; شهر الأخوة الإسلامية | مجلة المجتمع

العنوان شهر الأخوة الإسلامية

الكاتب د. سعد المرصفي

تاريخ النشر السبت 11-أغسطس-2012

مشاهدات 48

نشر في العدد 2015

نشر في الصفحة 35

السبت 11-أغسطس-2012

من فيوض شهر رمضان المبارك أن أجواءه سائحة خصبة لتنمية قيم الأخوة الإسلامية، وتقوية أواصر المحبة بين المسلمين، وتحريك نوازع الخير في النفوس البشرية، واستشعار كل ألوان التعاطف والتراحم مع المستضعفين، والعمل على تغيير ذواتنا إلى الأفضل، لتصبح أكثر وداً وتديناً، وأكثر تلاحماً وترابطاً مع الأسرة وأكثر فاعلية مع حركة المجتمع وقضايا الأمة.

المسلم حينما يشعر بالجوع والظمأ يستشعر مدى حاجة الفقير والمسكين والمنكوب ويدرك مدى الألم النفسي للحرمان، فتتحرك عاطفته تجاه إخوانه، متسلحا بمعاني الرحمة والتسامح والجود والكرم والمبادرة إلى تلبية متطلباتهم، وعينه على الحديث الشريف: «من تقرب فيه بخصلة من خصال الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه راجيا الأجر والمثوبة من الله تعالى.

ليس هناك من سبيل لاستثمار أوقات هذا الشهر الفضيل إلا بحسن الصلة بالله تعالى والتزام أوامره واجتناب نواهيه، واتباع النبي اقتداء بسنته واهتداء بسيرته العطرة قال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [ سورة الأحزاب: 21] فقد كان أجود بالخير من الريح المرسلة، وكان يستبشر بهذا الشهر المبارك مستحثا الصحابة الكرام رضوان الله عليهم: أتاكم شهر رمضان شهر بركة يغشاكم الله فيه، فينزل الرحمة ويحط الخطايا ويستجيب الدعاء، فأروا الله من أنفسكم خيرا، فإن الشقي من حرم فيه رحمة الله..

وكان الرعيل الأول من المسلمين يجعلون شهر رمضان فرصة للعمل الخيري، تتجسد فيها كل قيم الأخوة والتكافل وتكثر فيها العبادات والطاعات وأوجه البر والإحسان ونحن اليوم في أمس الحاجة إلى استلهام تلك المعاني، ومن حولنا ومن بين أيدينا إخوة لنا في سورية وبورما واليمن والصومال وغيرها، يعيشون أوضاعا كارثية بالغة الدقة ولا يكادون يجدون قوت يومهم، بل لا يشعرون بالأمن والأمان وكل يوم يسقط منهم آلاف الضحايا بين قتيل ولاجئ ومختطف ومفقود. 

إن هذا الشهر يمثل مدرسة الثلاثين يوما في تهذيب النفس وتربيتها، وواجبنا أن نستشعر آلام المنكوبين ومآسيهم، وأن نسعى جاهدين لتحقيق معاني الترابط والتلاحم والتأخي، فنخرج الصدقات والزكوات ويواسي أغنياء الأمة فقراءها، ويطعمون جوعاها، ويكسون عراها، ويعلمون أمييها ويوفرون العمل لعاطليها، ويمسحون على رأس أيتامها ويطببون مرضاها ويأوون لاجئيها ويغيثون منكوبيها، ومن ثم تقوى أواصر الأخوة وتتجلى مشاهد الرحمة والشفقة، ويعيش الجميع في مجتمع متكافل يشعر أعلاهم بشعور أدناهم على قاعدة وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان وتلك القاعدة من أعظم ما يقوي الروابط ويبني الصلات الاجتماعية. 

روي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث يومئذ ولا يصخب فإن شاتمه أحد أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم ومن ثم فالمسلم في حال صومه يتحلى بحسن الخلق، ويكف أذاه عن أخيه المسلم، ويكون أوسع صدراً وأندى لساناً، وأبعد عن المخاصمة، وصدق رسول الله : المسلم الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المسلم الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم.

من فضائل الأعمال في رمضان عبادة إطعام الطعام أو ما يعرف بإفطار الصائم وما لها من أثر كبير في إشاعة التودد والتحبب بين المسلمين، قال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9) إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (10) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (11) وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (12) ﴾ [ الإنسان8: 12]، وفي الشأن ذاته يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيما مؤمن أطعم مؤمنا على جوع أطعمه الله من ثمار الجنة، ومن سقى مؤمناً على ظمأ سقاه الله من الرحيق المختوم الترمذي بسند حسن.

وفي رمضان يتزاور المسلمون ويصلون الأرحام، ويتنادون فيما بينهم لدعوات الإفطار الجماعية، فلا عداوة ولا بغضاء، ولا فرقة ولا خصام، بل لقاء وصفاء، وتواصل ووثام، وفي ذلك إعلاء لشأن رابطة الأخوة وتنمية لبنيانها وتعزيز لمكانتها .

ما أجل دروس الأخوة المستفادة من شهر الصوم شهر الطاعات شهر القرآن شهر الخير والبركات شهر الانتصارات، وما أحوجنا إلى المبادرة فيه لتعميق قيم الأخوة وإعلاء شأن معاني التعاطف والتراحم والبذل والعطاء والتسامح والتقارب وإزالة الفرقة ورأب الصدع، وتوحيد الصف، وبناء اللحمة الوطنية الإسلامية واستحضار قيم ديننا الإسلامي العظيم في كل شؤون حياتنا . 

والله نسأل أن تنعم الأمة الإسلامية في هذا الشهر الكريم بالتاخي والنصر والعزة والتمكين وأن تكون صفا واحدا في وجه الأعداء والأخطار المحدقة بها، وأن تكون قیم شهر رمضان نهجاً ونبراساً لنا في سائر الشهور، والله الموفق والمستعان .

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 14

117

الثلاثاء 16-يونيو-1970

كونوا مسلمين!

نشر في العدد 14

123

الثلاثاء 16-يونيو-1970

مفهومات خاطئة 4

نشر في العدد 28

166

الثلاثاء 22-سبتمبر-1970

التحول إلى الدين.. وكيف يتم؟