; رغم مواقف حكومة الجنوب الداعية إلى الانفصال.... اتفاق « تأمين النفط » هل يصب في إتجاه وحدة السودان؟! | مجلة المجتمع

العنوان رغم مواقف حكومة الجنوب الداعية إلى الانفصال.... اتفاق « تأمين النفط » هل يصب في إتجاه وحدة السودان؟!

الكاتب محمد حسن طنون

تاريخ النشر السبت 18-ديسمبر-2010

مشاهدات 54

نشر في العدد 1931

نشر في الصفحة 14

السبت 18-ديسمبر-2010

محللون: يصلح أن يكون مدخلًا لحل جميع القضايا العالقة بين الجانبين.. وعلى رأسها «مشكلة أبيي»

أوروبا بدأت تدرك أخطار الانفصال.. والولايات المتحدة قد تقترح إلغاء الاستفتاء مقابل اتفاق يرضي الطرفين.

توقيع اتفاق تحديد المواقع بين القوات المسلحة وجيش الحركة الشعبية.. إشارة واضحة إلى استبعاد عودة الحرب.

لم يتبق سوى ثلاثة أسابيع على يوم الفصل في السودان، ذلك القطر العربي المسلم الذي يواجه خطر إنفصال ثلث أرضه بموجب إتفاقية السلام الشامل، الذي أعطى الحق لسكان الجنوب في تقرير مصيرهم في التاسع من يناير المقبل.. والمهتمون بالشأن السوداني ليسوا سواء فمنهم المتفائلون وفق قراءتهم لأحداث جرت- ولا تزال- يستخلصون منها نتائج تجعل الأمل يملأ صدورهم، ومنهم المتشائمون الذين يتوقعون أحداثًا مدلهمة لا تسرهم بل تملأ قلوبهم كمدًا وحزنًا!

التفاؤل الذي عم بعض القلوب وبدد كثيرًا من الإحباط الذي أصاب الناس من حتمية الإنفصال مبعثه حدثان ،مهمان لكل منهم دلالته الواضحة.

 أولهما: الإتفاق الإطاري بين الشريكين قبل نحو أسبوعين لتأمين حقول النفط في الجنوب. وقد جاء طلب التأمين من حكومة الجنوب التي رأت أنه ليس بمقدورها حماية الحقول بمفردها ولابد من طلب المساعدة الفعالة من القوات المسلحة.

والذي أعطى هذا الإتفاق أهمية كبرى أنه تم على أعلى المستويات فقد هرع نائب رئيس الجمهورية علي عثمان محمد طه ونائب رئيس حكومة الجنوب نائب رئيس الحركة الشعبية . د. رياك مشار إلى «فلوج» بمنطقة النفط، وصاغا الإتفاق الذي وقعه وزير الدفاع الإتحادي الفريق أول عبدالرحيم محمد حسين، ووزير الجيش الشعبي «نيال دينق» بحضور وزيري الداخلية في الحكومة الإتحادية وحكومة الجنوب وقيادات عسكرية من الجيشين.

كونفدرالية اقتصادية

وقد أشار عدد من المحللين إلى أن هذا الإتفاق يمكن أن يُطلق عليه كونفدرالية إقتصادية، ويصلح أن يكون مدخلًا لحل المشكلات العالقة التي تقض مضاجع الحادبين على مصلحة السودان، وعلى رأسها معضلة «أبيي... ولكن، لماذا كان هذا الإتفاق؟

جميع الحقيقة أنه في خضم التراشق والتشاكس بين الشريكين، ومعركة التسجيل على أشدها وجدت حكومة الجنوب أن مصلحتها الحاضرة تقتضي أن تهرع صوب الشمال تستنجده كي يشاركها حماية الحقول النفطية، ولم يتردد الشريك الأكبر لأنه يعلم أن من مصلحة السودان عموما المسارعة إلى عقد هذا الإتفاق.. وكلاهما الآن يحتاج إلى الآخر، فحكومة الجنوب لا تستطيع الإستمرار بدون النفط حيث لا موارد لديها تغطي مصاريف التسيير ناهيك عن التنمية والإعمار، لاسيما لو إندلعت الحرب مجددًا بين الشمال والجنوب وتعطل إنتاج النفط.

وكذلك الأمر بالنسبة للشمال الذي سيصيبه ما يصيب الجنوب من عجز كبير في حال توقف تدفق النفط عبر أراضيه.

 إشارة اطمئنان 

والحدث الآخر الذي بعث التفاؤل في النفوس هو توقيع إتفاق بين القوات المسلحة وجيش الحركة الشعبية يحدد مواقع كل جيش في إشارة واضحة ومطمئنة لأبناء السودان- شماله وجنوبه- بأنه لا عودة للحرب بينهما مرة أخرى.

ورغم المواقف المتشددة للفريقين وفشل حركة العدل والمساواة، إجتماع الرئاسة في التوصل إلى تسوية مقبولة لهذا النزاع الذي يُخشى أن يكون سببًا في إندلاع الحرب، إلا أن المتفائلين يرون بصيص أمل للإنفراج من خلال تصريح رئيس لجنة حكماء أفريقيًا ثابو مبيكي بعد خروجه من إجتماع مؤسسة الرئاسة الذي ضم الرئيس عمر البشير ونائبه سلفاكير بأنه يتوقع الوصول إلي إتفاق يُرضي الطرفين في أي لحظة، واصفًا تعامل الشريكين مع مقترحاته بالجدية، رغم تباعد المواقف.

وبادرة تفاؤل أخرى ساقتها مبادرة النمسا تحت عنوان «الإعتماد المتبادل وقبول الشريكين لها، فقد جاءت تصريحات وزير الخارجية السوداني علي كرتي بأن الجانبين وافقا على المبادرة التي بدأت بالعاصمة النمساوية فيينا في شهر نوفمبر الماضي وتمت الموافقة على عقد لقاء آخر بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا خلال شهر ديسمبر الجاري بالرعاية النمساوية ذاتها .

ويتلخص المسعى النمساوي في حاجة كل من الطرفين إلى الآخر وإمكانية أن تقودهما هذه الحاجة إلى توقيع إتفاقات سياسية وإقتصادية، ويعتقد بأن هذا ممكن حتى وإن طال الزمن.

إشاعة الفوضى

وكان الأمين العام للحركة الشعبية وزير السلام في حكومة الجنوب «باقان أموم» قد انهم القوات المسلحة بشن غارات عسكرية وقصف مواقع جنوبي خط حدود عام ١٩٥٦م، شمال وغرب بحر الغزال، وقد نقلت الفضائيات تصريحاته التي يكيل فيها الإتهام للشمال ويطلب من الأمم المتحدة التدخل وقال: إن المؤتمر الوطني يسعى الزعزعة الأمن والإستقرار في الجنوب من خلال دعم الميليشيات الجنوبية للحرب بالوكالة بهدف تعطيل الإستفتاء عبر حكومة الجنوب... وكان هذا الإتهام سببًا كافيا لإلغاء الدورة المدرسية التي كان مقررًا إقامتها بمدينة «واو» عاصمة ولاية بحر الغزال بالجنوب بعد أن تمت الترتيبات اللازمة ووصول وفود الطلاب من جميع ولايات السودان الشمالية.

وقد نفى الناطق الرسمي للقوات المسلحة حدوث أي قصف داخل حدود ١٩٥٦م. موضحًا أن ما قامت به هو مطاردة مقاتل وحركة مناوي المتمردتين في دارفور واللتين تتخذان من الجنوب قاعدة لهجماتهما بهدف زعزعة الأمن والإستقرار في إقليم دارفور.. وتتهم الخرطوم حكومة الجنوب بأنها تحتضن حركات التمرد في دارفور، وتسلحها وتمدها بالدعم اللازم وتوفر المعسكرات لتدريب ميليشياتها التي تتسلل من دارفور إلى داخل الخط الفاصل بين الشمال والجنوب.

باقان أموم- الذي تربى وتدرب في كوبا خلال سنوات حكم منجستو هيلا

ماريام للحبشة «إثيوبيا»- شيوعي ذو خبرة بإشاعة الفوضى، ويضع خدماته تحت تصرف الإدارة الأمريكية، من خلال الإلحاح المتواصل على ضرورة تدخل مجلس الأمن، وفرض العقوبات على الشمال دون الجنوب»، وهو يدعو إلى الإنفصال ويريد السماح لحركته في الشمال بالدعوة إلى ما يسمى به السودان الجديد.

 والهدف من هذه التصريحات المتعمدة هو إضعاف القوات المسلحة معنويًا ومحاصرتها دوليا بكسب الدول الأفريقية والمجتمع الدولي المتحامل، وهذه الإدعاءات تهدف إلى نشر القوات الأمريكية التي وعد بها المبعوث الأمريكي والسيناتور جون كيري حال تأزم الوضع وإرتفاع حالة التوتر بين الشمال والجنوب، بالإضافة إلى زيادة قوات حفظ السلام الدولية (UNMIS) أيضًا.

وتؤكد التقارير الصحفية أن حكومة الجنوب تقوم بتلك التصرفات لتغطية الأعمال العدائية التي تنوي القيام بها بالتعاون مع أوغندا وحركات دارفور المتمردة ضد الشمال.. وتريد الحركة الشعبية تحقيق مكاسب، منها: حدوث الإنفصال قبل ترسيم الحدود، ثم وضع اليد على أبيي، وإبعاد سكانها الأصليين من قبيلة المسيرية، ثم طرد جميع الشماليين العاملين في الجنوب.

 إدراك الأخطار

 وسط أجواء التفاؤل والتشاؤم، نجد أن الولايات المتحدة- التي كانت متحمسة الإنفصال الجنوب من أجل إقامة دولة مسيحية تأتمر بأمرها وإرهاق الشمال بالحروب والصراع- قد تغير موقفها: حيث أعلن المتحدث بأسم وزارة الخارجية الأمريكية فيليب كراولي، أن الإستفتاء حول أبيي لن يتم في التاسع من يناير ٢٠١١م كما هو مقرر له، وأن واشنطن تشجع الأطراف على التوصل إلى حل.. وأحد السيناريوهات المطروحة هو إلغاء الإستفتاء مقابل إتفاق يُرضي الأطراف السياسية والقبائل المحلية على السواء.

ويرى المحللون أن هذا الموقف مقدمة للإنسحاب من مشروع فصل الجنوب ولاسيما أن الأحزاب الجنوبية تتقدم الآن رسميا بطعن في الإستفتاء والتسجيل: حيث لم يُسجل من الناخبين داخل الجنوب وخارجه إلا ثلاثة ملايين فقط من جملة الجنوبيين البالغ عددهم، وفق تعداد السكان الأخير، ثمانية ملايين أو يزيد قليلًا، ثلثهم مسلمون.

كما أن مبادرة النمسا تؤكد تخوف دول أوروبا، وألمانيا تطلب تأجيل الإستفتاء ستة أعوام.. ولكن أين «إسرائيل، الداعمة الأولى والمحرضة لحركات التمرد في الجنوب منذ عام ١٩٥٥م وحركات دارفور الآن، والتي ترغب في الإنفصال لسبب رئيس هو نقل مياه النيل بقناة عبر كينيا من دولة الجنوب بعد الإنفصال، وعبر جهات أخرى حتى إيلات... والهدف خنق شمال السودان ومصر لتحقيق حلم إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.

ربما أدركت بعض الدول التي كانت متحمسة للإنفصال أن أخطاره كبيرة فسطوة القبيلة الواحدة مازالت ماثلة وإنعدام الكوادر المدربة لإدارة دولة سيؤدي إلى حكومة ضعيفة فاشلة لا تقوى على شيء وستسقط نتيجة أطماع الدول المجاورة مثل أوغندا وكينيا وإثيوبيا، التي تقع الآن تحت نفوذها!

الرابط المختصر :