العنوان أساسيات العمل في المجال الاقتصادي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 27-نوفمبر-1979
مشاهدات 76
نشر في العدد 460
نشر في الصفحة 35
الثلاثاء 27-نوفمبر-1979
موضوع البنوك والتأمين قضية انشغل بها الفكر الإسلامي في الحقبة المعاصرة وعُقدت له مؤتمرات، ونوقش في ندوة وأفردت له صفحات من كتب ومجلات وما زال الوليد يحبو.
والحق أننا كلما اقتربنا من صراط الله المستقيم وسنة نبيه الأمين كان اللقاء هو الأصل نتعاون فيه على ما اتفقنا عليه، والخلاف هو الاستثناء الذي يعذر بعضنا بعضًا فيه. ثم يكون لمن له الأمر الرأي الحاسم فيما اختلف فيه حين التحرك إلى العمل دون أن يجد المخالف غضاضة في ذلك.
لهذا سأبدأ محاولة لاقتراح مبادئ العمل الإسلامي في المجال الاقتصادي، إذا اتفقنا عليها سنختصر المسافات التي تنجم من النقاش والشقاق.
١- يجب أن نتفق على أن ما وصلت إليه البشرية ليس كله مرفوضًا لأن منه الصالح، فالبشر رغم بعدهم عن دين الله، فإن الله قد أعطاهم ملكات، منها:
أ) فطرتهم التي جبلت أساسا على الانسجام مع سنن الله، فهم حين ينحرفون لا تزال بهم تشدهم بإلحاح نحو الصواب وتبعدهم عن الانحراف.
ب) عقولهم التي أحيانًا ما تصل إلى الحقيقة في كشوفها في كتاب الكون والحياة، ولكن الألف والمعصية والجبن تمنعها من اتخاذ موقف مصيري، ذلك فضلًا عن أنها محدودة تدرك القليل.
لهذا كان لازمًا لنا أن يكون دليل العمل الذي يصل بنا إلى الحق فكرًا والهدى سلوكًا والرحمة حياة ليس فطرة لأنها مجرد نزوع، ولا عقولنا لأنها محدودة. وأمر التشريع لا يدعيه لنفسه إلا من كان عنده العلم الكامل عن الكون المحيط بالإنسان لأنه متأثر به إلى أبعد مداه، ولا بد أن يكون عنده علم عن الزمان في الماضي السحيق والمستقبل المغيب لأن الإنسان والكون والحياة.
التشريع إلا من خلق، ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (الملك: 14). من هنا لا بد للإنسان من الملكة الثالثة وهي الإسلام.
جـ) الإسلام هو الرحمة المهداة للبشر لتنظم حياتهم وتحدد أحكامهم من كتاب الله وسنة رسوله فيتم الانسجام بين الإنسان وتكون الحياة.
وإذا ترك هذا الأمر إلى عقله ما أمكنه إلا الظن، وإذا أعطاه لحسه فإن الهوى لابد أن يتغلب على حكمه، وصدق الله العظيم ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَمَا تَهۡوَى ٱلۡأَنفُسُۖ وَلَقَدۡ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ ٱلۡهُدَىٰٓ﴾ (النجم: 23)
مأزق خطير
٢- لقد وضعنا كيد الأعداء وضعفنا الذاتي في مأزق خطير، فقد أوهمنا بحتمية التلازم بين النهضة المادية ونظم الحياة المعاصرة المخالفة لهدى الله، بحيث تخيل البعض ألا تقدم إلا بالرفض أو الهروب أو التحايل لتراثنا العريق، إلا أننا يجب أن نلتقط أنفاسنا ونرى أن التقدم المادي في عالم الغرب ليس إلا مجرد قشرة سطحية تحمل في داخلها بركانًا من الفوضى والقلق. إنه كالجسم المتورم يملأ العين مهابة عن بُعد وهو مليء بالأمراض. وهو مناقض للفطرة ويظل في حرب معها إلى أن يأذن الله لها أن تنتصر. وتتجه المدنية اليوم نحو مزيد من الجنون واليأس والانتحار، تتفنن في إرهاق البنيان المادي للإنسان والنسيج المكون للأسرة، وتطفئ شعلة الروح فيه بالتمرغ في أوحال الشهوة والرذيلة، تتنافس في تطوير أدوات الهلاك وتسعى بمخالبها في تمزيق كيانها دون تدبر ووعي. باعترافهم يقولون لقد أصبحوا أغنياء في الأشياء فقراء في الانسجام والأغراض. هم أناس بهم انضباط الآلة ونظامها والتزامها، ولكن الإنسان قد تضاءل في نفوسهم في نظافته الخلقية وطهارته وإيثاره وتراحمه.
لذا يجب الحذر في الدعوة إلى العصرنة بحجة أن ما ينقصنا لنهضة المسلمين هو التكنولوجيا والمؤسسات. وذلك صحيح جزئيًّا، ولكن هذا الاتجاه وحده يؤدي بنا إذا لم نزنه بإسلامنا إلى تجاوز الإسلام، وهنا لن نلحق بركب التقدم، وأمامنا دول إسلامية تشهد لذلك. وهنا سنستعير جراثيم الماضي من الغرب، ولن نجد في أنفسنا الطاقة الدافعة إلى التغيير، ولا الحصانة اللازمة من الأخلاق. فالأمر يحتاج أولًا إلى عقيدة تولد حافزًا لا يهدأ حتى يقيم واقعًا، وأخلاق ظاهرة وباطنة تحفظ وتصون العرض والمال، ورجال عقائديين يحققون المعجزات وتحتاج إليهم المؤسسات أكثر مما تحتاج إلى الفن والخبرة.
نحو نظام عالمي صالح
٣- وهنا يكون مفهومًا من جهدنا هذا في العمل الإسلامي أننا لا نسعى فقط إلى إخراج المسلمين من حرجهم والبحث عن الرخص التي يتطلبها الواقع، ولكن إنما هي رسالة إنسانية عالمية نحو إيجاد نظام عالمي جدید تبحث عنه البشرية ووجدناه في كتاب الله وسنة نبيه. إننا نسعى لإخراج الإنسانية من الشقاء إلى السعادة ومن الذل إلى العزة ومن الشقاق إلى الرحمة ومن الضياع إلى القيم ومن الضلال إلى الهدى. إنها رسالة سامية وأمل مشرق. إنه ليس إذًا محاولة للخروج من أزمة، إنما إنقاذ للعالم بالهدى الذي أنعم الله به علينا.
ومن ثم سنناقش مشكلة التأمين والبنوك من خارج الواقع لنقيمها، أما مناقشتها من داخل الواقع باسم الخروج من الحرج فإن أقدامنا ستضل الطريق، ويكون كل همنا هو إثبات الحلال لما ليس أهله ونعتسف النصوص ونؤولها فوق ما تطيق، ولن نستطيع بذلك أن نحقق الإصلاح الذي تفيض به الشريعة.
وهنا ندرك مدى الخطأ الذي وقعنا فيه حين نتصور أن الأمن لا يتحقق إلا بالتأمين فحسب، أو أن الفائدة قرين ضروري للبنوك، فالبنوك تقوم دونها.
لقد أضر بالفكرة أبلغ الضرر أن يقدم المتخصصون إلى الفقهاء التأمين على أنه مقصور على صورتين: تبادل وتجاري، ثم أساؤوا حين نقلوا التأمين التبادلي بصورة صحية من التعاون دون أن يضعوا أمام الفقهاء أخطاء هي أساسية فيه ولا يمكن غض الطرف عنها. هذا المأزق أضعف من طاقة التجديد في البحث الإسلامي عن بديل، إن لم يكن قد أدى إلى حمل النصوص على ما توهم أنه حرج ومشقة على المسلمين.
٤- الأحكام الآمرة والناهية في الكتاب والسنة هي منارة الهداية للمسلمين في حياتهم وليس ذلك بالفهم المباشر، وإنما يتعداها إلى الدلائل والأمارات، حيث تمتد العلة إلى سائر المفردات، فالعبرة بعموم اللفظ لا خصوص السبب.
وما لم يرد نص بالحل أو الحرمة فإن الأصل في الأشياء الإباحة. فلا بد أن تكون مع القاعدة: حيثما وجدت المصلحة فثم شرع الله قاعدة سابقة عليها، وهي: حينما وجد شرع الله فهو المصلحة.
نذكر هذا لنرفض ذلك الفهم النصراني الغريب للمصلحة الذي يقوم ابتداء على تنحية نصوص المعاملات على أنها من خصوصيات الرسول أو أنها قضية عين قياس عليها موهمين الناس أنها المصلحة التي تحدث عنها الفقهاء.
الفارق بعيد، فالمصلحة عند الفقهاء لها شروط، منها أن تكون معتبرة وعامة ومتعينة أي ليس لها بديل آخر وتقدر بقدرها وتنتهي بملابساتها.
ثم أيضًا نرفض موقف الطرف الآخر الذي لا يرى تصحيح أي عقد إلا إذا كان له مثيل في العقود السالفة لأن التصحيح أو الإبطال يرتبط بالنصوص التي تبين الحلال والحرام ولا يرتبط بأشكال العقود التي قامت لظروف عصر بذاته.
وهذا الموقف الوسط بين مَن تجاوز الفقه حتى انتهى إلى تجاوز السنة أو من التزم به حتى فيما لم يرد به نص فضيق على الناس متسعًا. ولم يشفع للبعض قياسه على المتون أن يصل إلى إباحة ما يصطدم بالنص.
والحق أن الرجوع إلى الفقه ضروري لنا نحن أصحاب الدراسات الغنية لأنه على الأقل يعطينا الثقة بالصحة الشرعية لما تبديه من آراء، وذلك في الأمور التي لم يرد فيها نص. ومن ثم فإن دعاوى العصريين الهادنة إلى تجاوز الفقه مرفوضة عقلًا وورعًا ونقلًا.
٥- وأعتقد أيضًا أنه لا مكان للعاملين في بحثنا هذا لمن أباح أخذ الربا وممارسة التأمين للدولة اجتهادًا منه في الأصول، كما زعم بجواز ذلك بين العبد وسيده والأب وابنه. ولكن إذا كانت العلة هي السماح بأكل المال لأن الذمة المالية واحدة فجعلت للأب حقًّا في مال ابنه، فإن هذا لا يبيح العقد الفاسد كعقد الربا.
العلاقة بين الدولة ورعاياها
وليست العلاقة بين الدولة ورعاياها كما هي العلاقة بين العبد وسيده والأب وابنه.
والأصل في الإسلام أنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه. وهذا الباب يفتح على مصراعيه حق الدولة في مصادرة المال وإذلال العباد وغلاء الأسعار ورفع الضرائب، بل وإباحة الخمر في مصانعها.
والفطرة أن الحرام حرام وإن مارسه الحاكم أو المحكوم أو الدولة أو رعاياها.
وأعتقد أنه أولى بالعمل الإسلامي الرائد في المجال الاقتصادي بنوكًا كان أم تأمينًا أن يأخذ من المبادئ السابقة قاعدة عظيمة في الفقه: «الأولى ترك الخلاف».
فيجب ذلك لأنه سيكون منارة تُهتدى إن أمكنه ذلك أن يتجاوز ما اختلف فيه لا أن يتجاوز التأويل المتعسف فحسب.
٦- يلزم العمل الإسلامي في المجال الاقتصادي بالذات قاعدة مهمة، حيث إنه لابد من قيام العمل من مال له أصحاب يساهمون، فلا بد من أن تتولد حاسة مهمة، هي أن هدف المشروع له أولوية على مقدار ربحه. ونحن نسلم بضرورة الربح حتى لا ينتكس العمل. ولكن إذا كانت الإدارة من أصحاب المال فإن الهدف الإسلامي سيكون ثانويًّا. فالعبرة ليست بالربح، وإنما بأسلوب الربح. وهنا لنطلق التجربة تحقق أهدافها الإسلامية لا بد من فصل الإدارة عن أصحاب المال. ولابد أن تكون نية أصحاب المال موجهة ابتداء إلى التعبد بإقامة الحجة على الناس من مالهم قبل السعي إلى مضاعفة هذا المال، وهذا ضروري أيضًا رعاية للمسلمين، فإن المسلمين وقد أدفأهم حماس الإسلام ودفعهم الخوف من الحرام سيقبلون على التعامل مع هذه المؤسسات دون نظر إلى الشروط ثقة في الهدف الأساسي.
وهذا المبدأ ضروري جدًّا بالنسبة إلى العمل الإسلامي في مجال التأمين.
فالأصل أن التأمين خدمة، وأنه يقاس نجاحه بمدى ما قدمه من رعاية وأمن لمجموع المتعاملين قبل أن يقاس بمقدار ما قدمه من ربح لمساهميه. ولكن هذا الهدف ما لبث أن تحول إلى سعاراستثماري في شركات التأمين التجارية لما تحققه هذه الشركات من أخذ الأقساط أو استثمار لأموال المستأمنين.
وهنا خطورة الاستثمار على العمل الهادف؛ حيث حُمى الربح تطغى على كل شيء.
بين الدولة والعمل الشعبي
٧- يجب أن نفرق بين التوصيات التي تقدَّم لدولة والتي تقدَّم لعمل شعبي في مجال الاقتصاد الإسلامي، لأن الدولة لها من الإمكانات والطاقات ما لا يطيقه العمل الشعبي. ولو قاس نفسه بحجمه الصغير على الدولة فإنه لعدم توافر الإمكانات العامة له يعجز عن أن يصل إلى الهدف فينزع إلى الترخص باسم المصلحة ولو كان ذلك لمجرد فوات لفرصة ربح. والنتيجة أنه يقترب رويدًا رويدًا لما قام أصلًا لتصحيحه. وهنا تكون المصيبة المورثة لليأس في نفوس المسلمين الذين عقدوا عليه الآمال.
فإننا مثلًا إذا قمنا بعمل إسلامي شعبي كمؤسسة تأمين، فلا بد أن نسأل أنفسنا أولًا أين نحن من فهم الإسلام الحق عن التكافل.
إن قاعدة الأمن في الإسلام هي الزكاة، وبعد ذلك يكون التأمين؛ لأن الزكاة حق الفقير والمسكين والمصاب بكارثة دون مقابل منه، بينما التأمين فهو تعويض لمستأمن نظير قسط. لهذا مجال ولهذا مجال، وإذا كان الأول من الضروريات والحاجات فالتالي من التحسينات ولا تعارض بينهما.
لكن الزكاة وظيفة دولة ولا تظهر قيمتها إلا بذلك، فهل نقف عند ذلك! وليس الأمر واقفًا على ضياع التحسينات وإنما الضروريات والحاجات. أم نتحرك بعمل شعبي غير ربوي أو استغلالي لنرفع عن المسلمين حرج الحرام؟
وهنا يكون البحث الهادف، إذا كنا نتحدث على نطاق الدولة فلا بد أن نبدأ بالزكاة كأصل والتأمين كاستثناء. وإذا كنا نتحدث عن الجهد لعمل شعبي فلا بد أن نبدأ بالتأمين كنقطة انطلاق إلى الأصل وهو الزكاة.
وبلا شك أن قيام بنوك تأمين على أساس إسلامي يُسهم في الجهود المبذولة لسرعة قيام مجتمع مسلم؛ ذلك لأنه:
أ) يهيئ فرصة العمل الإنساني المنظم الذي يثري الإيمان فكرًا وسلوكًا في نفوس العاملين به، ويوثق الرابطة بينهم ويجمع من شتاتهم.
ب) يرفع الحرج عن المسلمين الساعين إلى طاعة الله واجتناب ما حرمه بإيجاد مخرج من الجحور التي أزهقت أنفاس المد الإسلامي.
جـ) بنجاحه يكون شهادة حق تشجع الحكومات والشعوب أن تحول الجهد من بنيان على شفا جرف هار إلى بنيان مؤسس على تقوى من الله ورضوان.