العنوان رأي... في دخول الإسلاميين الوزارة
الكاتب مصعب الزبيري
تاريخ النشر الثلاثاء 22-ديسمبر-1981
مشاهدات 63
نشر في العدد 553
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 22-ديسمبر-1981
• نسمع بين حين وآخر وفي فترات متباعدة وفي أقطار مختلفة عن توزير بعض الناس الطيبين ممن يخدمون البلاد والعباد ويكون خيرهم للمسلمين عظيمًا، ونسمع أحيانًا عن وصول بعض أهل الخير لمراكز مهمة في الإدارات الحكومية مما قد يفيد المسلمين من عدة وجوه ولاشك، وقد يخوض الإسلاميون الانتخابات فيوصلهم الاقتراع الحر إلى قنوات التشريع. وقد يجتهد فصيل من فصائل الحركة الإسلامية ويشارك في الحكم اعتمادًا على القاعدة أن دفع المفاسد أولى من جلب المنافع. وقد نفرح إذ نرى إدارة أو وزارة تطهر من الخبث زمنًا يقصر أو يطول انسجامًا مع المدير الطيب أو الوزير الطيب. وقد نفرح إذ نرى جامعة من الجامعات تتحول من خط التبعية الفكرية للثقافات الغربية إلى خط الإسلام على مستوى الإدارة وهيئة التعليم بحسب قرارات يصدرها وزير من أهل الخير.
• ولا شك أن تطورات وإجراءات وخطوات مثل هذه جيدة، وتستحق الترحيب، وتسوغ الفرحة.
ومن الضروري جدًا أن تمتد الأيدي إلى يد أصحاب الفضل والعطاء والذين أخلصوا لخدمة المسلمين لتبارك لهم وتشجعهم وتدعو لهم بالثواب ولتذكرهم أن جهود الخير لا تضيع.
غير أن هذا كله -يسيره وكثيره وحقيره وعظيمه- يجب ألا يكون سبب غفلة عن دقة التحليل وسلامة التقويم وضرورة أن تبقى الغايات واضحة تمامًا.
• إن أول معيار لتقويم مثل هذه الاجتهادات والإجراءات والخطوات هو مقدار مساهمتها أو عدم مساهمتها في حركة التغيير البنيوي الإسلامي.
فالحق أن النوايا الطيبة والتنفيذ الذي يراد به خدمة المسلمين يجب ألا يظل في دائرة الأمر العام والعائم فلا بد من وضع محددات نظرية في ضوئها يكون التقويم. وبمعنى آخر إن المطالبة بالتقويم والصرامة والصراحة في الحكم لا يعني على الإطلاق لا من قريب ولا من بعيد انتقاصًا من النوايا أو احتقارًا للجهد الطيب المبذول، ولكن وقائع التاريخ وطبيعة المؤسسات السياسية الحديثة تفتح الباب واسعًا أمام العديد من الاحتمالات.
• من هذه الاحتمالات أن تكون «المشاركة» بين جماعة إسلامية محدودة الإمكانيات وبين نظام يحتكر جميع الموارد البشرية والمادية مشاركة تبدأ بالبريق ثم تمر الأيام والنظام يقوى والجماعة الإسلامية تنهك بعد نشاطها بمعالجة وترميم والمؤسسات السياسية القائمة عن معالجة بنائها الجماهيري الجوهري الباقي.
ومن هذه الاحتمالات أن تكون المغانم الحقيقية والجوهرية أقل بكثير من المغارم السياسية والشعبية وحتى المبدئية في بعض الأحيان.
• ومن هذه الاحتمالات أن تكون إجراءات وخطوات كهذه يرافقها من الضجيج ما هو أكبر من حجمها الحقيقي، وبدل أن تكون ذات أثر عميق وبعيد فإنها تكون سبب استعداء وتحريض عليها وعلى أصحابها والمستفيدين من أهل الخير.
• ومن هذه الاحتمالات أن تتغير الصياغة السياسية أو التركيبة الوزارية في أية لحظة ويطير الوزير الطيب أو الوكيل أو المدير ويأتي وزير أو وكيل أو مدير لا هو يحب الإسلام ولا هو حريص على مستقبل المسلمين فينقض بناء أهل الخير ويعيث في دائرة نفوذه فسادًا. بل يكون همه الأعظم أن يضيق على الشباب المسلم لديه ويطمس كل علامات الخير.
• ومن هذه الاحتمالات أن تكون المشاركة فرديًا أو جماعيًا في الإدارة أو التشريع-نوعًا من إضفاء رداء شرعي على النظام، وفي الجهة المقابلة يستفيد النظام من هذا الوضع ليحاصر الإسلام في مستواه التنظيمي والجماهيري أو ليسحب من تحت أقدامه البساط.
أقول: إن هذه احتمالات واردة، يجب ألا تردع العاملين عن الاجتهاد الذكي المبدع في مختلف الظروف والمراحل ولكنها يجب كذلك أن تكون أمام العين دومًا، فذلك من ألف باء الفقه السياسي.
• وأما المعيار الأساسي في تقويم الخطوات والإجراءات والمشاركة فهو مدى مساهمتها في دفع حركة التغيير البنيوي الإسلامي.
إن كل مشاركة أو إجراء أو توزير أو وصول إلى منصب إداري لا ينبني عليه إسهام في التغيير البنيوي إنما هو موضع تساؤل خطير وجدي عن جدواه والله أعلم. ولكي نخرج من الحديث العام نضرب بعض أمثلة نظرية مما يتيسر عن المقصود بالتغيير البنيوي أو الجذري أو التحتي.
جامعة من الجامعات سيطرت عليها زمنًا إدارة غربية الميول والفكر والسلوك ومن النسيج نفسه كانت الهيئة التعليمية. ثم تغيرت التشكيلة الوزارية وجاء وزير للتعليم العالي يحب الخير وولاؤه للمسلمين، وبالتدريج أحيانًا وبالحسم أحيانًا أخرى أدخل تعديلات عظيمة على الجامعة، فأصبحت الإدارة مسلمة في الميول والتفكير والسلوك وبدأ استقطاب هيئة تعليمية من المعدن الطيب نفسه. وحتى المبتلى بالانحراف من الأساتذة لم يعد يجاهر بانحرافاته، هذا تطور ممتاز ومفرح ولا شك. ولكن النظام الذي جاء بالوزير الطيب في سياق معين من الملابسات السياسية قادر على أن يذهب به. ونفترض أن هذا الوزير ذهب وجاء وزير من بقايا الناصرية أو البعث أو ذا تفكير غربي أو من الحاقدين حتى النخاع على الإسلام وبدأ عملية «تطهير» معاكسة، فعزل الإدارة المسلمة وجاء بإدارة تعزف على أوتاره وسرح الأساتذة المسلمين وجاء بأصحاب الولاءات لغير الإسلام وأصحاب الرسالات المعادية والحاقدين الموتورين وتحولت الجامعة عن وجهتها تمام التحول.
• المعيار البنيوي هنا هو مثلًا: ما مدى قوة التيار الطلابي الإسلامي عددًا ونوعًا؟ أما إذا كان «العهد الإسلامي» للجامعة قد خدم التيار الطلابي الإسلامي وأسهم في بنائه وقوته وفي الترقية العلمية والفكرية والتنظيمية والسياسية والاجتماعية لأفراده وفي مد جذوره وبذر بذاره فإنه لعهد إسلامي ناجح وإن إنجازاته لإنجازات جوهرية أصلها ثابت وفرعها في السماء. وأما إن كان ذلك العهد قد ذهب وذهب معه كل الديكور الذي انشغل به وشغل به الناس وما ظهر له أثر قوي على المستوى الجوهري الجماهيري أي المستوى الطلابي فإنه لعهد لم يحالفه النجاح وكل الذي فعله إنما هي إجراءات نسختها إجراءات أخرى. «من المناسب أن نتذكر الجانب الطلابي إنما هو جانب واحد من التغيير البنيوي المقصود..».
ومثال آخر هو الجماعة الإسلامية التي ترى أن تشارك في الحكم، فإن انتهت التجربة وهي قد استفادت جوهريًا أي في الشارع الجماهيري فذلك خير... وإن انتهت وقد ظهر أن النظام استفاد منها واستثمرها أكثر مما استثمرته فإن أمام التجربة علامة استفهام كبيرة.
• إن الحركة الإسلامية -جماعات وأفرادًا- قد تشارك في بعض تجارب الحكم والإدارة، وقد تسمح أو تحتم بعض الملابسات الذاتية والموضوعية أن يصل أفراد من أهل الخير ومن الذين يحبون المسلمين إلى الوزارات وأدنى منها. وكل إسهام فيه خير وكل صاحب جهد مأجور ومشكور سواء أصاب أم أخطأ.
غير أن التغيير الحقيقي هو التغيير البنيوي على مستوى الجماهير، وكل تغيير فوقي إنما يستمد قيمته ومصداقيته من مدى أثره في تقوية ودفع التغيير البنيوي. لذلك فإن فوز نائب إسلامي بانتخاب حر يحمل البشائر وما لا يحمله توزير ستة وزراء إسلاميين بجرة قلم من أصحاب النظام. وإن فوز الاتجاه الإسلامي في الانتخابات الطلابية الجامعية هو أكثر مدعاة للسرور بألف مرة من تعيين إدارة كاملة وهيئة تعليمية كاملة من المعدن الطيب يعينهم وزير من مكتبه هو نفسه معين وقابل للعزل في أي لحظة.