العنوان الخروج من المأزق
الكاتب ا. د. عماد الدين خليل
تاريخ النشر السبت 22-يناير-2011
مشاهدات 64
نشر في العدد 1936
نشر في الصفحة 66
السبت 22-يناير-2011
في النظم والمذاهب الشمولية الطاغية تمارس لعبة باسم الدفاع عن المبادئ التقدمية التي تخدم الإنسان، ويتحول المذهب أو النظام بمرور الوقت إلى أنياب حادة تمزق كل من يحاول أن يتصدى لرموزه، أو ينقد أخطاءه وممارساته.. ويضيع الإنسان!
وفي النظم «الليبرالية » يرفع شعار «الدفاع عن الإنسان »، أياً كان موقعه، وبمرور الوقت تنحسر منظومة القيم والمبادئ التي تحمي المجتمع.. فيضيع المجتمع.
وتاريخ الغرب الحديث والمعاصر يقدم العديد من الحالات في الاتجاهين معاً، فيما ألحق بالإنسان والجماعات هناك جملة من المرارات والخسائر والانكسارات.. وكلنا يذكر ما فعلته الشيوعية و «الشوفينية » والرأسمالية فيما لا يتسع المجال للوقوف عند تفاصيله، أو حتى الإشارة إلى بعض شواهده.
ترى.. هل هناك سبيل للخروج من هذا المأزق لحلّ هذه المعادلة الصعبة لحماية الإنسان والجماعة.. النظم والقيم على السواء؟
لقد جاءت الأديان لإعطاء الجواب.. وما لبثت المحاولة، بعد صراع طويل، أن تجلّت بصيغتها المكتملة في الإسلام.. ولقد عكست مساحات واسعة من تاريخنا الإسلامي هذا التوازن المدهش، الذي يعطي الفرصة للإنسان والجماعة معاً، ويمكن للنظم والقيم أن تشق طريقها، وتواصل وجودها وتناميها في قلب الحياة.
لقد التقى العدل بالحرية في صيغة وفاق لم يشهد لها التاريخ البشري مثيلاً إلاّ في القليل النادر.. وقاد الرسول ﷺ وصحابته وأجيال التابعين وتابعيهم بإحسان من بعدهم تلك التجربة المدهشة التي أتيح فيها للإنسان أن يمارس حريته، وأن يتحقق على شتى المستويات، في الوقت نفسه الذي وجدت فيه النظم والقيم والمبادئ فرصتها للفاعلية والتنامي، بما أنها تعبير عن شريعة الله سبحانه وتعالى.
وانطلاقاً من النصّ القرآني، والسنة النبوية، وصولاً إلى شبكة المعطيات الفقهية الخصبة، يجد المرء الاهتمام ذاته بالقطبين معاً: الإنسان والجماعة، فلم يضيَّق الخناق على أحدهما لحساب الآخر، وإنما أُعطي المجال لحركة الطرفين بما يؤول إلى تكوين الإنسان المسلم والجماعة المؤمنة.
والذي يتابع ظاهرة الاهتمام الكبير الذي يوليه الإسلام للجماعة، قد يقع في إسار استنتاج خاطئ يخيل إليه أن هذا الدين هو في أساسه مشروع لبناء الجماعة، ولكن وبمجرد متابعة الجانب الآخر للصورة سيجد نفسه إزاء الاهتمام ذاته بالإنسان، حيث يبدو الإسلام كما لو كان دين التحقق الذاتي على مستوى الأفراد. فهو إذن التوازن المقصود بين القطبين، حيث لا تصلح الحياة، وتتدفق معطياتها وتتنامى إلاّ بإعطاء الفرص المفتوحة لتحقّق القطبين معاً.
إن الذي يقرأ كتاب الشاعر الفيلسوف المسلم «محمد إقبال « » تجديد الفكر الديني في الإسلام »، يجد نفسه إزاء شبكة من المعطيات التي تقود إلى التحقّق الذاتي للمسلم في أشد حالاته فاعلية وتألّقاً.. والذي يقرأ كتاب المفكر الفرنسي المسلم «رجاء جارودي « » وعود الإسلام ،» يجد نفسه إزاء شبكة من المعطيات التي تقود إلى بناء الجماعة وفق مشروع للتصعيد والتسامي يثير الدهشة والإعجاب.
والإسلام هو في حقيقته هذا وذاك.. تحقّق الفرد والجماعة معاً.. فما قاله «جارودي » لا يتعارض أو يناقض ما سبق ل«إقبال » أن عرضه في كتابه ذاك بل يكمله، بإدارته الكاميرا على الوجه الآخر للصورة، فالإسلام في تعاطيه مع الثنائيات هو دائماً «هذا وذاك »، وليس «إما هذا أو ذاك
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل