; شبابنا يطلب عروسة «تفصيل».. فأين تذهب ذات الدين؟ السمراوات.. وشبح العنوسة! | مجلة المجتمع

العنوان شبابنا يطلب عروسة «تفصيل».. فأين تذهب ذات الدين؟ السمراوات.. وشبح العنوسة!

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 21-أكتوبر-1997

مشاهدات 73

نشر في العدد 1272

نشر في الصفحة 60

الثلاثاء 21-أكتوبر-1997

  • الجمال والقبح يتساويان بالمعايشة.. فمع مرور الوقت يزول الانبهار بالشكل.
  • طالب الجمال يضحك على نفسه ويتحجج برغبته في اتقاء الفتنة.

تحقيق: إيمان محمود
         نهاد الكيلاني

حين فكر في الزواج.. ارتسمت. في ذهنه صورة معينة للعروس.. أرادها بيضاء.. شقراء الشعر.. ملونة العينين.. أي جميلة بكل مقاييس الحُسن الغربي المستورد.. وحينما سئل عن شروطه الأخرى في زوجة المستقبل ذكر -عرضًا- التدين والخلق الكريم.

هذه حالة الشاب المسلم عندما فكر في الزواج.. تتكرر كثيرًا لتكشف خللًا عميقًا في رؤية شبابنا الملتزم لأسلوب اختيار الزوجة، وتؤكد أن عنصر الجمال احتل موقع السيادة، وصار شرطًا أساسيًّا للإقدام على الزواج، مما يعني تهديد غير الجميلات بالعنوسة حتى لو كن فضليات، ويعرفن حقوق الله ثم الزوج، ولديهن استعداد فطري لإسعاد شركائهن في الحياة، فالسمراء فاحمة الشعر.. سوداء العينين.. صارت خارج حدود اختيار شبابنا لزوجاتهم، وأصبحت المقاييس الغربية طاغية في الاختيار.. وأصبح الإقبال على الملامح المستوردة.

وهذه ظاهرة لا بد من رفضها والدعوة لتصحيحها من أجل تكريس الرؤية الدينية في اختيار الزوجة، وهذا التحقيق يلقي الضوء على الجوانب المختلفة لهذه الظاهرة.

شرط ثابت

هناء عبد السلام: تدخلت في أكثر من موضوع زواج بحكم دائرة علاقاتي الاجتماعية، وكلما طلب مني أن أرشح عروسة لأحد الخطاب «المتدينين» أجد شرطًا واحدًا ثابتًا وهو أن تكون العروسة «بيضاء»، ويا حبذا لو كانت ذات عيون خضراء وشعر أصفر، وبهذا تجد كل أخت ملتزمة وذات دين، ولكنها سمراء أو قليلة الجمال، تجد صعوبة في إيجاد الزوج المناسب لها، إنها مشكلة تستحق البحث!

محمود عاطف- كيميائي: عندما بدأت أبحث عن عروس لم أشترط أن تكون بيضاء أو حمراء، ولكني بحثت عن الخلق والدين والحمد لله وفقني الله وتقدمت العروس أراها جميلة رغم أنها سمراء، ولا أرى في هذا مشكلة، فقد قال لي كثيرون إن العروس طيبة.

محمد توفيق- مدرس: يشترط في شريكة حياته التي سوف يرتبط بها -إلى جانب التدين والخلق الحسن والنسب الأصيل- أن تكون على قدر كبير من الجمال، رغم أنه قليل الإمكانات، فالجمال من وجهة نظره أن تكون ذات أوصاف معينة للشعر والعينين والجسم ولون البشرة، وحجته في ذلك أنه يتسم بالوسامة واللون الأبيض المشرب بحمرة، وبالتالي لا بد أن تفوقه شريكة حياته في هذه المواصفات، فليس لائقًا أن يكون الزوج أجمل من امرأته.

فاتن علي- جامعية: متدينة وتحافظ على حدود الله وذات نسب وحسب وإمكانيات، إلا أنها سمراء اللون، وبالتالي تشكو من عدم تقدم الخطاب لها، مما يجعلها تعتقد أن قطار الزواج قد يفوتها ونعمة الأمومة قد لا تتحقق لها، وتتساءل بمرارة ما ذنبها في هذا الأمر؟

أشرف محمد ـ مذيع: مرت عدة أعوام على تفكيره في الزواج والارتباط بعروس لها مواصفات تمثل القمة في كل شيء، قمة في التدين والجمال و.... والجمال كما يراه أن تكون ذات مستوى ثقافي عال، واعتبارات شكلية تتجاوز الوصف والخيال، ومبرره في ذلك أنه يعمل في وسط مليء بالفتن ويود أن يحصن نفسه ضدها، كما أنه يحتج بأن الدين لا يحرم ذلك، فليس حرامًا أن ينشد الزوج قيمة الجمال في شريكة حياته.

ترى د. عزة كريم- الخبيرة بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائيةـ أن المجتمع ينقسم إلى شرائح شبابية: الأولى ويمثلها السواد الأعظم من الشباب، وهؤلاء لديهم إمكانات مادية منخفضة، وبشكل عام يصعب على أفراد هذه الشريحة الزواج أو قد يؤمنون بسياسة الواقع ويختارون أي فتاة، أما شباب الشريحة الأخرى فهؤلاء يتمتعون بإمكانات مادية مرتفعة، وفي مقابل هذه الميزة يحاولون الحصول على قيمة أكبر وهي الجمال، وهناك بعد آخر مهم في هذه المسألة، وهو اختفاء زواج المعرفة، ونظرًا لاعتبارات كثيرة يضطر الشباب إلى الارتباط بفتاة قد لا يعرف عنها شيئًا من أخلاق أو سلوكيات أو طبائع، وبالتالي ينشد الكمال في الشيء الوحيد الظاهر وهو الشكل.

ترد د. عزة قائلة: هذه المسالة نسبية، لأنه إذا توافق الجمال الشكلي مع الروحي والأخلاقي فهنا ستكون السعادة الزوجية في ذروتها، أما إذا توقفت المسألة عند حد الجمال الشكلي فهذا يعني أن الأسس السليمة للسعادة الزوجية غير موجودة، وبالتالي فإن العلاقة تكون مكدرة، يضاف إلى ذلك أن الجمال في حد ذاته قد يكون مصدرًا للمشاكل الزوجية، إما بسبب غيرة الزوج على زوجته، أو بسبب إعجاب المرأة بنفسها وجمالها، الأمر الذي يصل إلى حد الغرور، فينجم عن ذلك الكثير من المشاكل ويفشل الزواج.

عقدة الخواجة:

وتصف الدكتورة عزة الزواج ذا الشروط الشكلية بأنه أصبح مثل البيع والشراء، فمن يملك أكثر يغالي في المواصفات الجمالية لشريكة حياته، ومن تملك مواصفات جمالية عالية تكثر مطالبها. 

وتشير إلى تأثر بعض الشعوب بعقدة الخواجة، حيث ينظر إلى الأجانب على أنهم الأجمل والأفضل، ومن ثم لا بد من الاقتداء بهم في مجال اختيار الزوجة، الأمر الذي يبعدنا عن تحري المواصفات الحقيقية للزوج، كما أن الأسرة نفسها قد تسهم في نشر هذه الظاهرة، فيكثر تفضيل البنات الجميلات على شقيقاتهن المقبولات أو متواضعات الجمال.

الإعلام يكرس مفهومًا معينًا للجمال، هذا ما يؤكده الدكتور سليمان صالح -المدرس بكلية الإعلام جامعة القاهرة- قائلًا: إن الإعلام للأسف يقوم بدور سلبي في المجتمع، فهو يفرض نمط الحياة الغربية، ويروج لصورة الشخص الأبيض عمومًا، وتتجه الأفلام والبرامج إلى تصوير المرأة البيضاء ذات الشعر الأصفر بأنها المرأة الجميلة، وفي حقيقة الأمر هذا المنظور غير إنساني وغير حضاري، لأنه منظور مادي يسلط الضوء على جزئية صغيرة في الإنسان وهي الشكل ويترك أهم ما فيه كالأخلاق والتدين.

وترجع هذه النظرة الغربية إلى الحضارة الإغريقية التي كانت تعبد الجسد وتقدسه، وتجعل المتعة الحسية غاية الحياة، وتمجد فينوس آلهة الجمال «في زعمهم»، فهذه النظرة مأخوذة من التراث اليوناني، الذي قامت عليه الحضارة الأوروبية. 

أما في الحضارة العربية الإسلامية، فالمقاييس مختلفة تمامًا عن المقاييس الغربية، فقد نظم الشعراء العرب الكثير من القصائد التي تتحدث عن العيون السمراء، وسمرة الشفاه، وسواد الشعر، وكانت هذه هي مقاييس الشكل إلى جانب إعلاء قيمة الحياء والعفاف والأصل العريق، كصفات أساسية في المرأة. 

وفي الإسلام النظرة ليست عبادة للجسد على غرار النموذج الغربي، بل الجسد مجرد صورة للإنسان والمضمون هو الأساس، فإذا كان داخل هذا الجسد إنسان له القدرة على الشفافية والعطاء والسمو - تكتمل الصورة، أما إذا كان غير ذلك فلا يغني المظهر عن الجوهر. 

ولهذا لا بد للإعلام أن يعيد توضيح الصورة، فكل أمة لها ذوق.. إحساس عام يشكل لها رؤيتها للأشياء الجميلة والقبيحة، ويلعب الإعلام دورًا مهما في تأكيد أو تغيير هذه الصورة، ولذلك لا بد للإعلام أن يقدم النموذج المناسب للمرأة الجميلة حتى لا نفقد أنفسنا وثقافتنا، وأن يكون التعامل مع الإنسان على أنه مادة وروح لا مادة فقط.

والنساء اللاتي قيل فيهن أكبر قدر من شعر الغزل «ليلى العامرية، عزة، بثينة»، لو كن بيننا الآن لدخلن في عداد القبيحات، لأن المقياس لم يكن الجمال «بالمفهوم الغربي» وحده.

ضد التنمية:

يضيف الدكتور سليمان صالح: على سبيل المثال: إحدى الدول العربية أنفقت في عام واحد ٨ مليارات دولار على أدوات الزينة، ماذا لو تم تحويل المبلغ لبناء مدن جديدة أو استصلاح أراض أو مشاريع جديدة، ألا يساعد ذلك في عملية التنمية؟ ولذلك أقول لكل من يبحث عن زوجة: البحث عن الجمال شيء مشروع تمامًا.. ولكن ليس الجمال بالمعنى الغربي، ولكن بالمفهوم الحضاري الأصيل.

والجمال ليس شيئًا مجردًا، فالجسد ما هو إلا حامل للروح، ولا بد أن تحمل الصورة الجميلة أشياء جميلة، ولا يغني الجمال عن الصفات الأساسية مثل الصدق والقدرة على التعبير وعلى العطاء والخلق الكريم، فالإنسان لا يعيش مع صنم جميل، وكما قال برناردو شو: أسوأ أنواع التعذيب أن يعيش الإنسان مع امرأة جميلة وباردة في الوقت نفسه. 

ويرى الدكتور محمد سمير فرج -أستاذ علم النفس والمتخصص في دراسة وتحليل الشخصية المصرية- أن الجمال مسألة شخصية، فكل إنسان يرى الجمال من وجهة نظره الخاصة، وأحد أعمدة نجاح الزواج هو أن يرى الزوج زوجته جميلة من وجهة نظره هو والبعض بالفعل يختار زوجته دميمة ويفضلها على غيرها، لأنه يراها بعينه هو جميلة.

ويضيف: إن من يريد أن يبحث عن زوجة فلا بد أن يبحث عن كل عناصر الصورة، فالشكل الطيب يتكامل مع غيره ولا يغني وحده، لأن الزواج غير العلاقة العابرة فله تبعاته ومسؤولياته.

فلا بد من الاختيار على أساس سليم ونظرة كلية لا تهتم بالجزء على حساب الكل، يختار الزوج شخصية متوافقة مع نفسها أولًا ثم مع الشريك القادم ثم مع المجتمع ككل.

وكذلك لا بد من اختيار شخصية ذات طباع طيبة، تحسن العطاء للشريك، وتتقن أداء واجباتها في الشركة المقدسة التي تسمى الحياة الزوجية. 

وحول الرؤية الشرعية لهذه الظاهرة تقول د. زينب رضوان -وكيل كلية الدراسات العربية والإسلامية بجامعة القاهرة- إن الحديث الشريف الذي يقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: «تنكح المرأة لأربع: لمالها وجمالها وحسبها ودينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك»، يجلي لنا الصفات الأساسية التي من أجلها تنكح المرأة، والملاحظ أن البعد الجمالي في الحديث ليس هو بعد الترجيح، ولكن البعد الديني هو الأساس وإلا التصقت يد المسلم بالتراب افتقارًا وخيبة.

وكذلك بالنسبة للزوج، يجب أن يكون على مستوى من التدين الذي يجعله يعمل بأحكام دينه وشرائعه، ومن ثم يختار شريكته وفق المنهج الإسلامي، لأنه إذا اختار شريكة حياته على أساس المال والجمال فقط خالف هدي النبي صلى الله عليه وسلم.

إن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً(الروم: 21)،  فالهدف من الزواج هو السكينة، وهذا لن يتحقق إلا من خلال الدين.

والإسلام لا ينظر إلى الجمال من خلال الشكل والمظهر فقط، ولكن من خلال جمال السلوك والمعاملة، فجمهور العلماء يقولون: إن الجمال والقبح يتساويان بالمعاشرة: لأن الانبهار بالجمال يزول مع مرور الوقت، وتبقى المعاملة الحسنة هي المعيار الحقيقي الذي يجلب السعادة، وبدونه لا تصبح للحياة قيمة ولا معنى، فالجمال هنا هو جمال السلوك، والجمال المادي والجسماني زائل فقوله تعالى ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً هي النتيجة الحقيقية للزواج السليم المبني على أساس الدين، ومرتبة المودة والرحمة هي مرتبة أعلى من الحب، وهذا ما يجعلنا نرى الأزواج حينما يتقدم بهم العمر في صورة جميلة، تعكس مدى الوفاق والألفة والمحبة بينهم، فعندما يتقدم العمر بالإنسان يصبح ميراثه الوحيد هو الحنان والحب. 

وردًا على مقولة من يدعي أنه يرغب في الجمال ليحصن نفسه من الفتن، تقول د. زينب إن الذي يسعى وراء الجمال سيجد نفسه منساقًا دائمًا إلى البحث عن الأجمل، وقد لا يوفق في العثور على من يريد، والهدف من الزواج ليس المتعة الحسية فقط، بدليل أن الإسلام لعن الرجل الذي يكثر من الزواج للمتعة، حيث ورد في الأثر: «.. لعن الله الذواقين والذواقات..» يقصد هنا الذين يسعون للزواج من أجل المتعة الحسية فقط، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على البحث عن الجمال فقط، وفي الأثر: «إياكم وخضراء الدمن فقالوا: وما خضراء الدمن يا رسول الله؟ قال: المرأة الجميلة في المنبت السوء».

فالذي يرى الجمال درءًا للفتن يخدع نفسه، فالإسلام أمر بغض البصر وأمر المرأة أيضًا بالاحتشام في الملبس، إذا خرجت من البيت، والاحتشام يجب أن يكون في المظهر والمخبر حتى لا يطمع الذي في قلبه مرض، والإسلام نسيج متكامل لا تستطيع فصل جزء منه، وقد عالج جميع المشكلات التي قد تعرض المسلم أو المسلمة للفتن، وأخيرًا عن العلاج لجميع العلل، فعلى كل شاب وشابة الالتزام بما أمر الله وليضعوا الإسلام نصب أعينهم، فتنشأ الأسرة المسلمة على طاعة الله، ولا تخشى الفتاة المسلمة من أي شيء، فالله بيده الخير وزواجها قدر يعلمه الله ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ (النور: 26).

فالنعمة الكبرى والدائمة هي المرأة الفاضلة.. الصالحة.. القانتة لا يزول جمالها الخلقي، بل ينمو يومًا بعد يوم، لأنه مستمد من الله ويصب في إطار طاعته، ثم إسعاد خلية اجتماعية صغيرة تنشد منها الإسهام في تكوين مجتمع مسلم.. مسلم حقًا، لا مجرد مجتمع مبهور تدير نساؤه الجميلات رؤوس رجاله. 

البحث عن الزوجة الجميلة حق يُراد به باطل.. فلنحدد المفاهيم وليغير شبابنا قائمة المواصفات التقليدية لعروس المستقبل.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل