; دراسة مستقبلية: تزايد خطر الإرهاب | مجلة المجتمع

العنوان دراسة مستقبلية: تزايد خطر الإرهاب

الكاتب عمر ديوب

تاريخ النشر الثلاثاء 30-يناير-1990

مشاهدات 78

نشر في العدد 952

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 30-يناير-1990

  • عمر ديوب
    ــــــــــــــــــــــــــــــــ

    ينبغي على النظام القضائي ألا يقدم أي تنازلات أو يتساهل مع الذين يلجأون للعنف.

    أكبر تغير سيشهده القرن القادم هو انتشار الإرهاب في الولايات المتحدة بشكل رهيب.

    كثر الحديث عن الإرهاب في الثمانينيات واتخذ منحى جديدًا لتدخل القوى العظمى وبالذات أمريكا في شؤون الدول الأخرى والاعتداء على سيادتها، وقد نالت دول عربية هي ليبيا النصيب الأكبر من الهجمات الإعلامية والاعتداءات العسكرية بسبب اتهامها بتبني سياسة الإرهاب، حتى إن الكثير من الدول الصغيرة خشيت على نفسها من هذه التهمة وطالبت بتحديد مفهوم الإرهاب، ولا يزال الجدل قائمًا حول هذا الموضوع الذي يبدو أنه صار كابوسًا من كوابيس الولايات المتحدة. وفيما يلي مقال مترجم يعكس القلق الأمريكي من أعمال إرهابية على أراضيها خلال التسعينيات كما يعكس المفهوم الأمريكي للإرهاب وكيفية معالجته.

    تزايد خطر الإرهاب

    ليس ثمة أدنى شك من أن الإرهاب سيستمر حتى القرن القادم، إذ إنه المسلك الأول للضعفاء والمحرومين من حقوقهم لفرض أصواتهم على مسامع الناس وللضغط على الحكومات للاستجابة لمطالبهم حتى وإن كانت هذه المطالب تتعارض مع إرادة الأغلبية. بالطبع إن الإرهاب عبارة عن حرب معلنة ضد النفس والمدرك الحتمي حيث تكون رسالة الإرهابي إلى الحكومة المستهدفة كالآتي: «مهما بلغت عظمتك وجبروتك، فإن بمقدورنا إلحاق الضرر عليك إذا لم تُلبِّ مطالبنا».

    وستستمر عمليات الانفجار والاغتيال والاختطاف لكونها الموصل الفعال لرسالة الإرهابي. ثم إن هذه الجرائم من شأنها أن تجعل الذعر يدب في نفوس الجماهير وذلك لاستحالة معرفة وقت حدوثها، مما يجعل القوة الحقيقية للحكومات موضع شك لدى المواطنين.

    إن الهجمات التي يشنها الإرهابيون تكون دائمًا ذات تأثير، إذ إن بإمكان هؤلاء استغلال أي حادث لصالحهم، حيث إنه من المستحيل توفير الحراسة لكل فرد أو لكل حافلة أو لكل مكان عمل في جميع الأوقات. ولذا، فإن الإرهابي لا يتربص إلا الوقت المناسب لشن هجومه. ولم تحدث أبدًا أية عملية إرهابية "عديمة المعنى" لأن مراد الإرهابي الوحيد هو أن يسود جو من الخوف وعدم الثقة.

    وفي عام 1986، قام رؤساء الأركان للقوات الأمريكية المشتركة بوصف كل أشكال العنف في العالم الثالث بنوع من "نزاع ذي حدة منخفضة"، وحسب ما جاء في تعريفهم فإن هذا النزاع عبارة عن نضال محدود ذي طابع سياسي وعسكري الغرض منه تحقيق أهداف إما سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو نفسية.

    وقد صرح وزير الدفاع الأمريكي الأسبق كاسبر واينبرغر "أن النزاع ذا الحدة المنخفضة من شأنه أن يشكل تهديدًا مباشرًا لبلاد العالم الحر في الفترة المتبقية من القرن الحالي".

    ومنذ الستينيات خضع هذا النزاع لتغيير جذري على المستوى العالمي وذلك داخل نطاقه وتنظيماته. وقد قامت الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا بتنظيم عمليات عسكرية تهدف إلى تدريب جنود غير نظاميين لمواجهة العصيان المسلح في العالم الثالث في الوقت الذي بدأ الاتحاد السوفيتي بتعليم منظمة التحرير الفلسطينية فنون القتال الفعالة، وجاء ذلك في أعقاب العدوان الإسرائيلي عام 1967 الذي دام ستة أيام.

    ودائمًا، فإن للنشاطات الإرهابية جذورها في نزاعات إما سياسية أو دينية معينة داخل مناطق جغرافية معينة. ولكن لما رأت كل دولة فرصة توسيع مناطق نفوذها مواتية بدأت في تشجيع هذا النوع من الحرب المقنعة دون اللجوء إلى نشر قواتها، ثم بدأت هذه الدول برفع مستويات تدريب جنودها وقامت حتى بتطوير أسلحة خاصة لعمليات الإرهاب ولمجابهة العصيان المسلح. ومنذ عام 1960 حتى الآن فقد طرأت زيادة في العدد والتعقيد على مستوى النشاطات الإرهابية مما جعل الدول العظمى في محاولة دائمة للسير مع ركب الإرهاب.

    وفي أول الأمر كان الإرهابيون يستخدمون أسلحة تقليدية رخيصة وفي متناول اليد كانت كافية لإنجاز المهمة وتتدرج من السكين إلى البندقية الأوتوماتيكية الصغيرة ثم إلى المتفجرات البلاستيكية، وبعد أن أصبحوا يحصلون على المال والتسهيلات من قِبل البلاد الأخرى لدعم نشاطاتهم أصبح بحوزتهم أنواع من أسلحة جديدة ضد أهداف جديدة ومختلفة تمامًا. ومن ذلك:

    مولدات النبضات الكهرومغناطيسية:

    لو قمت بتوصيل كل من مولد النبضات وجهاز الكمبيوتر إلى مصدر طاقة فإن النبضات المنطلقة من المولد ستقوم بمسح كل البيانات التي قد تم تخزينها في ذاكرة الكمبيوتر.

    الأسلحة الكيماوية والبيولوجية:

    تندرج هذه الأسلحة ضمن تلك الطرق المتبعة قديمًا في تسميم المياه وتنتهي إلى سائل الـLMG المتسبب في تحويل المواد المعدنية إلى مواد هشة. وعند استعمال هذا السائل النقي الشفاف بواسطة قلم ذي طرف مبلد على مواد صلبة ومتينة فإنها تفقد صلابتها وتصبح بالتالي هشة تمامًا حيث يكفي الضغط عليها فقط لتكسيرها. ولولا وجود إنذارات مسبقة لتعرضت الشاحنات والطائرات والجسور لكوارث مدمرة.

    ومما يثير الرعب هو انتشار الأسلحة الكيماوية على نطاق واسع، وذلك لأنه يمكن صناعتها من مواد رخيصة ومتوفرة جدًّا. ويمكن استخدام المركبات العادية للأسمدة والمبيدات الحشرية في صناعة الغازات السامة بينما يمكن الحصول على غاز الكلورين المميت بواسطة التحليل الكهربائي لمياه البحر.

    وقد صرح مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي ويليام ويبستر بأن هناك حوالي 20 دولة تقوم حاليًّا بتطوير الأسلحة الكيماوية وأن 10 دول على الأقل تقوم الآن بإنتاجها. وبالنسبة للدول الصغيرة فإن الأسلحة الكيماوية والبيولوجية تقوم مقام الأسلحة النووية وربما ستفكر الدول الصناعية في منع الطلبة الدارسين في مدارسها وجامعاتها من الدول النامية من صناعة أي نوع من الأسلحة الكيماوية أو البيولوجية حيث إن صناعتها تتطلب مستوى عاليًا من التعليم التقني. ومن الناحية التقنية، فإن ما يثير الخوف هو سهولة صناعة القنبلة النووية من جراء تكرار طباعة الرسومات التي تبين طريقة صناعتها. ولكن الصعوبة في صناعة هذه القنابل تكمن في كيفية الحصول على مادة البلوتونيوم التي يكفي ملء ملعقة شاي منها لإحداث انفجار بحجم انفجار قنبلة هيروشيما.

    وتقوم مصانع الطاقة النووية بإنتاج هذه المادة على شكل نفايات، وعلى الرغم من الحراسة المشددة المفروضة على عملية تخزينها ونقلها فإنه يحدث اختفاء ما يعادل 100 رطل منها في أماكن صناعتها وفي طريقها نحو بلاد العالم. وإذا أخذنا في عين الاعتبار تلك الأربعين سنة التي مرت على بداية تطوير الطاقة النووية، فإن هذه الكمية المختفية لا تعني شيئًا، ولكن كل ما في الأمر هو أن هذا الاختفاء قد تم على يد إرهابيين لهم إلمام بكيفية صناعة هذه القنابل وبحوزتهم أيضًا كل المواد التي تدخل في صناعتها.

    زيادة الإرهاب الداخلي مستقبلًا:

    إن أكبر تغيير سيشهده القرن القادم على مستوى النزاع ذي الحدة المنخفضة هو انتشار الإرهاب في الولايات المتحدة بشكل رهيب، ومع أن الإجراءات الأمنية المتخذة من قِبل دول العالم من شأنها أن تساعد في التقليل من انتشار الإرهاب الدولي، فإن الفاشلين في أمريكا سيتركون دورهم لإرهابيين من الخارج.

    ومن الجماعات التي بدأت بالقيام بعمليات إرهابية:

    الجماعات المناهضة لعملية الإجهاض:

    ولقد كانت مكاتب تبني الأولاد والعيادات الصحية للنساء التي تقوم بإجراء عمليات الإجهاض هدفًا لعدة أعمال تخريبية. وستكون هذه الهجمات أكثر شراسة لاعتقاد الجماعات الدينية بأن القوانين الإلهية تمنحهم سلطة فوق القوانين الوضعية وحقوق الآخرين.

    تجار المخدرات..

    سوف تكون عمليات الإرهاب من قِبل تجار المخدرات مستهدفة كل مقاومة سواء كانت من قِبل المسؤولين المدنيين أو الدوائر القانونية وسوف يدعمهم في ذلك عصابات الجرائم المنظمة وغير المنظمة وربما يكون أسلوب العنف مقتبسًا من الإرهابيين الدوليين ولكن قوات مكافحة الجرائم المنظمة قد تم تدريبها على كيفية خوض حروب المخدرات في كولومبيا.

    إن بإمكان الولايات المتحدة أن تحشد طاقات هائلة لمحاربة الإرهاب داخل حدودها نظرًا لمواجهة قادتها تهديدات مستمرة من الخارج. وعلى الرغم من ذلك فإن عددًا قليلًا من حكام الولايات ومسؤولي الدولة لهم استعداد نفسي تام والقدرة من الناحية المالية والاستراتيجية لمعالجة الضغط المستمر من قِبل الإرهابيين.

    هجوم مضاد من اليمين

    وفي كولومبيا قام المواطنون المدنيون الذين سئموا من عجز الشرطة في مواجهتها للإرهاب بتكوين فرق للموت وذلك لمساعدة البوليس في القضاء على العمليات الإرهابية وكان من الممكن أن يحدث نفس الشيء في أمريكا.

    أهداف جديدة:

    لقد أصبحت كثير من الصناعات والموارد الحيوية عرضة لهجمات إرهابية بشكل مستمر. وأنه سيكون من المكلف جدًّا وغير المعقول توفير الحراسة لكل مصنع ومكتب حتى وإن كانت هناك نية لفعل ذلك. ومع ذلك سيلزم إجراء بعض التغييرات للتقليل من خطر الهجمات الإرهابية. ومن بين مجمل الهجمات الإرهابية كانت 60% منها موجهة إلى أجهزة الكمبيوتر، وقد تم تفجير 24 مركز كمبيوتر في ألمانيا الغربية في سنة واحدة. وكان هدف كل الألوية الحمراء في إيطاليا وجماعة العمل المباشر (ACTION DIRECTE) في فرنسا هو تخريب أنظمة الكمبيوتر في أوروبا. أما في الولايات المتحدة فإن الأمر مسألة وقت لكي يستغل الإرهابيون عدم توفر الحراسة الكافية لمراكز الكمبيوتر.

    وقد انتاب الخوف المسؤولين في كل من فرنسا وإسبانيا عندما اقتحمت الجماعات المناهضة للصواريخ النووية المنشآت النووية في مظاهرة ضد عملها. وقد اكتفت هذه الجماعات بإسقاط محطات الطاقة فيها غير أن هناك خطر حدوث انصهار في هذه المفاعلات وإشعاعًا نوويًّا على نطاق واسع نتيجة هجمات إرهابية على هذه المنشآت. وبالفعل فلا يحصل شمال الولايات المتحدة على الغاز الطبيعي إلا عن طريق أنبوبتين فقط يتم التحكم فيهما بواسطة مضخات ذات ضغط عال تستورد من الدول الأجنبية حيث يتم استبدالها خلال فترات تتجاوز السنة في كل مرة ولم توفر أي حماية لكلتا الأنبوبتين.

    وهناك جسران أحدهما يمتد فوق نهر أوهايو بالقرب من مدينة سينسيناتي والآخر فوق نهر بوتوماك بالقرب من واشنطن دي سي، حيث تتم عليهما كل حركات مرور القطارات في غرب أمريكا ولا تتوفر كذلك أية حماية لكلا الجسرين. وهناك ما يقرب من 10 محطات تحويل إقليمية تتحكم فعلًا بالاتصالات الهاتفية، التي تتم بين المدن الأمريكية الكبرى. وفي شهر مايو 1988 شب حريق في إحدى هذه المحطات الواقعة في مدينة هيندال بولاية إيلينوي، وهذه المحطة تعمل بطريقة أوتوماتيكية ولا يتوفر فيها إلا حارس واحد ومراقب يتحكم في نظام الإنذار بتشغيل الأضواء على بعد 100 ميل. وفي الوقت الذي كان الفنيون يؤمنون بكفاءة هذا النظام ووسائل النجدة، فقد تم تدمير المحطة مما أدى إلى تعطيل ثلث الهواتف في الجزء الغربي من مدينة شيكاغو.

    مكافحة الوباء:

    ويجب شن حرب شعواء وفعالة على الإرهاب وذلك على الجبهتين: العسكرية، والسياسية، وحتى في الآونة الأخيرة فإن طريقة معالجة الحكومة الأمريكية للإرهاب دفاعية ورجعية أيضًا. وكما قال الأدميرال بوبي ريسي أغمان الرئيس الأسبق لوكالة الاستخبارات المركزية (CIA) أنه وحتى نهاية 1980 فلم يُبذل أي جهد جماعي مكثف ودائم في المجال الاستخباري للحيلولة دون انتشار "النشاطات الإرهابية". وقد بدأت إدارة الرئيس ريغان في عام 1981 بتصحيح هذا الوضع حيث دعا الرئيس المسؤولين لدى كل وزارة الخارجية ووكالة الاستخبارات المركزية ومكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) إلى بذل كل الجهود الممكنة لمكافحة الإرهاب.. ومن ثم وضع خطط لمحاربة الإرهابيين والمتمردين ومن هناك انبثقت فكرة "النزاع ذي الحدة المنخفضة" في أعقاب الاجتماع الذي قد عقده هيئة الخبراء بهذا الصدد.

    وحاليًّا، فإن كلًّا من رجال الشرطة والعسكريين وهيئات الاستخبارات وكذلك رجال الأمن منتبهون لما يدور حول العالم. وهم يقومون بالبحث عن الأسلحة المكتومة والتأكد من صحة البطاقات الشخصية وجوازات السفر ويراقبون أيضًا حركات التنقل بين الحدود بحثًا عن الإرهابيين المعروفين لديهم أو المشتبه بهم. ومثل هذه الإجراءات من شأنها أن تمنع وقوع حوادث مثل حادثة تفجير ثكنات جنود "المارينز" في لبنان.

    وعند محاربة الإرهاب فإنه من الأهمية بمكان معرفة كل من دوافع الإرهابيين ومدى التزامهم حيث إنهم يختلفون كثيرًا في هاتين الناحيتين. وهذا يعني أن هناك بعضًا منهم يكونون أكثر استعدادًا للتنحي والانسحاب من غيرهم. وعن طريق الرد على العمليات الإرهابية سيكون بإمكاننا وضع حد للعنف وكذلك القضاء على بقية العمليات الإرهابية.

    وها هو ألبرتو فرانشيسكيني الذي يمثل نموذجًا آخر للحركيين وهو أقرب ما يكون من الفئة المألوفة في أمريكا.. إنه واحد من المؤسسين الثلاثة للألوية الحمراء، تلك المنظمة الإرهابية التي اغتالت رئيس الوزراء الإيطالي ألدو مورو في عام 1978، وقد خُدع فرانشيسكيني ومن ثم تم اعتقاله. وعندما قام بتحليل تجربته داخل السجن قرر التخلي عن الإرهاب، حيث ذكر أن «الكفاح المسلح عديم الجدوى لأن إيطاليا لم تكن بحاجة إلى ثورة بقدر ما هي بحاجة إلى رغد العيش بكل بساطة».

    ثم قارن فرانشيسكيني الألوية الحمراء بحركة الانفصاليين الباسك التي وصفها بقوله: «لها أساس اجتماعي واسع تمتد من الطبقة البورجوازية إلى الطبقة الكادحة. وهي عبارة عن منظمة مستقلة لها جذور ثقافية وتاريخية عميقة. الشيء الذي ينقص الألوية الحمراء».

    إن نوع الإرهابيين الذين قد يبرزون على الصعيد الأمريكي خلال العقد القادم سيكون أقرب إلى طراز فرانشيسكيني ذلك لأن الإيطاليين -مثل كثير من الأمريكيين- لا يريدون إلا الحياة الطيبة فقط. ولذلك فإن الحركيين الذين يستخدمون العنف لا يشكلون بطبيعة الحال إلا عددًا قليلًا من الأفراد يحاولون فرض آرائهم المتطرفة على الأغلبية. وللتغلب على الإرهاب فإن على هذه الأغلبية أن تواجه بحزم وصبر كل الهجمات المؤلمة الصادرة من تلك الجماعة.

    ولا ينبغي على النظام القضائي أن يقدم أي تنازلات أو يتساهل مع الذين يلجأون إلى العنف لتنفيذ رغباتهم كما لا ينبغي التغاضي أو التقليل من شأن اللاجئين إلى العنف. ومن المسلم به أن المتزمتين من الإرهابيين لا يبالون بالعقوبة ولكن من الممكن إقناع بعض أعضاء هذه الجماعات بالرضوخ والتخلي عن أعمال العنف. ثم إن الحركي الذي يواجه عقوبة السجن مدى الحياة لتورطه بأعمال إرهابية قد يرى أن الخطر أو المجازفة لا يساوي المكاسب المتوقعة.

    إن أخطر أنواع الحركيين في الولايات المتحدة الأمريكية تتشكل من تلك الجماعات التي لها دوافع دينية مثل تلك الجماعات المناهضة للإجهاض.

    وقد تورطت هذه الجماعات في عدد من أعمال عنف مختلفة وقعت داخل الولايات المتحدة الأمريكية وهم يتخذون "كلام الله" مرتكزًا لهم. وهذا سيمهد للذين هم أكثر تعصبًا من هذه الجماعات لتبرير مزاعمهم التي تكمن في أنهم لا ينادون من أجل الحياة وإنما من أجل الله "تبارك وتعالى" وحسب رأيهم، فإن اللجوء إلى العنف وحتى القتل -لم يعد يعتبر جريمة ولكنه مع الأسف قد أصبح وسيلة لبلوغ غاية ضرورية. وهم في هذه الناحية يشبهون كثيرًا جماعات الأصوليين المسلمين الذين أقسموا على قتل الكاتب سلمان رشدي عندما رأوا أن روايته "آيات شيطانية" قد نالت من كرامة دينهم.

    وعندما نطلق سراح الإرهابيين في المستقبل نتيجة تفنن في القانون فإنه سيكفي أن نقنعهم أيضًا بشرعية قضيتهم. وعندما نتفاوض في المستقبل أيضًا مع القائمين بالاختطاف فما علينا إلا أن نثبت ضعفنا وكذلك حقهم في اختيار أهدافهم. وقبل سنوات مضت أدلى رئيس الوزراء الفرنسي السابق جاك شيراك بتصريح حول مسألة الإرهابيين حيث قال:

    «عندما تتفاوض مع محتجزي الرهائن فعليك أن تقدم شيئًا أثناء المفاوضات. وقد يكون مجرد شيء بسيط.. ولكن كل ما في الأمر عليك أن تعطي شيئًا. وبمجرد أن يعطيهم هذا الشيء فإنهم يكسبون من فعلتهم. وعندئذ ماذا سيكون رد فعلهم؟ بالطبع فإنهم سيقومون بتكرار تلك العملية معتقدين أنها الطريقة الوحيدة لتحقيق أهدافهم وهكذا سوف تستمر في التعامل معهم بنفس الطريقة... وقد يطلقون سراح رهينتين أو ثلاث أو أربع رهائن ولكنك تشجعهم في نفس الوقت باختطاف أعداد مماثلة مرة ثانية. وهذه الطريقة في منتهى الخطورة واللامسؤولية لذلك أنا لا أتفاوض».

    ومع الأسف فقد نسي شيراك مبادئه السامية عندما كان على وشك خسارة انتخابات رئاسية حيث تفاوض لإطلاق سراح ثلاثة مواطنين فرنسيين كانوا محتجزين في لبنان وذلك مقابل سداد فرنسا قيمة قرض لإيران.

    القضاء على الإرهاب

    إن محاربة الإرهاب ليست بالأمر السهل وينبغي أن يكون رد أية دولة لهجوم إرهابي قاسيًا بما فيه الكفاية لكي يكون عبرة للإرهابيين ولتشجيع حلفاء هذه الدولة وإشعارهم أنها لن تستسلم أبدًا بعد الضربة الأولى. كما ينبغي إخطار الإرهابيين أن الدولة لن ترضخ للتهديد والابتزاز بغض النظر عن نوع التهديدات والجرائم. وعلى صعيد آخر فإنه ليس من الضروري أن يكون الرد قاسيًا جدًّا بحيث يتوقف الحلفاء عن مدافعة القضية أو يلجأ الإرهابيون ومؤيدوهم إلى القيام برد أكثر شراسة أو شن حرب على هذه الدولة.

    إن السلطات المسؤولة عن تنفيذ القانون الأمريكي ستكون مشغولة خلال القرن القادم في مواجهتها للتيار الجديد من الإرهاب الداخلي وأن على الحكومات المحلية ورجال الأمن أن يضغطوا على الحكومة الفيدرالية لكي تقوم بسن قوانين تسمح باتخاذ إجراءات غير عادية في بعض الحالات. ثم إن على القوانين الجديدة أن تحدد معنى الإرهاب وأن توضح واجبات كل من السلطات الفيدرالية والحكومية. وفي نفس الوقت ينبغي التشدد من خطر المخدرات. وبعد وقوع عدة هجمات على المنشآت الصناعية ستقوم أمريكا بوضع رجال الأمن حول مراكز الكمبيوتر والخزانات والمحطات الكهربائية ومحطات التحويل التليفونية.

    وبدون شك سوف يبقى الإرهاب هنا لكونه وسيلة فعالة لتذكير رسالة قديمة، وسوف يستغرق الأمر 10-15 سنة لكي تتمكن أمريكا من القضاء على الإرهاب الجديد. ولكن إن أفضل وسيلة لمواجهة الإرهاب في المستقبل تكمن في الاستعداد الجيد من الآن: إن على الولايات المتحدة الأمريكية أن تكون مستعدة من النواحي النفسية والاجتماعية والعسكرية ويجب أيضًا إعادة النظر في النظامين: الأمني، والقضائي، كما يجب طرح بعض التساؤلات حول القوانين والنظريات المتبعة من قِبل هيئات القضاء.

    مارفين جي سيترون مؤسس ورئيس المؤسسة العالمية للتنبؤ ترجمة: عمر ديوب

     

     

الرابط المختصر :