العنوان قوس الأزمة واحتواء البديل الحضاري
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 23-مارس-1999
مشاهدات 73
نشر في العدد 1343
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 23-مارس-1999
«قوس الأزمة» مشروع خطير، تظاهر على صياغته عام ۱۹۸۲م خبراء استراتيجيون أمريكان وصهاينة، يهدف إلى تقسيم العالم الإسلامي إلى كانتونات عرقية وطائفية، على أن يتم تنفيذ بنوده بين عامي ٢٠١٠- ٢٠١٥م، وقوس الأزمة هذا يبدأ وفق صياغة صناعه من باكستان، ومرورًا بإيران والعراق، وتركيا، وسورية، ولبنان، ومصر، والسودان، لينتهي عند شمال إفريقيا، تقسم بموجبه كل من باكستان إلى دولتين هما: السند والبنجاب، وأفغانستان إلى خمسة كانتونات موزعة على أعراقها ومذاهبها، ومثلها إيران، فيما يقسم العراق إلى ثلاث دول: كردية في الشمال، وسنية في الوسط، وشيعية في الجنوب.
كما تقسم تركيا إلى دولتين: كردية وتركية، وسورية إلى سنية وأخرى علوية، ولبنان إلى ثلاث دول: سنية وشيعية، ومارونية، ومصر إلى قبطية وعربية، والسودان إلى مسلمة في الشمال، ومسيحية في الجنوب، والجزائر إلى بربرية وأخرى عربية، وهو ما سبق أن صرح به وزیر الخارجية الأمريكي الأسبق وارن كريستوفر لدى تسلمه مهام منصبه حينما قال: «سوف نطالب كل جماعة عرقية بالاستقلال، حتى تكون هناك خمسة آلاف دولة بدلًا من مائتين».
ولم يكن مشروع «قوس الأزمة» وليد ساعته، وإنما هو آخر هرطقة تنظيرية تأمرية للفكر الغربي الذي يتبنى تقسيم عالمنا الإسلامي منذ زمان تعود بداياته إلى عام ۱۹۰۷م، حيث صدرت آنذاك وثيقة كامبل- رئيس وزراء بريطانيا يومئذ- والتي أشارت إلى أن للغرب سيادة على العالم، وان دورة حياة الإمبراطوريات عادة ما تبلغ قمة المجد، ثم تبدأ بالانحدار لتحل محلها إمبراطورية أخرى، فكيف يمكن ألا تلقى الحضارة الغربية مثل هذا المصير؟
الجدير بالذكر هنا أن وثيقة كامبل هذه قد تجددت مؤخرًا بالأفكار نفسها على يد فرانسيس فوكاياما ونظريته التي تضمنها كتابه الشهير «نهاية التاريخ»، والذي يرى فيه أن الحضارة الغربية التي بلغت القمة في الرقي آيلة للزوال، ولذلك تتجه الأنظار إلى البديل الحضاري الجديد، وتشير كل الدلائل على أن الحضارة الإسلامية هي ذلك البديل الآتي.
ومن هنا ينطلق الغرب نحو انتهاج استراتيجية خاصة وتفعيلها بهذا الاتجاه، حيث تتلخص في ضرورة تجزئة العالم الإسلامي وتقسيمه للحيلولة دون نهوضه واستقوائه.
وفي هذا السياق تأتي نظرية صموئيل هانتنجتون الداعية إلى لا بدية «صراع الحضارات»، بكل ما تتضمنه من كيد وعدوان على العالم الإسلامي لتمزيقه، وإضعافه، وتطويقه، ومحاصرته؛ لتكريس أسطورة التفوق الإسرائيلي فيه من جهة، ولديمومة الهيمنة الغربية عليه من جهة أخرى.
تزامن ذلك التنظير مع استصدار قرارات أمريكية مبيتة واستفزازية تندد بما يزعم أنه اضطهاد الأقليات الدينية في العالم الإسلامي، وتدعو إلى حمايتها، ولو باستخدام القوة، ومن يتدبر ما جاء في سطور القرار الأمريكي يكتشف بوضوح محدداته بحماية الأقباط في مصر، والبهائية في إيران، وما بين وثيقة كامبل الصادرة في بدايات القرن العشرين، والعولمة التي يبشر دهاقنتها بتنجيزها عند أعتاب القرن الحادي والعشرين.
تنتصب قائمة من الممارسات الخطيرة التي تؤكد وجود خطة تتواصل حلقاتها بترتيب محسوب، بغية الوصول إلى آخر المطاف والأشواط، حيث أعلن عن وثيقة كامبل عام ١٩٠٧م، ثم وثبت جمعية الاتحاد والترقي الماسونية على الحكم في تركيا عام ١٩٠٨م، لتعقبها اتفاقية سايكس بيكو التي مزقت العالم الإسلامي عام ۱۹۱٦م، ليليها الإعلان عن وعد بلفور لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين عام ١٩١٧م، ثم الإعلان عن سقوط الدولة العثمانية رسميًا عام ١٩٢٤م، وبعدها قيام الكيان الصهيوني في فلسطين عام ١٩٤٨م، وتحيله إلى رأس حربة للعدوان على العالم الإسلامي وتهديد أمنه، من خلال عدة حروب أسفرت عن خسارة المزيد من الأراضي، ولتتمدد مساحة الكيان الصهيوني على حسابها، وبدعم وتأييد غربي شاملين، لم يتردد الغرب عن الإعلان بأن الإسلام عدوهم «رقم 1»، وبما يعني إعلان حرب شرسة ضد الإسلام فكرًا وحضارة، وعلى المسلمين أنظمة وتنظيمات وجماهير، وظفت لها الولايات المتحدة كل أسلحة الإعلام والاقتصاد والتكنولوجيا والعسكر، ليظل عالمنا الإسلامي رهين قوس الأزمة، وليشهد وفق هذا المخطط تصاعدًا في نبرة التهديد والتحدي، تغذى فيه الخلافات الحدودية والسياسية والاقتصادية، وتصعد فيه الصراعات القومية والمذهبية والعرقية، وتنشب فيه حروب محلية بالوكالة، ويظل الوضع فيه ملتهبًا إلى أجل غير مسمى؛ ليبقى في النهاية مروضًا في دائرة «الاحتواء المزدوج»، فقيرًا بتدني أسعار نفطه، وتخفيض قيمة عملته، وتدمير بناه التحتية، أو محاصرًا مطوقًا من قبل غول مادي مدجج بالسلاح، يعصف ببقايا الإنسانية فيه تردٍّ اخلاقي، وسياسة براجماتية، وروح نفعية، لا تقيم للقيم وزنًا، وهي في نهم مقيت لابتلاع عالمنا المستهدف، الذي لا سبيل نجاة أمامه سوى المقاومة والصمود، والتحلي بالصبر، والنظر إلى الواقع برؤية شمولية، وتفكير استراتيجي بعيد المدى، وروح تعاون تترفع عن الصغائر، ومسؤولية تضامنية مشتركة، تنسج حدود الإسلام، وتقوي سدوده في مواجهة طوفان عارم، ورياح حقد عاتية، يخطئ من يظن بأنه في مناى عن تياراتها المدمرة؛ لأن عالمنا الإسلامي يمثل جهازًا ميكانيكيًا تتأثر كل مواقعه عند حدوث أي خلل في ثغوره وزواياه، وخاصة أن جرافات «العولمة»، وبلدوزارات «النظام العالمي الجديد»، قد تخندقت خلف بوابات الأمم المتحدة، وجدران مجلس الأمن المؤيد لكل تهديد يلوح بعصاه «الكاوبوي الأمريكي» صوب أي من مناطق العالم الإسلامي المستباح.
فهلا من جدية في الفكرة وجدة في العمل، لبعث روح الأمل في أن يكون إسلامنا المنقذ العظيم بديلًا حضاريًا مستخلفًا؟
هذه رسالة نوجهها عبر المجتمع لعموم المسؤولين في العالم العربي المسلم، وليعلموا أن الجميع مستهدف بهذه المخططات الماكرة ..