العنوان المطلوب بناء المجتمع الرباني
الكاتب الأستاذ أنور الجندي
تاريخ النشر الثلاثاء 12-مايو-1987
مشاهدات 65
نشر في العدد 817
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 12-مايو-1987
تحت ضوء الإسلام
کشفت حركة اليقظة الإسلامية عن أوكار دعوات الباطنية والماسونية والأساطير والخرافات وفكر الطفولة البشرية.
الديمقراطية ليست هي الشورى الإسلامية، والاشتراكية ليست هي العدل الاجتماعي.
علينا أن نتعرف على موقف الإسلام من كل نظرية أو فكرة أو أطروحة مما يطرحه الفكر العربي في أفق الفكر والثقافة الإسلامية، وعلينا- إذا عرضت علينا المذاهب والآراء في السياسة والاجتماع والاقتصاد والتربية- أن نذكر دائما أن لنا «منهجًا ربانيًا جامعًا»، يتميز بأنه من عند الله- تبارك وتعالى- وأنه قادر على العطاء في جميع البيئات وفي جميع العصور؛ لأنه مرن واسع الأفق، ولذلك فهو يتميز عن النظريات والأيدلوجيات الحديثة، التي قد تعطي بيئة دون بيئة أخرى أو عصر دون عصر، والتي تتصدع سريعًا بفعل متغيرات الزمن والبيئة؛ فيسارع أهلها وذووها إلى تعديلها بالإضافة والحذف؛ لأنها من صنع البشر، أما المنهج الرباني فإنه يقوم على «منهج الثوابت والمتغيرات» الذي يسمح بالحركة في الفروع داخل إطار الأصول الثابتة، ولا يعارض مطامح الإنسان أو رغباته، ولكنه ينظمها.
وأن علينا أن نعرف أن هذا الدين العظيم جاء خاتمًا لرسالات السماء، بعد أن دخلت البشرية مرحلة «الرشد الفكري» الذي جعلها قادرة على أن تتقبل دينًا عالميًا إنسانيًا للناس جميعًا، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وقد وعد الله- تبارك وتعالى- بحفظ كتابه من أن يصيبه الزيف أو تغشاه الدخائل، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾(الحجر:9)، ووعد بإظهاره على الدين كله، والاسلام يختلف عن أديان أخرى في أنه ليس دين عبادة فحسب، يقصر أمره على العلاقة بين الله- تبارك وتعالى- والإنسان، ولكنه يجمع إلى ذلك علاقة اخرى: هي العلاقة بين الإنسان والمجتمع.
ولذلك ومن أجل مسؤولية الإنسان في الحياة، يجب أن نعمل جميعًا على بناء المجتمع الرباني وفق ثلاث قيم أساسية:
مسؤولية فردية، والتزام أخلاقي، وإيمان بالبعث والجزاء، وقد أعطى الإسلام الإنسان كل ما يتطلع إليه- سواء من أشواق الروح، أو رغبات المادة- على أساس التوازن والتوسط، حماية لكيانه من أن تدمره الأهواء؛ فينهار ولا يصبح قادرًا على حماية أمته ودينه من التحديات التي تواجههما، فإن الأعداء بالمرصاد، وهم يطمعون في السيطرة على «أمة الإسلام»، وصهرها في بوتقة فكرهم؛ حتى تزول ذاتيتها الخاصة، وتميزها الذي أعطاها الله- تبارك وتعالى- إياه من أجل أمرین اساسيين:
١- من أجل القدرة على إقامة دين الله ومجتمعه في الأرض.
٢- من أجل تبليغه للعالمين.
ولقد كان لليقظة الإسلامية آثارها البعيدة في التعرف من جديد على مفهوم الإسلام بوصفه منهج حياة ونظام مجتمع، بعد أن حجبه النفوذ الاستعماري والفردي خلال أكثر من قرن كامل في إطار العبادات، ويمكن القول إن حركة اليقظة استطاعت أن تصحح مفاهيم كثيرة أهمها:
١- هزيمة التجربتين الليبرالية والماركسية على السواء.
۲- إعادة التقدير من كتاب الغرب للرسول- صلى الله عليه وسلم- ولدين الإسلام.
٣- تصحيح موقف السلطان عبد الحميد والدولة العثمانية بعد أن حاولت الصهيونية رسم صورة ظالمة لهما.
٣- تكشف أن الديمقراطية ليست هي «الشورى» الإسلامية، وأن الاشتراكية ليست هي «العدل الاجتماعي».
٤- إعلان الحقيقة الهامة، وهي أن المنهج العلمي التجريبي الذي قامت عليه الحضارة المعاصرة هو من صناعة المسلمين، وقد استمدوه من القرآن الكريم.
٥- تصحيح موقف الفكر الإسلامي من الفلسفة اليونانية، ووضوح كذب الادعاء بأن الفكر الإسلامي قام عليها أو قبلها، وقد تبين أن علماء المسلمين هاجموها منذ اليوم الأول، وكشفوا مخالفتها لمفهوم الإسلام، ومعارضتها لمنهجه الرباني، وخاصة في مجال: التوحيد- البعث- حدوث العالم.
٦- كشف فساد مظالم الاقتصاد السياسي الربوي، وعلم النفس الفرويدي، ومفاهيم مارکس ودور كايم وسارتر، وكان على المسلم أن يتجاوزها، وأن يعلن أنها ليست علومًا، ولكنها فروض فلسفية قابلة للخطأ والصواب.
٧- رفض النموذج الغربي وأسلوب العيش الغربي؛ لأنه لا يتفق مع إيمان المسلمين بالله- تبارك وتعالى- ولا بمفهومهم للتوحيد أو الأخلاق.
۸- كشف قصور الحضارة الغربية عن العطاء؛ لأنها تجاهلت البعد الرباني لها، والبعد الأخلاقي لها وللمجتمع البشري.
٩- كشف تناقض الكتب المقدسة القديمة، وتعارضها مع حقائق العلم الحديث.
۱۰- وجه للقوانين الوضعية كثيرًا من الابتعادات، أهمها أنه لا يجوز للإنسان أن يشرع لنفسه، ولا بد أن يخضع لتشريع من مصدر أعلى.
۱۱- فساد فكرة وحدة الأديان، أو وحدة الثقافة إيمانًا بأن الأديان قد تحولت عن مسلسلها الطبيعي إلى قوميات ودعوات عنصرية.
۱۲- تأكد أن الحديث والتغريب قضيتان منفصلتان، وأن المسلمين يقبلون التحديث، ولا يقبلون التغريب.
۱۳- سقوط نظرية القومية الغربية الوافدة، وللمسلمين نظريتهم الجامعة بين العروبة والإسلام «عروبة في إطار الإسلام».
١٤- سقوط العلمانية، وفشل نظرية فصل الدين عن السياسة، أو فصل الأدب عن الفكر.
١٥- سقوط نظرية العنصرية والدماء، والاستعلاء باللون على النحو الذي تدعو إليه الحضارة الغربية.
كذلك قد كشفت حركة اليقظة عن أوكار دعوات الباطنية والماسونية، والأساطير والخرافات، وفكر طفولة البشرية، وما يتصل بالفلكلور، كما كشفت مؤامرات الاستشراق في تزييف التاريخ الإسلامي، وتحريف مفهوم النفس الإنسانية والأسرة والمجتمع.
كذلك فقد تكشفت هزيمة الحضارة الغربية، وانهيار مجتمعها، وانخفاض معدل الخصومة لدى الرجال في الدول الغربية.
كذلك فقد رفضت نظرية الفن للفن، إيمانًا بأن الآداب والفنون ليست غاية في ذاتها لإشباع نزوات البشر ولذاتهم، وإنما هدف الآداب والفنون إبراز شخصية الأمة ورفع معنوياتها.
كذلك فقد وقعت حركة اليقظة الإسلامية أمام مخطط صناعة أجيال ساذجة لا تنظر تحت أقدامها، تعنى بالتفاهات، وتنخدع بفنون هابطة من المسرحيات والمسلسلات، التي يجري الحوار فيها بلغة رديئة، وذلك لإنشاء جيل فيه أصالة ومعرفة، يحمل هموم أمته، ويؤمن بأهدافها، ويتطلع إلى أعلى الغايات في إسعاد المجتمعات بمنهج الإسلام وآدابه وقيمه، وحماية الثغور والرباط فيها؛ حتى لا يعتدي عليها خصوم الإسلام، ومن هنا كانت دعوة الإسلام إلى بناء الإنسان المسلم على الفداء، والإعلاء الدائم، وإحياء مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واستعلان مفهوم الردع في مواجهة العدو.
ومن أبرز إرهاصات الصحوة الإسلامية: دخول الحضارة الغربية وفلسفتها المادية مرحلة الانهيار والمحاق، وظهور التحلل الخلقي والتمزق والغربة، وكشف قصور الحضارة وعجزها عن العطاء، بالرغم من التوسع العلمي والتكنولوجي البارع، إلى إعطاء النفس البشرية منهجًا يحقق أشواقها الروحية، وينظم حياتها المادية، وقد بدأت نذر سقوط الحضارة الغربية بكتابات «شبنجلر» بعد الحرب الأولى بعقد من الزمان، ثم توالت في كتابات ألكس كاريل، وكولن ولسون، وجارودي وغيرهم.
وظهور المنظرين الغربيين الذين يرون أن العالم لن يصلح إلا بالإسلام، كما ظهرت حقيقة الانقطاع الحضاري بين ما قبل الإسلام وما بعده، وتكشف حقائق الإعجاز الطبي والعلمي في القرآن، وتطلع الغرب إلى منهج جديد، وتكشف أكذوبة جيل العمالقة والقمم الشوامخ، وسقوط قلاع الدارونية والإقليمية والوجودية والماركسية، ورفض النموذج الغربي والاتجاه إلى الإسلام بوصفه القادر على إعطاء النفس الإنسانية سكينتها؛ ولأنه يقوم على منهج الدليل والبرهان والاقتناع «فكر ثم اقتنع، بدلًا من منهج آمن ثم فكر».