; قراءة في فكر سياسي أمريكي كيف.. ولمن يكتب المفكر؟ | مجلة المجتمع

العنوان قراءة في فكر سياسي أمريكي كيف.. ولمن يكتب المفكر؟

الكاتب أورخان محمد علي

تاريخ النشر السبت 26-يناير-2002

مشاهدات 81

نشر في العدد 1486

نشر في الصفحة 66

السبت 26-يناير-2002

عندما أصدر المؤرخ البريطاني المعروف أرنولد توينبي دراسته الضخمة بل موسوعته في تاريخ وحضارات العالم في اثني عشر مجلدًا تحت عنوان «دراسة في التاريخ» أخذت هذه الدراسة منه أربعين سنة (١٩٢١ ١٩٦١) خصص في فهارس المجلدات من السابع وحتى العاشر مساحة لبريطانيا بلغت سدس المساحة التي خصصها لتاريخ وحضارة مصر.

وتعرض جراء ذلك لنقد مرير من قبل بعض المؤرخين والكتاب وعلى رأسهم السير «أرنست باركر»، حيث عدوا عمله هذا جحودًا بحق بلده بريطانيا.

 وردَّ توينبي على منتقديه ردًّا طريفًا؛ إذ قال إن المصادفة وحدها هي التي جعلت مساحة فهارس بريطانيا سدس فهارس مصر؛ لأنه لو قام بتخصيص مساحات الفهارس حسب أهمية الدور الذي لعبته كل من بريطانيا ومصر في حضارة العالم وتاريخه لكان من المفروض ألا يتعدى نصيب بريطانيا جزءًا واحدًا من ستين جزءًا، ويكون الباقي (أي ٥٩ جزءًا من نصيب مصر. تناول توينبي في موسوعته هذه بالشرح والتحليل جميع الحضارات التي شهدتها الإنسانية حتى الآن ومجموعها ۲۱ حضارة لم يبق منها الآن سوى خمس حضارات الغربية الإسلامية الهندية الأرثوذكسية والصينية.

كان هذا المؤرخ البريطاني – الذي قدم نظرية عميقة في فلسفة التاريخ وفي قيام واندثار الحضارات وهي نظرية التحدي والاستجابة... يعرف نواقص الحضارة الغربية ويشير إليها حتى اتهمه البعض بأنه عدو للحضارة الغربية وأنه يتمنى زوالها وكان يرى أن طريق الخلاص بالنسبة للحضارة الغربية هو القيام بعملية تلاقح بين الحضارات الموجودة حاليًا وليس في نبذها والاكتفاء باتخاذ الحضارة الغربية القبلة الوحيدة للإنسانية وكان يقول بأن حركات التقليد للحضارة الغربية قدم أنموذجين لها الحركة الكمالية في تركيا وحركة محمد علي باشا في مصر تشبه تغيير الحصان في وسط تيار نهر عنيف، أي أن المصير هو أنك قبل أن تستوي على ظهر حصانك الجديد يكون التيار قد جرفك أي أنها عملية غير مأمونة من جانب، كما أنها حركة عقيمة أي غير إبداعية من جانب آخر والأمة المقلدة محكومة أن تبقى في ذيل قافلة الإنسانية. كما أشار إلى خطورة التقوقع على الذات فهو في رأيه يشبه التصدي للمدافع والطائرات بالرماح والسهام.. أي هي حركة محكوم عليها بالزوال.

إذن ما الحل؟

الحل هو الانفتاح على العالم بوعي دون الوقوع في أسر التقليد السهل والعقيم.. أي أن تأخذ... وتعطي... أن تختار ما تختاره عن وعي..... 

وأن تنبذ ما تنبذه عن وعي. 

هذا أنموذج للمفكر الواسع الأفق ... البعيد عن التعصب.

وهناك أيضًا أنموذج المفكر المسلم رجاء جارودي الذي تناول هذا الموضوع في كتابه حوار الحضارات.... حوار الحضارات وليس صراع أو صدام الحضارات.

وهناك أنموذج المفكر الذي يكتب حسب طلب بعض الجهات الاستخبارية والحكومية... ويقدم خدماته حسب ما يطلب منه .... كلام صامويل هنتنجتون عن صراع الحضارات كان الخلفية الفكرية للتخطيط الأمريكي في السياسة لما بعد الحرب الباردة والعالم القطب الواحد بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وكما هو معلوم فما يحدث الآن ليس إلا تطبيقًا لمخطط إستراتيجي وضع قبل عشرة أعوام تقريبًا. وكان لابد لهذا المخطط من أرضية فكرية وفلسفية يبدو وكأنه يستند إليها. وليس من المصادفات أن المسؤولين في حلف الأطلسي (الناتو) صرحوا عقب انهيار الاتحاد السوفييتي: «إن الخطر الأحمر قد زال ... أما الخطر الحالي فهو الخطر الأخضر».... أي الخطر الإسلامي مع أن العالم الإسلامي بوضعه المتخلف، والمنقسم، وبالمصائب الكبيرة التي يعيشها في مناطق عدة أبعد بكثير من أن يشكل خطرًا على الغرب كما أن الأكثرية الساحقة من الدول الإسلامية منضوية تحت الجناح الأمريكي. ولو أشار مسؤولو الناتو إلى الصين الشعبية كخطر متوقع لكان هذا أمرًا مفهومًا.

 ولكن الظاهر أن الغرب يرى في الإسلام أيديولوجية أخطر من الأيديولوجية الشيوعية التي هي في نهاية المطاف نتاج من نتاجات الفكر الغربي، ولا تشكل الأيديولوجية الشيوعية خلافًا مع الغرب إلا في الناحية الاقتصادية (وهذا الخلاف خف كثيرًا بعد التنازلات العديدة عن تطبيق الفكر الشيوعي في الصين في الساحة الاقتصادية في السنوات الأخيرة).

بينما يتميز الإسلام وفكره ونظرته للكون وللحياة والمجتمع والأسرة بخطوط أعمق وأكثر أصالة وأكثر قدرة على الدوام والاستمرارية وهو لكونه دينًا – وليس مبدأ أو فلسفة وضعية كغيرها من المبادئ والفلسفات، فمن الصعب محاربته أو محاولة اقتلاعه من ضمائر الناس الذين يدينون به لذا فلا يمكن التصدي له بصراحة بل تحت أسماء أخرى مثل محاربة الإرهاب أو محاربة الأصولية.

وبينما يقدم مفكرون من أمثال هنتنجتون وفوكوياما الحضارة الغربية كحضارة وحيدة يجب أن تسود العالم دون منافس، أو هي الحضارة التي انتهى بها التاريخ، فلا حضارة حقيقية بعدها ولا حضارة بديلة لها، نرى أن هناك مفكرين وسياسيين آخرين يرون أن هذه الحضارة في طريق الإفلاس والاندثار.

نحن لا تتحدث عن مفكرين سابقين أمثال شبنجلر الذي تنبأ باندثار الحضارة الغربية في كتابه المعروف «أفُول الغرب»، ولا عن «أرنولد توينبي» الذي بسطنا بعض آرائه أعلاه، بل تتحدث عن مفكرين وسياسيين معاصرين منهم السياسي الأمريكي المعروف باتريك جي بوكانان Patrie J. Buchanan الذي سنتناول في العدد المقبل إن شاء الله آراءه التي بسطها في كتابه الأخير «موت الغرب» Death of the West.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 22

119

الثلاثاء 11-أغسطس-1970

الصورة العربية عند الغرب

نشر في العدد 31

125

الثلاثاء 13-أكتوبر-1970

المساواة المطلقة مفهوم خاطئ

نشر في العدد 31

123

الثلاثاء 13-أكتوبر-1970

حضارة أم جاهلية؟