بين الأنظمة العربية و"إسرائيل".. ألا وهي قضية الأمن والسلام!!
* والمبعوث الأمريكي الجديد رجل لصيق بالرئيس رونالد ريغان وإدارته.. مشبع برؤية البيت الأبيض السياسية والأمنية.. يقف في المؤسسة السياسية الأمريكية على أرض صلبة تؤهله للحركة بيسر وسهولة ينطويان على اعتداد صاحب الذهنية الأمنية بالقدرة على الإنجاز.
- وهكذا يأتي المبعوث القادم من أمريكا هذه المرة من الطراز المهيأ للحسم أكثر من المناورة التي مثلها طيلة السنتين الماضيتين المبعوث الأسبق فيليب حبيب.
* وإذا وصلنا إلى رصد ردود الفعل السريعة لتعيين روبرت مكفارلين مبعوثًا رئاسيًّا أمريكيًّا من أجل حل ما يسمى بأزمة الشرق الأوسط فإننا سنلاحظ ردًّا للفعل "الإسرائيلي" يتسم بالارتياج والثقة بالمرحلة التي سيمثلها المبعوث الرئاسي الجديد في المنطقة.
فالمتحدث بلسان مناحيم بيغن لم يستطع إخفاء حقيقة تتلاءم ومهمة المبعوث الجديد، بل تتلاءم أيضًا وطبيعته حيث وصفه على لسان رئيس الوزارة "الإسرائيلية" بأنه «رجل صلب يعرف ما يريد أن يحققه».
والمتحدث بلسان بيغن لم يخف الأثر الطيب على الفكر السياسي "الإسرائيلي".. ذلك الأثر الذي خلفته على "الإسرائيليين" إحدى زيارات مكفارلين لفلسطين المحتلة عندما قصفت الطائرات "الإسرائيلية" في صيف 1981 المفاعل النووي العراقي فقد تمكن في حينها من «إزالة سوء التفاهم الذي نشأ بعد العملية بين البيت الأبيض وحكومة بيغن». ويضيف المتحدث بلسان بيغن قائلًا: «لقد كن موفقًا جدًّا وترك انطباعًا كبيرًا لدى رئيس الوزراء».
- هذه أهم الخطوط في رد الفعل "الإسرائيلي" وكلها تلخص للمراقب مدى الارتياح "الإسرائيلي" والثقة بمستقبل الديبلوماسية الأمريكية في المنطقة.
- أما رد الفعل العربي فلم يزل خارج الطبعات المقروءة من صفحة المقولات العربية التي أصبحت من المحفوظات المعروفة لدى الجميع.. ولا يمكن للمراقب إلا أن يفترض -على الرغم من ذلك- قبولًا حكوميًّا في هذا الظرف العربي الجماعي لما ارتأته إرادة البيت الأبيض. وهذا قد يحمل الدلالة على أن ما سيحدثه المبعوث الأمريكي الجديد بمنهجه وأهدافه لن يكون مفاجئًا "للإسرائيليين" وللعرب معًا!!
ترى.. هل يمكن الآن أن نتلمس المغزى من تبديل المبعوث الأمريكي؟
* هنا لا بد من قراءة نتائج مختصرة للمعطيات السابقة:
1- إن فيليب حبيب انتهى كوسيط مبتعث بانتهاء دور المناورة المكوكية في عواصم المنطقة حيث أوصل موضوعه إلى بوابة الحل الأخير بعد أن احترق لبنان وتهشمت المقاومة الفلسطينية وأرست الأنظمة مراسيها على الحل السلمي وانفرد الأمريكان بتوجيه العملية السياسية في المنطقة وسقطت البندقية العربية نهائيًّا إزاء كل ما حصل تحت مظلة المناورة الأمريكية التي أدارها المبعوث الأسبق فيليب حبيب.
2- إن انتهاء مرحلة المناورة يعني الدخول في مرحلة جديدة تحتاج رجلًا جديدًا يمثلها ويقوم عليها.. ولعل اختيار المبعوث الأمني هذه المرة لا بد وأن يوحي بالخطوط العريضة للمرحلة القادمة.. مرحلة ترسيخ العوامل التي سيرتكز عليها الأمن الجبري للولايات المتحدة الأمريكية ومصالحها.. وذلك ما يتصل قطعًا بأمن الدولة الصهيونية التي ترتبط مع الولايات المتحدة بحلف إستراتيجي عضوي. الأمر الذي يوحي في المحصلة بأن مقدم المبعوث الجديد محسوب من خلال قناعة أمنية أمريكية- "إسرائيلية" مشتركة.
3- ترى ماذا سيبقى للعرب بعد هذا وهم بين طرفين عدوين من الطراز العنيد!!؟
إن الظرف العربي- وهو على حاله- لن يكون مؤهلًا إلا لعملية استملاء ما يملى عليه وحفظ المقولات السوداء التي ستنتقش على جبينه والتي ستشهد مدى التاريخ أن العصر الأمريكي لم يترك للعرب خيارًا ما غير انتظار المواكب الرئاسية على عتبات البيت الأبيض الأمريكي!!