العنوان محطات في تقرير التنمية «البشرية» لعام ٢٠٠٠م
الكاتب عبدالكريم حمودى
تاريخ النشر الثلاثاء 18-يوليو-2000
مشاهدات 60
نشر في العدد 1409
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 18-يوليو-2000
الفقر ما زال أكبر تحد يواجه البشر.. والهوة لا تزال تزداد اتساعًا بين الأغنياء والفقراء
١,٢ مليار نسمة يعيشون على أقل من دولار يوميًّا و ٢,٤ مليار يفتقدون خدمة الصرف الصحي
كل عام يجري الاتجار بـ ۱٫۲ مليون امرأة وفتاة تحت سن ١٨ سنة لأغراض البغاء العالمي
حظي تقرير التنمية البشرية لعام ۲۰۰۰م، الذي صدر مؤخرًا باهتمام كبير لربطه لأول مرة بين التنمية البشرية كمقياس لتوسيع خيارات الناس وتمتعهم بحياة أفضل من خلال ثلاثة معايير هي: العمر المتوقع عند الولادة، ومعرفة القراءة والكتابة بين البالغين، ونصيب الفرد من الناتج الإجمالي لكل دولة، وبين حقوق الإنسان، واعتبار هذه الحقوق محورًا أساسيًّا لتقرير هذا العام، راصدًا التطورات والتوجهات المتعلقة بحقوق الإنسان في ١٧٤ بلدًا صناعيًّا وناميًّا.
في هذا السياق يقول التقرير: إن النقاش الجدي حول حقوق الإنسان وعلاقتها بالتنمية كان في أحيان كثيرة عرضة للتشويش بفعل الخطابة السياسية البليغة في سنوات الحرب الباردة، فقد كانت الحقوق المدنية والسياسية من جهة، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية من جهة أخرى، تعتبر رؤى متنافسة، بدل أن ينظر إليها على أنها هموم يكمل الواحد منها الآخر، ومع نهاية الحرب الباردة تغير هذا الوضع وبطبيعة الحال، تبين أن النتائج كانت جيدة في العديد من أرجاء العالم.
يؤكد التقرير أهمية الترابط بين التنمية البشرية وحقوق الإنسان، ويستشهد بقول ماري روبنسون -المفوضة العليا في الأمم المتحدة لحقوق الإنسان- التي تقول: «إن حقوق الإنسان غير قابلة للتجزئة، ولا يمكن أن نكون انتقائيين، لأن هذه الحقوق متشابكة ويعتمد بعضها على بعض، فالتحرر من الخوف والعوز يرتبط بحرية التعبير والمعتقد، والحق في التعليم يرتبط بالصحة، كما أن هناك علاقة واضحة ما بين معرفة الأم القراءة والكتابة وصحة أطفالها».
ويكتسب تقرير التنمية البشرية الذي يصدره برنامج الأمم المتحدة الإنمائي للسنة الحادية عشرة على التوالي -«صدر التقرير الأول منه عام ۱۹۹۰م» أهمية كبيرة بسبب كثافة المعلومات التي يوفرها عن بلدان العالم، فالبرنامج يمتلك شبكة مكونة من ١٢٣ مكتبًا قطريًّا، وبرامج تتناول ما يناهز ١٧٤ بلدًا وإقليمًا، ويركز ٩٠٪ من البرامج الأساسية على ٦٦ بلدًا يعيش فيها ٩٠٪ من أشد سكان العالم فقرًا.
ويسلط التقرير الأضواء على البعد الإنساني للتنمية البشرية والترابط بين البعد الاقتصادي والتقدم البشري، ويرتب ١٧٤ من دول العالم المتقدم والنامي وفق «دليل التنمية البشرية».
إيجابيات.. وسلبيات
ومن خلال قراءة أولية للتقرير ومراجعة دليل التنمية لهذا العام، وبمقارنته بالعام الماضي يمكن أن نسجل النقاط الإيجابية والسلبية سواء على صعيد التنمية البشرية، أو على صعيد حقوق الإنسان، كما يلي:
سدس البشرية فقط يتمتعون بمستوى تنمية بشرية عالية، ويقطن هؤلاء في ٤٦ بلدًا، يمثلون الدول الصناعية والغنية.
استمرار اتساع الهوة بين الفقراء والأغنياء في العالم، وتهميش البلدان الفقيرة، فقد زادت خلال القرن الماضي التفاوتات العالمية في الدخل بمقادير تجاوزت أي شيء شهدناه من قبل، فالبون بين دخل أغنى بلد وأفقر بلد كان نحو 3 إلى 1 في عام ۱۸۲۰م، و ٣٥ إلى ١ في عام ١٩٥٠م، و ٤٤ إلى 1 في عام ١٩٧٣م، و ۷۲ إلى ١ في عام ١٩٩٢م.
وفي هذا السياق ذكر التقرير أنه في عام ۱۹۹۹م بلغ مجموع ثروة أغنى ۲۰۰ شخص في ۱۰۰۰ مليار دولار «تريليون دولار»، بينما العالم يبلغ مجموع دخل ٥٨٢ مليون شخص يعيشون في أقل البلدان نموًّا ومجموعها ٤٣ بلدًا ١٤٦ مليار دولار.
انحسار النظم الاستعمارية والدكتاتورية لصالح النظم الديمقراطية، ففي عام ١٩٠٠م، كان أكثر من نصف سكان العالم يعيشون تحت الحكم الاستعماري، ولم يكن أي بلد قد منح جميع مواطنيه حقوق التصويت أما الآن فزهاء ثلاثة أرباع سكان العالم يعيشون في ظل نظم ديمقراطية.
احترام حقوق الإنسان سجل تقدمًا كبيرًا منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، وتمثل ذلك في التوقيع على مجموعة من المعاهدات والمواثيق الدولية ففي عام ١٩٤٥م، صدر ميثاق الأمم المتحدة، وأعقبه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام ١٩٤٨م، وفي عام ۱۹۷۹م تم التوقيع على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، وبعد 10 سنوات ووفق على اتفاقية حقوق الطفل، وفي عام ١٩٨٦م اعتمد إعلان الحق في التنمية، وأعلنت التزامات أخرى في المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان الذي عقد في فيينا عام ۱۹۹۳م، وفي عام ١٩٩٨م تم إقرار نظام روما لإنشاء المحكمة الجنائية الدولية.
حقق العالم تقدمًا في مجال مكافحة الفقر، ففي الصين مثلًا انخفض فقر الدخل من 33% في ١٩٧٨م إلى 7% في عام ١٩٩٤م، لكن لا يزال الفقر أحد أهم التحديات التي تواجه البشرية، فعلى نطاق العالم يعاني ١.٢ مليار نسمة من فقر الدخل، إذ يعيشون على أقل من دولار واحد يوميًّا.
حقق العالم أيضًا تقدمًا كبيرًا في المجال الصحي، فخلال الفترة ما بين ۱۹۸۰م - ۱۹۹۹م انخفض سوء التغذية فقد انخفضت نسبة الأطفال ناقصي الوزن في البلدان النامية من ٣٧% إلى ۲۷%، وانخفضت نسبة الأطفال المتقزمين من ٤٧% إلى 33% وخلال الفترة من ۱۹۷۰م إلى ۱۹۹۸م زادت النسبة المئوية لمن يحصلون على مياه مأمونة في المناطق الريفية من العالم النامي أكثر من أربع مرات، إذ ارتفعت من ١٣% إلى ۷۱%.
إلا أن هناك تحديات كبيرة في هذا المجال تنتظر بذل المزيد من الجهود للتغلب عليها، فلا يزال أكثر من مليار نسمة في البلدان النامية يفتقرون إلى الحصول على مياه صحية مأمونة، بينما يفتقر ٢,٤ مليار نسمة إلى صرف صحي لائق. كما أنه ومع نهاية القرن كان هناك زهاء ٢٤ مليون نسمة قد أصيبوا بفيروس نقص المناعة المكتسبة «الإيدز» كل عام زهاء ١٨ مليون نسمة نتيجة للإصابة بأمراض تنتقل بالعدوى.
التعليم: في مجال التعليم، يقول التقرير: إن معدل القراءة والكتابة بين البالغين زاد بمقدار من ٤٨% عام ١٩٧٠م إلى ٧٢% في عام ۱۹۹۸م، وزادت نسبة القيد الصافية في المرحلتين الابتدائية والثانوية معًا من ٥٠٪ من ١١٠ لكل ۱۰۰۰ مولود في عام ١٩٧٠م إلى ٧٢ في عام ۱۹۹۸م، إلا أنه لا يزال هناك زهاء ٩٠ مليون طفل غير ملتحقين بالمدارس وزهاء ٣٠٠ ألف طفل كانوا جنودًا في التسعينيات، كما أصيب ستة ملايين طفل في صراعات مسلحة.
ويشير التقرير إلى أن هناك أكثر من ۱۰۰ مليون طفل يعيشون أو يعملون في الشوارع، وفي البلدان النامية يوجد نحو ٢٥٠ مليون طفل يعملون، منهم ١٤٠ مليونًا من البنين و ۱۱۰ ملايين من البنات.
العمر: يقول التقرير: إن العمر المتوقع في البلدان النامية زاد في أثناء العقود الثلاثة الماضية بمقدار 10 أعوام - من ٥٥ عامًا في سنة ١٩٧٠م إلى ٦٥ عامًا في سنة ١٩٩٨م - وانخفض معدل وفيات الرضع بأكثر من ٥٠ من ۱۱۰ لكل ۱۰۰۰ مولود حي في عام ١٩٧٠م إلى ٦٤ مولودًا في عام 1998م.
المرأة : لا تزال المرأة -على الصعيد العالمي- عرضة للعنف، فمن بين ثلاث نساء تعرضت امرأة واحدة تقريبًا في المتوسط للعنف في إطار ما سماه التقرير «علاقات حميمة».
وعلى نطاق العالم يجري الاتجار كل عام نحو ١.٢ مليون امرأة وفتاة تحت سن ١٨ لأغراض البغاء.
الصراعات: انخفاض عدد الصراعات المسلحة الكبرى وجميعها تقريبًا صراعات داخلية من ٥٥ صراعًا في عام ١٩٩٢م إلى ٣٢ صراعًا في عام ۱۹۹۸م. ويقدر أن خمسة ملايين نسمة لقوا حتفهم في صراعات داخل الدول في التسعينيات وفي عام ١٩٩٨م كان هناك أكثر من ١٠ ملايين لاجئ و5 ملايين شخص مشردين داخليًّا، وعدد الوفيات وحالات التشريد وحدها تهون كثيرًا من انتهاكات حقوق الإنسان في هذه الصراعات التي اتسمت بعمليات اغتصاب وتعذيب على نطاق واسع.
مفارقات
أورد التقرير عددًا من المفارقات منها:
1- الولايات المتحدة التي تأتي في المرتبة الثانية في دليل التنمية البشرية، ولديها ثاني أعلى نصيب للفرد من الدخل بين ١٨ من أغنى البلدان التي حدد ترتيبها في دليل الفقر البشري الوارد في التقرير، لديها أعلى معدل للفقر في تلك المجموعة، تليها إيرلندا والمملكة المتحدة، والسبب الرئيس لذلك هو شيوع الأمية الوظيفية التي يبلغ معدلها شخصًا واحدًا تقريبًا بين كل خمسة أشخاص.
2- كندا تحتل المرتبة الأولى على الصعيد العالمي، ولم تغير سياستها بشأن حقوق الإنسان، فقد أورد التقرير أن حكومة مقاطعة أنتيريو أبلغت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أنها لن تغير سياستها المتمثلة في تقديم التمويل الكامل لمدارس الكاثوليك الدينية، وعدم تقديم تمويل لأي جماعات دينية أخرى.
3- اليابان تراجع مركزها من المرتبة الرابعة عام ۱۹۹۹م إلى المرتبة التاسعة هذا العام ونصيب الفرد فيها يبلغ ثلاثة أضعاف نصيب الفرد في كوستاريكا على سبيل المثال التي تتمتع بتنمية بشرية متوسطة.
العالم العربي : تناول تقرير التنمية البشرية عشرين دولة عربية بالدراسة بينما استبعد الصومال وفلسطين، ومن خلال دراسة مواقع هذه الدول في دليل التنمية البشرية ومقارنتها بالعام الماضي، يمكن تسجيل بعض الملاحظات في ضوء القضايا التي تعرض لها التقرير، ومنها:
أولًا: «هناك تفاوت كبير بين مواقع الدول العربية في دليل التنمية البشرية، فالفرق بين أول دولة عربية وهي الكويت ومرتبتها (٣٦) واليمن ومرتبتها ۱٤٨ يبلغ ۱۱۲ مرتبة وهو فرق هائل ضمن المجموعة العربية.
ثانيًا: عدد من الدول العربية سجل تراجعًا في مواقعه، فمن أصل ٢٠ دولة دخلت في دليل التنمية البشرية، شهدت ۸ دول هبوطًا في مركزه لهذا العام عن العام ۱۹۹۹م. وهذه الدول هي: لبنان ١٣ ، ليبيا 7، البحرين ٤ الإمارات العربية المتحدة 2، الكويت وقطر والعراق والسودان 1 وبقيت سورية واليمن في مرتبتهما وهما على الترتيب.١١١، ١٤٨.
ثالثًا: هناك تسع دول عربية سجلت تحسن في الدليل، ولعل من المفارقات أن أكثر دولة سجلت تقدمًا هي جيبوتي وبثمانية مراتب كما تقدمت المملكة العربية السعودية وعمان، ثم الأردن والجزائر والمغرب وموريتانيا، وتونس ومصر.
رابعًا: توزعت الدول العربية على المجموعات الثلاث الأولى: تنمية بشرية عالية وضعت أربع دول عربية هي: الكويت والبحرين وقطر والإمارات العربية المتحدة، والثانية تنمية بشرية متوسطة دولة عربية والثالثة: تنمية بشرية منخفضة، وضمت أربع دول عربية وهي: السودان موريتانيا، اليمن، جيبوتي.
خامسًا: بطء التحرك نحو الديمقراطية في الوطن العربي، يقول التقرير: إن العالم شهد خلال العقدين الماضيين طفرات من التقدم مع التحول إلى نظم ديمقراطية تتسم بالتعددية الحزبية، إذ إن أكثر من ۱۰۰ بلد وضع نهاية لديه لحكم الدكتاتوريات العسكرية أو الأحزاب الوحيدة، أما في الوطن العربي فما زال الوضع «محلك سر».
سادسًا: تُثبت الأرقام المتعلقة بالتنمية البشرية تخلف الدول العربية بشكل كبير، فعلى صعيد التعليم فهناك 4 ملايين طفل لا يتلقون التعليم الابتدائي، وهناك أكثر من ٦٠ مليون مواطن أمي.
أما على صعيد دخل الفرد، فما زال منخفضًا قياسًا بالدول المماثلة، حيث يعيش أكثر من ٧٣ مليون عربي تحت خط الفقر، وهناك ١٥ مليون عاطل عن العمل، وهناك ١٠ ملايين لا يحصلون على طعام كاف.
سابعًا: ضعف مؤسسات المجتمع المدني، وعدم وجود وسائط إعلامية حرة فوسائط الإعلام في معظم الدول العربية لا تزال تسيطر عليها الدولة على الرغم من أن ٥% من البلدان على مستوى العالم فقط تسيطر الدول على وسائل الإعلام فيها!.
ثامنًا: أما على صعيد انتهاكات حقوق الإنسان، وهو محور تقرير التنمية البشرية لهذا العام، فهناك الكثير من الانتهاكات التي تتناولها تقارير منظمات وحقوق الإنسان.
مبادرات
ويهدف الاستمرار بتطوير التنمية البشرية على الصعيد العالمي، وتعزيز حقوق الإنسان، اقترح التقرير بعض المبادرات التي يمكن أن تساعد على تحقيق الأهداف السابقة ومنها:
تحقيق ضمان التعليم الابتدائي الإلزامي في الدساتير بحلول عام ٢٠١٠م.
تحقيق ميثاق ۲۰ : ۲۰ فيما يتعلق بجميع أقل البلدان نموًّا بحلول سنة ٢٠١٠م.
الشروع في حملة عالمية لتحقيق التصديق العالمي على الاتفاقيات الأساسية المتعلقة بحقوق الإنسان.
ممارسة الضغط على جميع الشركات المدرجة في قائمة «500 Fortune» لكي تعترف بحقوق الإنسان ومعايير العمل الأساسية وتدعمها، ولكي تضم قواها دعمًا للميثاق العالمي الذي دعا إليه الأمين العام للأمم المتحدة.
إنشاء لجنة عالمية معنية بحقوق الإنسان تكون لها ولاية استعراض المقترحات الداعية إلى تعزيز الآلية الدولية لحقوق الإنسان وضمان حقوق الإنسان في الاتفاقيات الاقتصادية العالمية، وتأمين وجود نظام اقتصادي عالمي عادل.
ما يمكن قوله في ختام هذا الاستعراض الموجز: إن تقرير التنمية البشرية يؤكد استمرار التقدم العالمي في هذا المجال، كما أنه أقدم على خطوة كبيرة -هذا العام- بربط التنمية البشرية بحقوق الإنسان، وطالب بوضع آليات إضافية لضمان احترام هذه الحقوق إلا أن التقرير لم يشر إلى الدور الذي تؤديه الدول المتقدمة في إعاقة التنمية بالبلدان النامية من خلال الاستنزاف الكبير الذي تتسبب به أزمة المديونية الضخمة التي تزيد على ۲۰۰۰ مليار دولار «تريليوني دولار»، فيما تبلغ فوائدها السنوية أكثر من مائتي مليار دولار، علاوة على دعم هذه الدول للكثير من الأنظمة المستبدة وأخيرًا لم يتعرض التقرير لتأثيرات العولمة السلبية على الدول النامية سواء على حقوق الإنسان، أو التنمية البشرية.
(*) خدمة وكالة قدس برس.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل