; نقاط ضوء... قراءة للأحداث | مجلة المجتمع

العنوان نقاط ضوء... قراءة للأحداث

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 06-مارس-1979

مشاهدات 91

نشر في العدد 435

نشر في الصفحة 21

الثلاثاء 06-مارس-1979

• سيقوم الغرب والأنظمة الحاكمة بتشويه كل حركة إسلامية صادقة

أحداث كثيرة، وأمور متعددة تجري اليوم في الشرق الأوسط- أو بالأصح في الشرق الإسلامي- وهذه الأحداث والأمور تمر سريعة وقوية، مما يوحي بأن هذه المنطقة مقبلة- دون شك- على مرحلة جديدة في مجال الصراع الدولي الدائم. ونحن

هنا سنعرض لأحداث ثلاثة، نحاول من خلالها أن نفهم مدلولات هذه الأحداث التي تتحرك في منطقتنا.

الحدث الأول هو إصدار إدارة الرئيس كارتر أمرًا إلى المخابرات المركزية الأمريكية ­­كما نشرت- جريدة واشنطن بوست مؤخرًا- بدراسة الحركات الإسلامية المختلفة في الشرق الإسلامي، وتقديم هذه الدراسة الفاحصة المستقصية إلى

الذين يصنعون السياسة الأمريكية، للاستفادة منها في إيجاد نوع جديد من التعامل مع هذه الحركات‏ في المستقبل!

والحدث الثاني هو زيارة وزير الدفاع الأمريكي إلى المنطقة في محاولة لإيجاد تحالف عسكري موحد بين السعودية ومصر والأردن وإسرائيل! تحت المظلة الأمريكية لمواجهة ما يسمى بالمد الشيوعي السوفيتي في المنطقة!

والحدث الثالث هو زيارة نائب وزير الخارجية الأمريكية، إلى تركيا لإبلاغها بقرار مؤتمر أقطاب الغرب في «جواديلوب» بمساعدة تركيا اقتصاديًا للتغلب على مشكلاتها التي بدت واضحة من خلال الاضطرابات الشعبية الأخيرة التي شهدتها تركيا!

وهذه الأحداث مجتمعة دون شك نتجت من خلال التطورات الأخيرة التي تشهدها المنطقة الإسلامية، ليس في إيران وحدها بل في كثير من أجزاء تلك المنطقة، سواء في تركيا أو باكستان أو أفغانستان أو مصر..

ولذلك فمن المنطقي أن تربط هذه الأحداث مباشرة بهذه التطورات ورؤيتها ورؤية نتائجها ومدلولاتها من خلال هذا الارتباط.

• ما الذي يحدث اليوم في المنطقة الإسلامية؟!

المحاولة الحقيقية لاستقصاء هذا الذي يجري وإعطاء أحكام مؤكدة واضحة، أمر غير واقعي والأحداث ما تزال في حدتها، والأمور لم تستتب على وضع واضح، ولكن لا ننسى من خلال رؤيتنا للأحداث، ومن خلال استطلاعنا ورصدنا لحركة السياسة الغربية، ولحركة الإعلام الغربي -والأمريكي بخاصة- أن هناك شيئًا جديدًا، وعنصرًا جديدًا، في المنطقة لا نقول بأنه بدأ يهم الغربيين، ويستقطب اهتمام ساستهم وقادتهم، بل الأصح أن نقول بأن هذا الاهتمام قد أخذ شكلًا جديدًا، وتطورًا

ملحوظًا. فالاهتمام الإعلامي قد أخذ يتصاعد بشكل يدعو إلى الريبة والحذر، والاهتمام الرسمي قد بلغ مرحلة جديدة وأخذ مسارًا جديدًا.

من خلال هذا كله نستطيع أن نفسر -أو على الأقل نحاول أن نفسر- الأحداث الجديدة.

هل يخاف الغرب فعلًا من المد الشيوعي؟

إن الظاهرة الإسلامية المتمثلة في بوادر الوعي الإسلامي، وانتشار هذا الوعي في‏ بعض المناطق بدأت تسبب قلقًا مزعجًا للغرب وللشرق على حد سواء، ولعل هذا القلق بالأمور التالية أمر منطقي.

1 - العداء التقليدي  بين الإسلام والصليبية، والتي تعمقت ‎في‏ الحروب الصليبية ثم بقيت في النفسية الغربية حتى في عصر نهضتها الحاضرة، كما يقول الأستاذ محمد أسد في كتابه «الطريق إلى الإسلام» يقول:«لقد أعطت تجربة الحروب الصليبية أوربا وعيها الثقافي، وكذلك وهبتها وحدتها. ولكن هذه التجربة نفسها كان مقتضيًا عليها منذ ذلك الحين فصاعدًا بأن تهيئ اللون المزيف الذي كان على الإسلام أن يبدو لأعين الغربيين به» ويتابع قوله: «ولا شك في أن الأذى الذي جلبته الحروب الصليبية لم يقتصر على اصطدام  استعملت فيه الأسلحة، بل كان أولًا وقبل كل شيء أذى عقليًا نتج عنه تسميم العقل الغربي ضد العالم الإسلامي، عن طريق تفسير التعاليم والمُثل العُليا الإسلاميةتفسيرًا خاطئًا متعمدًا».

ثم يتساءل محمد أسد -المسلم النمساوي- عن سبب هذا الحقد الصليبي ضد الإسلام فيقول «وإني لأتساءل أحيانًا: هل السبب في ذلك يعود إلى أن قيم الإسلام قريبة فعلًا من قيم الغرب، إلى درجة تكفي لأن تشكل خطرًا ممكنًا على كثير من

المفاهيم الغربية في الحياة الروحية والاجتماعية؟».

‏2 - ‏ ارتباط الاقتصاد الغربي بالمنطقة الإسلامية، حيث إن هذا الاقتصاد يقوم أساسًا على المواد الأولية الموجودة في هذه المنطقة، ومن ثم فإن أي تغير في سياسة هذه المنطقة إنما يعني تغيرًا في الهيكل الغربي الذي أجبر ‎به الغرب دول المنطقة على السير فيه، في المحافظة على حياة وتطور واستمرارية الاقتصاد الغربي، الذي بالتالي سيكون له أثر كبير في استمرارية التفوق الغربي في العالم كله... إن الغرب يعرف بأن صحة اقتصاده وقوته وثباته هو العامل الأساسي في استمرار نفوذه وتفوقه في عالم اليوم.‏ وإن أي عامل يحاول أن يضعف هذا الاقتصاد أو يخلخل توازنه سيؤدي إلى سقوط النظرية الغربية، وفشل النموذج العربي للتقدم والتطور والتفوق، ولذا فهو يحرص على إخضاع المنطقة الإسلامية لنفوذه.

ولعلنا نتساءل الآن: هل‏ يخاف الغرب فعلًا من المد الشيوعي -الذي هو حقيقة- في المنطقة؟ حتى يهتم له ولمواجهته ويعمل على إيجاد خطة لإنشاء حلف عسكري يقف في وجه هذا المد؟

هذا الاحتمال -احتمال الخوف من المد الشيوعي- وارد دون شك، خصوصًا وأن هذه المنطقة الإسلامية تحتل مواقع استراتيجية في خارطة الصراع الدولي، ولكن لا نشك أبدًا في أن المد الإسلامي هو العدو الأكبر للغرب، كما هو العدو الأكبر للشرق

على حد سواء، ومن ثم فإن الخوف الحقيقي هو من هذا المد الإسلامي الذي بدأت بشائره وبوادره في المنطقة. ولذلك فإن من المحتمل أن يكون الهدف من هذا التحالف تحت المظلة الأمريكية هو لمواجهة المد الإسلامي، وليس لمواجهة المد الشيوعي كما أعلن عنه ظاهريًا! ودليلنا لطرح هذا الاحتمال هو مؤشر الأحداث في

المنطقة،‏ ولنا في الأمثلة الثلاثة التي أوردناها في هذا المقال مسرح نظر، لنتوصل إلى مثل هذا الاحتمال!

‏لماذا تريد أمريكا أن تقوم بدراسة وافية مستقصية عن الحركات الإسلامية؟

ولمذا تحاول إقامة‏ التحالف العسكري المقترح في هذا الوقت بالذات؟

‏ولماذا يجتمع الأقطاب في «جواديلوب» ويقررون دعم الاقتصاد التركي الآن، وهم من قبل تسببوا في انهياره وأصروا على عدم دعمه؟!‏

ولنا أن نختم هذه المحاولة لفهم الأحداث ببعض توقعاتنا لما يمكن أن يحدث مستقبلًا لمواجهة المد الإسلامي. وهذه مجرد توقعات محتملة نستند فيها على الأحداث التي نعيشها اليوم.

1 - سيقوم الغرب بدراسة الظاهرة الإسلامية دراسه وافية، وسيتخذ حيالها الأساليب التي تتناسب مع تصاعد هذه الظاهرة للقضاء عليها- وهذا ما يشير إليه

خبر واشنطن بوست.

2 - ‏ يمكن أن يقوم الغرب

‎بمحاولة استخدام الإسلام والشعور الإسلامي العام في المنطقة. وركوب هذه الموجة.‏ وذلك بتحسين صورة ووضع الأنظمة القائمة في المنطقة، أو بتغييرها لتتواءم مع الاتجاهات الجديدة، وسيكون لهذا العمل أثره في تحذير هذه الاتجاهات الإسلامية أو محاولة تفريقها بعضها عن بعض.

3 - ‏ محاولة امتصاص الطاقات الإسلامية المتحمسة، وذلك بتشجيع بعض الأعمال والاتجاهات الإسلامية الجانبية أو التي لا تؤثر في خلخلة الكيان السياسي والوضع القائم في المنطقة.

4 - ‏ ربما يقوم الأعداء بالسماح بقيام دولة إسلامية واقعية ثم يحاولون ممارسة كل الضغوط والأساليب التي تعمل على إفشال استمرارية هذه الدولة، ومن ثم يقوم الأعداء إعلاميًا وواقعيًا بإقناع المسلمين بفشل قيام دولة إسلامية في العصر الحاضر.

5 - ‏ ومن خلال ذلك كله سيقوم الغرب وكذلك الأنظمة الحاكمة بتحطيم وتشويه كل حركة إسلامية صادقة مؤثرة، والتنكيل بأتباعها وإبعادهم عن التأثير في شتى المجالات.‏

• تلك بعض الرؤي والتوقعات نطرحها لإيماننا بأن على المسلمين اليوم أن يتحركوا ويعملوا ويفكروا.

إن دور المشاهد للأحداث الذي يمثله المسلمون اليوم يجب أن ينتهي فإن سرعة الأحداث وخطورتها تفرض وعيًا سياسيًا يعمل على فهم هذه الأحداث ومواجهتها. ومما لاشك فيه أنه بقدر اهتمام الغرب والأعداء بدراسة وبحث الظاهرة الإسلامية

فإنه ينبغي للحركات الإسلامية المستهدفة بتلك الدراسات أن تكون علي وعي بهذه المخططات، وأن تقوم بالتالي بدراسة أوضاعها ومخططات أعدائها لمواجهة هذا التحدي السافر الذي تعلنه قوى الضلال ضد الإسلام والمسلمين!                                                                                                  

      أبو سهيل

الرابط المختصر :