العنوان الإسراء بين النقل والعقل
الكاتب علي عبد العزيز
تاريخ النشر الثلاثاء 01-مايو-1984
مشاهدات 78
نشر في العدد 669
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 01-مايو-1984
أخطأت بعض الفرق الإسلامية حين رفضت المعجزات لعدم توافقها مع العقل
الخطأ كل الخطأ أن يقام للوجود كله مقياس واحد يقاس به الأحداث والأشياء والأحياء والقدرات
«1» الإسراء: هو حدث جلل من الأحداث الهامة في تاريخ الإسلام لما يحمل في طياته من أمور هي موضع جدل الأجيال سواء كان ذلك في طبيعته أو في مضمونه، ففيه المعجزات من إسراء وصعود وفيه الشرائع من عبادات ومعاملات وفيه العطاء من إكرام وأنعام وفيه الآيات كالمشاهد والأخلاق، هذا الحدث أخبر به الحق وحكاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم افتتن به الخلق فهناك من قبله كلية وهناك من رفضه كلية وهناك من قبل بعضه ورفض البعض الآخر.. إلخ ولعل هذه الفتنة هي المشار إليها في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ﴾ (الإسراء: 60).
أ- إذن فلماذا رفض الناس المعجزات وقبلوا الاكتشافات؟
ب- ولماذا رفضوا الصعود يوم الإسراء وقبلوا الصعود من رائد الفضاء؟
ج- ولماذا رفضوا شق البحر وقبلوا مصانع التبريد لإنتاج الثلوج؟
د- ولماذا رفضوا علم الأرحام وقبلوا تحويل الذكور إلى إناث والعكس بين الأنواع؟
هـ- ولماذا رفضوا إحياء الموتى ودخول النار وشرب الماء فضلًا عما وقع يوم الإسراء؟
«2» إن من أهم الأمور التي جعلت الناس يردون هذه المعجزات أمرين لا ثالث لهما هما:
1- اعتبار هذه المعجزات خوارق لقوانين الوجود وهدمًا لنظام الحياة.
2- اتخاذ العقل معيارًا يقاس به جميع الأشياء والأحياء فضلًا عن الأحداث والقدرات.
وأن نظرة متأنية لهذين الأمرين تجعلنا في حل من الارتباط بهما وتبيان خطئهما بل لا تلبث أن نرى صيرورة الأمور بين هذين المقياسين وبين المعجزات غاية في الوفاق لا الشقاق.
«أ» إن الثابت العلمي يقول: إن الطائرة تطير بقانون وعند هبوطها تهبط بقانون وعند تصميمها صممت أيضًا بقانون... إلخ إذن فهي بخروجها عن الغلاف الجوي وتخطيها منطقة انعدام الوزن لم تخرق بهذا قانون الجاذبية الأرضية وإنما تجاوزته بقانون آخر هو ما يعرف بقانون «الفعل ورد الفعل المساوي له في القوة والمضاد له في الاتجاه» وعلى هذا فنحن أمام تفاضل في القوانين ولسنا أمام خرق ولا هدم لقانون الجاذبية الأرضية أو القوانين أخرى.
«ب» وهناك مثل آخر وهو صعود الماء في ساق النخلة فلم يكن فيه خرق ولا هدم لقانون الجاذبية الأرضية وإنما فيه تفاضل بين هذا القانون وقوانين أخرى مثل قانون تماسك العمود المائي أو قانون الخاصة الشعرية أو قانون الضغط الأزموزي... إلخ.
هذا بالنسبة للأمر الأول أو المقياس الأول وهو الزعم بأن هناك شقاقًا لا وفاقًا بين المعجزة والقوانين باعتبارها خارقة للقوانين أما بالنسبة للمقياس الثاني وهو اعتبار العقل حاكمًا على الأشياء والأحياء فضلًا عن الأحداث والقدرات فإليك البيان بإذن الله:
1- إن العلم أثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن هناك أشياء في الوجود فوق قدرة السمع وفوق قدرة البصر وفوق جميع المدركات الموجودة في جسم الإنسان، فهل يعقل أن تنكر هذه الأشياء لمجرد قصورنا عن فهمها أو لكونها فوق قدرة مداركنا؟؟
2- هل يصح أن ينكر الضوء لعدم معرفتنا كنه الوسط الأثيري وما يسير فيه ويحتويه من أمواج صوتية أو أمواج ضوئية؟
3- هل يصح أن ينكر نشاط الإنسان من حركة ونسل وإخراج وإحساس لعدم معرفتنا بكنه الروح ومكان الروح وكثافة الروح في جسم الإنسان؟
4- هل يصح أن ينكر الإحساس والإدراك في وظائف الإنسان لعدم معرفتنا لكنه الإشارات المنبهة للعين والأذن ومراكز الإدراك والإحساس؟؟
5- هل يصح إنكار وظيفة العقل في الإنسان المجرد عدم معرفتنا بكنه عمليات التفكير والتي لا سبيل لأحد عليها من حيث العمل أو عدمه؟ إلخ.
6- إن الإنسان من خلال هذه النظرة المتأنية والمحايدة في نفس الوقت لا يستطيع إنكار هذه الأشياء من ضوء وحركة وإحساس وإدراك بحجة أنها غير مدركة لدى قوانين البشرية بل يؤمن تمامًا بأن الخوارق لا تختلف عن القوانين المبثوثة في دنيا الوجود بغض النظر عن كونها معروفة لدينا أو مجهولة وأنها أي الخوارق تجري على قدم الإنسان والوفاق بينها وبين سائر القوانين التي تنتظم الكائنات باعتبارها مخلوقة الله كسائر المخلوقات وأنها أيضًا لم تأت لهدم النظام أو لخرق قوانين الحياة وإنما يشهدنا الله من خلالها على قوانين أرقى ونظم أعلى إننا نعيش اليوم في عصر لم نعد نستغرب فيه المعجزات لأن عطاء الله متجدد في دنيا الناس لأنه قال في كتابه : ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا﴾ (فصلت: 53) فقد أرانا الله من الكشوف والعلوم ما لم يره الأولون رغم فضلهم علينا وتوصيلهم الأمانة إلينا ولسوف يرى اللاحقون بنا ما لم نره نحن من كشوف وعلوم كذلك ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (النمل: 88) لأنه سبحانه لا يحابى ولا يداجى ﴿سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾ (غافر: 85).
7- إذن فإذا أرانا الإسراء أو الانشقاق ولم يكن لدينا علوم كما هو الحال الآن من علوم الفضاء والطيران وقوانين الجاذبية والفعل ورد الفعل... إلخ فلا يصح إنكار تلك المعجزات لمجرد عدم معرفتنا بها أو لكونها فوق إدراكنا لأن النظرة الإيمانية تعصمنا من الزلل في عقيدتنا أو تصوراتنا، أن المسلم لا يعرف التوقف ولا الإنكار مع قضاء الله واختيار الله وخلق الله وأمر الله لأنه سبحانه له «الخلق والأمر» ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ﴾ (الأحزاب: 36) وهذا هو موقف أبي بكر يوم الإسراء موقف هاجر يوم زمزم وموقف ‘براهيم يوم الذبح وموقف أم موسى يوم البحر ﴿لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (القصص: 10).
(3) أ- لقد أخطأت بعض الفرق الإسلامية حين رفضت المعجزات لعدم توافقها مع العقل حتى أنها تحايلت على القرآن وقالت: إن موسى لم يشق البحر بعصاه وإنما عصاه هي الشريعة التي فرقت بين الحق والباطل وأن اليد البيضاء لا تعدو عن كونها رمز الخير والإحسان وأن إحياء عيسى للموتى كان للنفوس وليس للأجساد... إلخ.
وكذلك أخطأ إبليس لقياسه الإنسان على الجان وأخطأ الملأ الأعلى حين قاسوا الملائكة في خلافة الأرض على الإنسان، وكذلك الناس أخطأوا حين قاسوا الأنبياء على سائر الناس.
ب- إن الواقع يرفض وجود مقياس واحد تقاس به جميع الأشياء والأحياء والأحداث والقدرات... من قال إن ميزان الذهب كميزان البقال؟ ومن قال إن ميزان البقال يصلح القياس الأثقال والأحمال؟ ومن قال إن الميزان القباني يصلح لتقدير الناقلات العابرات القارات؟
ج- أيضًا من قال إن ميزان الحرارة للإنسان يصلح للمختبرات؟ ومن قال إن مقياس طورشللي يمكن أن يقوم مقام ميزان حرارة الإنسان؟ إلخ.
إن الخطأ كل الخطأ أن يقام للوجود كله مقياس واحد يقاس به الأحداث والأشياء والأحياء والقدرات لأن ذلك مغاير للواقع ومغاير للمنطق ويغاير العقل ويغاير تعاليم السماء فضلًا عن خروجه على الفطرة ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الروم: 30).
د- إن الأمر الذي يجب أن نتواصى به في هذا الصدد هو أن عقيدة المسلم في الغيب قامت على أساس شيء يجهله لا يستند فيه على عقل دون النقل لأن النقل هو دعامة الأمر في المغيبات، فلا يصح إذن أن يقاس الأمر المتصل بالخالق على الأمر المتصل بالمخلوق ولا المطلق بالمحدود «أفمن يخلق كمن لا يخلق؟» قصارى ما يمكن أن يقوله الإنسان كما جاء في التنزيل: ﴿قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (الفرقان: 6).
هـ- إن هناك فرقًا بين شيء ضد العقل وشيء فوق قدرة العقل كالآلات التي تقرب الرؤيا أو التي تقرب السمع فهل معنى ذلك أن تكون هذه الآلات ضد العقل أو خرقًا للقوانين أو هدمًا للنظام أو أنها فقط فوق قدرة العقل ومتسقة ومتفقة تمامًا مع ما جاء به الوحي؟؟
إننا نثق بالعلم حين يقول فلماذا لا نثق بالوحي حين يقول؟؟ إن الوحي ليس ندًا للعقل وإنما جاء ليسدده ويوفقه فلا يصح أن يحكم العقل في الوحي وإلا صرنا كالذين ﴿بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ (إبراهيم: 28) بقلب الحقائق وستر الوقائع، لقد كان في تفضيل آدم على الملائكة أن علمه الأسماء بمسمياتها فلا يخلط بين الجمل والجبل ولا الأسود والأبيض... إلخ حتى لم يكن من الملائكة إزاء هذا إلا أنهم قالوا: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ (البقرة: 32)..
(4) الخلاصة.. هي ألا:
1- يصح المقياس الواحد لإخضاع الكائنات إليه.
2- يصح تعميم المقياس الواحد في الأحداث والأشياء والأحياء والقدرات.
3- يصح نفي المجهول لمجرد جهلنا به وعدم وقوفنا عليه.
4- يصح اعتبار المعجزات خارقة للقوانين أو هادمة للنظام.
5- يصح نبذ القوانين المجهولة لدينا لمجرد وجود قوانين تعلمها.
6- يصح تحكيم العقل فيما يتعلق بالوحي لأن الخالق غير المخلوق والمطلق غير المحدود.
7- يصح الإيمان بالمغيبات مع إنكار المعجزات لأن اعتماد الغيب على الوحي لا على العقل.
8- يصح اعتبار ما هو فوق قدرة العقل بأنه ضد للعقل.
هذا وبالله التوفيق
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل