العنوان ملوك الآخرة - الصفة الخامسة: قيام الليل
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر السبت 25-يوليو-2009
مشاهدات 73
نشر في العدد 1862
نشر في الصفحة 55
السبت 25-يوليو-2009
Al-belali@
hotmail.com
(*) رئيس
جمعية بشائر الخير الكويتية
تناولنا في
العدد السابق نماذج ممن يقولون: سلامًا، وكيف يردون على من يسيء إليهم بردود تدل
على مستوى رفيع من الأخلاق والتربية العميقة...
في هذا العدد
نتناول الصفة الخامسة من صفات عباد الرحمن، وهي قيام الليل.
وتأتي الصفة
الخامسة لعباد الرحمن من خلال قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ
سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ (الفرقان: ٦٤): لتؤكد ربانيتهم، وتعلقهم بربهم وعلو همتهم
باتخاذ هذه العبادة الشاقة سبيلًا لتربية أنفسهم، والارتقاء بها...
ما هو البيات؟
البيات، يقال:
أتاهم الأمر بياتًا فجأة في جوف الليل.
والشيء أباته:
عمله ليلًا ودبره ليلًا). قال الزجاج: بات الرجل يبيت، إذا أدركه الليل نام أو لم
ينم.
هكذا إذن هم
عباد الرحمن يعشقون الليل لا لذاته بل ليختلوا بحبيبهم الرحمن في هدأة الليل عندما
ينام الناس، ويلف السكون الكون وصدق فيهم قول الشاعر:
امنع جفونك الله
تذوق منامًا واذرف الدموع على الخدود سجامًا واعلم بأنك ميت ومحاسب يا من على سخط
الجليل أقامًا لله قوم أخلصوا في حبه فرضي بهم واختصهم خدامًا قوم إذا جن الظلام
عليهم باتوا هنالك سجدًا وقيامًا خمص البطون من التعفف ضمرًا لا يعرفون سوى الحلال
طعاما (۳) يقول الإمام الرازي: يبيتون لربهم، أي أن يكونوا في لياليهم مصلين، ثم
اختلفوا فقال بعضهم من قرأ شيئًا من القرآن في صلاة وإن قل فقد بات ساجدًا
وقائمًا، وقيل: ركعتان بعد المغرب وأربع بعد العشاء الأخيرة، والأولى أنه وصف لهم
بإحياء الليل أو أكثره. يقال فلان يظل صائمًا، ويبيت قائمًا.
ويقول ابن عباس:
من صلى ركعتين أو أكثر بعد العشاء فقد بات لله ساجدًا وقائمًا. وقال الكلبي: من
أقام ركعتين بعد المغرب وأربعًا بعد العشاء فقد بات ساجدًا وقائمًا).
أخلاق الليل
وكما أن لعباد
الرحمن أخلاقًا مع الخلق في النهار، وصفات يعرفون بها، كذلك فلهم أخلاق بالليل مع
الله، وصفات يتميزون بها. يقول الإمام الرازي: واعلم أنه تعالى لما ذكر سيرتهم في
النهار من وجهين: أحدهما: ترك الإيذاء، وهو المراد من قوله: ﴿وَعِبَادُ
الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ
الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ (الفرقان). والآخر تحمل الأذى وهو المراد من
قوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا
خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ (1) فكأنه شرح سيرتهم في الليالي عند
الاشتغال بخدمة الخالق).
قيام ودموع
عندما يخلو عباد
الرحمن بربهم، ويبثون له همومهم، ويعترفون بين يديه بضعفهم وأخطائهم ويرجون منه
العون والمغفرة، وكأنهم يسمعون إجابته لشكواهم في الثلث الأخير من الليل، ويسمعون
صوت حبيبهم وهو يقول: «أنا المالك، أنا الملك. من ذا الذي يدعوني فأستجيب له؟ من
ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له؟ فلا يزال كذلك حتى يضيء
الفجر، عندها لا يستطيعون كفكفة دموعهم ولا رد عبراتهم، ولا إيقاف مشاعرهم.
يقول الإمام
الحسن البصري: يبيتون على أقدامهم، ويفرشون له وجوههم تجري دموعهم على خدودهم
خوفاً من ربهم ).
يقرؤون فيبكون
وعندما يختلون
بربهم في سكون الليل والناس نيام، وتنقطع عن الكون القواطع، وأصوات الدنيا، وينام
طلاب الدنيا وعشاقها، وينام معهم إزعاجهم، تصفو تلك الساعات فتنساب آيات الله
تعالى إلى القلوب وتزداد المشاعر الإيمانية فتتدفق تلك الآيات على سويداء القلوب
ويزداد التفكر بالمقروء، فما تلبث العيون أن تنهمر بسيل من الدموع، فقد جاء في
ترجمة التابعي الحافظ شيخ الإسلام محمد بن المنكدر أنه بينما هو ذات ليلة قائم
يصلي إذ استبكى، فكثر بكاؤه، حتى فزع له أهله، وسألوه، فاستعجم عليهم، وتمادى في
البكاء فأرسلوا إلى أبي حازم إمام أهل الشام سلمة بن دينار فجاء إليه:
فقال: ما الذي
أبكاك؟
قال: مرت بي
آية.
قال: وما هي؟
قال: ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ (٤٧)
(الزمر)، فبكي أبو حازم معه فاشتد بكاؤهما (1).
وما دروا أن أبا
حازم من نفس مدرسة ابن المنكدر، مدرسة البكائين من خشية الله، ومن عشاق الليل
ليختلوا بحبيبهم الرحمن.
ترق لبكائه
يهودية
لا يتعمدون
البكاء في صلاتهم، بل يغلبهم فلا يستطيعون رد الدموع من اجتهادهم في إخفاء تلك
الدموع، والابتعاد عن مواطن الناس مبالغة منهم في إخفاء العمل رجاء القبول من
الله، ومع ذلك فإنهم ينسون أنفسهم عندما يزداد التفاعل الإيماني، وينسون من حولهم
من الناس. فقد جاء في ترجمة المحدث التابعي يزيد بن أبي سمية قول الواقدي كان من
العباد يصلي الليل كله، ويبكي، وكان معه في الدار يهودية (١٠) فتبكي رحمة له. فقال
مرة في دعائه: اللهم هذه يهودية بكت رحمة لي ودينها مخالف لديني فأنت أولى برحمتي
(١١).
كيف لا يرحمهم
الرحمن، وهم عباده الذين نسبهم إلى اسمه العظيم؟! كيف لا يرحمهم ودموعهم تسيل
فرقاً منه وهروبا إليه؟! كيف لا يرحمهم وقد أفرغوا قلوبهم من كل حب إلا حبه؟! كيف
لا يرحمهم وقد قطعوا لذائذ النوم وانفردوا بما عنده، والأنس بلقائه؟!
حيث يقول الرسول
ﷺ: يا أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام).
الهوامش
(١) المعجم
الوسيط ۷۸/۱ ط . دار المعارف.
(۳) تفسير
القرطبي ٤٧٨٧/٧
(٤) تفسير
الرازي ۱۰٨/٢٤ ط . دار إحياء التراث.
(٥) تفسير
القرطبي ٤٧٨٨/٧
(٦) تفسير
الرازي ١٠٨/٢٤
(۷) رواه مسلم
(مختصر) مسلم (۳۸۹) وبدايته
ينزل الله تعالى
إلى السماء الدنيا...
(۸) تفسير
الرازي ١٠٨/٢٤
(۹) سير أعلام
النبلاء ٣٥٥/٥ ط. الرسالة.
(۱۰) أمته أو
خادمته.
(۱۱) سير أعلام
النبلاء ١٣٣/٦
( ۱۲) رواه أحمد
في المسند، وصححه الألباني الصحيحة رقم ٥٦٩).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل