العنوان أزمة الحضارات في القرن العشرين(۲ من۳).. أوهام هنتنجتون حول صراع الحضارات
الكاتب روبرت كرين
تاريخ النشر الثلاثاء 11-يوليو-1995
مشاهدات 63
نشر في العدد 1157
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 11-يوليو-1995
* عبارة المجتمع الدولي أصبحت هي البديل الملطف لإضفاء الشرعية الدولية على القرارات التي تعكس مصالح الولايات المتحدة
* إن الذين يؤججون نيران المواجهة بين الحضارات إما جهلاء لدرجة الإجرام، أو أنهم قد أعلنوا الحرب ضد الشعب الأمريكي
دراسة بقلم: د. روبرت کرین
(*) رئيس جمعية المحامين المسلمين في الولايات المتحدة الأمريكية، ومستشار الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون، وسفير أمريكا الأسبق بدولة الإمارات العربية المتحدة.
- ترجمة: عمر ديوب -حق النشر بالعربية لـ "المجتمع".
ثالثًا: التحالف الصيني -الإسلامي: وبعد أن صال هنتنجتون وجال في الجانب الفكري لأطروحاته السياسية ذهب إلى التنبؤ بحدوث تحالف بين حضارتين أولاهما الحضارة الإسلامية بما فيها الشعوب الإسلامية المنتمية إليها من جانب والحضارة الكونفوشيوسية التي تضم الصين وتمتد إلى ما وراء بلاد الصين من جانب آخر، ثم ذكر هنتنجتون بالخوف المتوارث لدى الغرب بقوتين غزتا القارة الأوروبية في السابق، ألا وهما: العثمانيون والمغول، كما ذكر أيضًا بالخوف المزمن لدى الشعوب الغربية من أن تغرق في يوم من الأيام وسط خضم من ملايين الغرباء الذين ينتمون إلى حضارات غير عربية.
ولكي يسير هنتنجتون على منوال أسلافه الذين بدءوا الحملة الشعواء ضد الحضارة الإسلامية -والتي نشهدها حاليا- أسهب في اقتباس ما ذكره المستشرقون الجدد، وعلى رأسهم المؤلف الهندي المسلم محمد أكبر، الذي ذكر بأنه بعد أن سقط النظام الشيوعي سيخوض الغرب مواجهة أخرى تنطلق شرارتها من العالم الإسلامي، وسوف يبدأ قيام
نظام عالمي جديد عن طريق الثورات التي ستجتاح العالم الإسلامي من شرقه إلى غربه، ثم أكد هنتنجتون تلك التنبؤات مقتبسًا ما كتبه برنارد لويس في مقال نشر في سبتمبر ۱۹۹۰م تحت عنوان جذور الغضب الإسلامي والذي مهد الطريق نحو قيام عاصفة الصحراء، حيث ذكر بأننا «مقبلون على حركة ستكون خارجة عن سيطرة الساسة والحكومات وتتمثل في قيام صراع بين الحضارات يتسبب فيه عدو قديم لتراثنا اليهودي- المسيحي وللعلمانية حاليًا ولانتشارهما في العالم».
كما حذر هنتنجتون صانعي السياسة الأمريكية قائلًا: يوجد في كل من أوروبا وآسيا
توترًا ساخنًا في العلاقات ما بين مختلف الحضارات وبالأخص في العالم الإسلامي سواء من إفريقيا إلى آسيا الوسطى، وذكر الصدامات التي تحدث بين المسلمين من جانب وبين الصرب في منطقة البلقان، واليهود في إسرائيل، والهندوس في الهند، أو البوزيين في بورما، والكاثوليك في الفلبين من جانب آخر فما أخطر حدود العالم الإسلامي؟
ولكن لماذا لم يتساءل هنتنجتون عن كون المسلمين يمثلون ۸۰٪ من إجمالي عدد اللاجئين في العالم، وبالفعل فإن حدود البلدان الإسلامية محفوفة بالخطر، وهي مسرح أيضًا لعملية إراقة الدماء التي بدأت على أيدي الشيوعيين في سينكيانغ، حيث شهدت عمليات إبادة دامت لمدة عقود بحق المسلمين هناك، وكذلك على يد القوميين الروس وحلفائهم الفاشيين في جمهوريات آسيا الوسطى، حيث تمت عمليات إبادة وسحق المسلمين في عام ۱۹۹۲م، راح ضحيتها ٣٠ ألفًا من مسلمي طاجيكستان وتشريد ١٥٠ ألفًا آخرين، علاوة على ما طرأ مؤخرًا في الشيشان من حرب إبادة وتطهير عرقي للمسلمين، كما بدأت إراقة الدماء أيضًا على يد الحكومة العلمانية في كشمير، حيث وقعت مأساة مماثلة لمأساة الشعب البوسني ولم يعرف عنها العالم شيئًا لعدم سماح الهند بحُرية نقل المعلومات، وقد يفهم المرء من هَذيان هنتنجتون أن المسلمين يهاجمون البوذيين في بورما والهندوس في الهند واليهود في «إسرائيل»، والصرب في البوسنة بدلًا من محاولة الدفاع عن أنفسهم من المعتدين، وقد أصاب هنتنجتون هذه المرة عندما اعترف بالتناقض الموجود في سياسة الولايات المتحدة، ففي الوقت الذي تعمل فيه على حرمان مسلمي البوسنة من حق الدفاع عن أنفسهم فإنها ترفض فرض عقوبات على «إسرائيل» من جراء ممارساتها داخل الأراضي المحتلة، ثم أكد هنتنجتون بأنه لا مناص من أن يشهد العالم صراعًا بين الحضارات، وإن ذلك لا يحدث إلا في عالم تسود فيه سياسة الكيل بمكيالين، حيث تتخذ الشعوب معايير خاصة بها وأخرى للشعوب الأخرى.
كما ذكر أن القضايا ذات الصلة بالسياسة والأمن العالميين تقوم بتسويتها حفنة من الدول المؤلفة من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا، أما القضايا الاقتصادية فتتحكم فيها الولايات المتحدة وألمانيا واليابان، وكل هذه الدول تربطها علاقات وطيدة ببعضها البعض، ولا تشارك في شيء منها الدول الأصغر، ومعظمها من الدول غير الغربية، أما القرارات التي يتم اتخاذها في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة أو في صندوق النقد الدولي والتي تعكس المصالح الغربية، فيتم تقديمها إلى العالم وكأنها تعكس رغبات المجتمع الدولي، وقد أصبحت عبارة المجتمع الدولي البديل الملطف لعبارة العالم «الحر» وذلك لإعطاء الشرعية الدولية للأعمال التي تعكس مصالح الولايات المتحدة وبقية القوى الغربية.
إن أوضح مثال حي للازدواجية يتمثل في تدخل الولايات المتحدة في الصومال عندما أوشكت القوات الإسلامية على تعزيز سيطرتها على الوضع في الصومال وبعد أن تمكنت تلك القوات من إعادة النظام مما أمكن زراعة المحاصيل ومن ثم طرد شبح المجاعة.
إن هذا التحليل مبالغ فيه لو أنه أصاب إلى حد ما عندما أشار إلى وجود خطة سرية لم يعلن عنها، وذلك أن التدخل الأمريكي لم يكن بدافع تقديم مساعدات إنسانية، كما أنها لم تستخدم القوة العسكرية لفرض حلول سياسية.
ولكنها أدركت أن تلك المنطقة أنسب مكان لشن هجوم على الإسلام لكونه قوة عالمية في طور النمو.
ويرى هنتنجتون أن سياسة التدخل في الصومال وعدم التدخل في البوسنة ليست لها علاقة مباشرة بالصراع الإسلامي، ذلك أن آسيا الوسطى ستكون بؤرة الصراع القادم، كما أن المجتمع الدولي سيواجه خطرًا جديدًا ممثلًا فيما أسماه هنتنجتون بالتحالف بين الإسلام والكونفوشيوسية، وقد شرح ذلك التحالف في ۲۷ صفحة من كتابه «صراع الحضارات».
وقد ذكر هذا الأخير أن الدول التي لا تستطيع أو لا ترغب في الانضمام إلى حظيرة الغرب لأسباب ثقافية أو أسباب أخرى لها علاقة بالسلطة سوف تتنافس مع الغرب عن طريق تنمية أنظمتها الاقتصادية والعسكرية ونفوذها السياسي وسوف تحقق هذه الدول ذلك عن طريق النمو الداخلي والتعاون مع الدول الأخرى غير الغربية إن أبرز أشكال هذا التعاون سوف تتجلى في التعاون بين الإسلام والكونفوشيوسية والذي سيكون بمثابة تحدٍّ للمصالح والنفوذ والقيم الغربية.
وأشار هنتنجتون أيضًا إلى ضرورة إعادة تحديد معنى الحد من انتشار الأسلحة، وهو مفهوم غربي وضع من أجل تحقيق أهداف غربية إبان الحرب الباردة، وكان الهدف الأساسي من التحكم في الأسلحة هو تحقيق توازن عسكري مستقر بين الولايات المتحدة وحلفائها من جانب والاتحاد السوفييتي وحلفائه من جانب آخر، أما في فترة ما بعد الحرب الباردة فقد أصبح الهدف من التحكم في الأسلحة هو حرمان الدول غير الغربية من تنمية قدراتها العسكرية التي قد تشكل خطرًا على المصالح الغربية.
وفي نهاية المطاف اختتم هنتنجتون كلامه بتنبؤات مفادها أن القرن القادم سوف يشهد صراعات حامية الوطيس بين جماعات تنتمي إلى حضارات مختلفة مُشَكِّلة أخطر مصدر للتصعيد الذي قد يؤدي إلى نشوب حرب عالمية، وسوف تنحصر محاور السياسة الدولية في العلاقات ما بين الغرب وبقية العالم، وسوف تحاول النخبة في بعض البلدان غير الغربية والضعيفة الانضمام إلى الغرب، ولكنها سوف تفشل في كثير من الأحيان في تجاوز العقبات أمام تحقيق ذلك، وإن بؤرة الصراع الذي قد ينشب في المستقبل القريب ستكون بين الغرب وبين عدد كبير من دول إسلامية وكونفوشيوسية.
إن فكرة تحالف الحضارات الإسلامية والكونفوشيوسية والمساحة الشاسعة التي تشملها
هاتان الحضارتان في خريطة العالم من شرقها إلى غربها والموجهة ضد أمريكا لهو أمر يثير الذعر في النفوس لأن ذلك يعني أن أوروبا وأمريكا ستكونان تحت الحصار، وشبه الأمر بحال السوفييت عندما كانوا يؤكدون بأنهم قد أصبحوا ضحية لحرب سيكولوجية، وأنهم وقعوا تحت حصار النظام الرأسمالي، ولم يكن في وسع أحد أن يتخيل نجاح أفكاره لهذه الدرجة طوال حياته، فقد قلب المفهوم السوفييتي للحصار رأسًا على عقب عن طريق الادعاء بأن حركته الثورية سوف تحاصر معاقل الرأسمالية في أوروبا وأمريكا مثلما حاصرت المدن الصينية، وقد يعطي تنبؤه بهذا المفهوم للحصار تماسكا للسياسة الخارجية الأمريكية ولكنها فشلت في الوقوف على ماهية ديناميكية الحضارات في التاريخ البشري، حيث إن لها طابعًا دينيًّا، ذلك أنه عندما تكون الحضارات علمانية تنتهي دائما بالخسارة.
رابعًا: خطورة عقلية التهديدات: ولقد لاقت تنبؤات هنتنجتون معارضة كبيرة وخاصة في شقها الخاص بالشئون الخارجية، ولم يتوان خصومه في دحض الأخطاء الخطيرة الواردة في تنبؤاته، ولو أنهم أجمعوا على ما ذهب إليه عندما أكد أن الحضارة الغربية ذات نزعة علمانية.
ولكن لو كانت حضارتنا علمانية مثل آراء النخبة عندنا في أمريكا فإنه سيكون حتمًا على الولايات المتحدة شن هجوم على كل حضارات العالم لسبب واحد هو أن كل الحضارات قامت على أساس الدين، وبما أن كلًا من معارضي ومؤيدي نظرية هنتنجتون في الشئون الخارجية علمانيون لن يفطنوا إلى الخطأ الفادح الذي ارتكبوه إلا بعد نمو الحركات التقليدية المسيحية والإسلامية واليهودية داخل أمريكا التي سوف تدحض مزاعم كلا الطرفين.
ويكمن الخطأ الثاني في نظرية هنتنجتون في إصراره على الترهيب والتخويف من الإسلام والمسلمين الذين اعتبرهم شياطين، ويرجع ذلك إلى عقلية التهديدات التي تسيطر دائمًا في المجتمعات الآيلة إلى التفكك من الداخل، إن عقلية التهديدات تدفع الناس العاديين إلى رؤية العالم وكأنه مليء بالمؤامرات والتهديدات، إن هذا التوجه موجود في السياسة الخارجية وخاصة لدى العسكريين المناط بهم مهمة ردع مثل تلك التهديدات، وأن الأساليب التي قد يستخدمها هؤلاء المدافعون عن تلك التهديدات الخيالية أو الحقيقية قد تشمل الإبادة الجماعية على نحو يفوق من البشاعة العمليات الإرهابية مثل تفجير الطائرات أو البنايات على الرغم مما تنطوي عليه من خطورة على المستوى النفسي؛ إن عقلية التهديدات غالبًا ما تثبت تطرفها عندما تفسر كل عمل يقوم به الشخص الآخر على أنه يمثل تهديدًا، وذلك بغض النظر عن ردِّ فعله على ما نفعله أو نؤمن به، كما تثبت تطرفها أيضًا بالاعتقاد بأن الشخص الآخر يمثل جماعة بأكملها أو ديانة أو حتى حضارة ما، وقد تكون نتائج ذلك أن يرى صاحب هذه العقلية العالم من منظور مأساوي حيث تكون جماعته العرقية أو ديانته أو حضارته في دوامة غير منتهية من صراعات حامية مع الطرف الآخر.
ويمكن ضرب المثل في هذا النوع من التطرف في قيام الإمام الخميني بوصف أمريكا بالشيطان الأكبر، إن معالجة المشاكل بهذه العقلية تجعل الحوار المنطقي، والتعاون أمرين مستحيلين كما يؤدي إلى قيام الدولة بدعم الإرهاب واستخدام الأسلحة النووية في هجوم مباغت، إن الخميني والملايين من أبناء شعبه كانوا مصابين بالإحباط من جراء شعورهم بالاضطهاد من قِبَل ثقافة علمانية أجنبية متجبرة عليهم، وفور سقوط الشاه الذي كان بمثابة عميل للخطر الخارجي ركز الخميني على مصدر ذلك الخطر والمتمثل في أمريكا، إن العدوان العراقي على إيران والحرب التي دارت بينهما بتمويل من الولايات المتحدة وحلفائها ضد إيران لم تسفر إلا عن دفع إيران إلى مزيد من التطرف بكامل شعبها إلى جانب تذكير زعمائها بضرورة اللجوء إلى إرهاب الدولة في مواجهة خصومها بدلًا من شن هجوم على خصم مثل «إسرائيل».
إن التنبؤ بمثل هذه التهديدات في سياق السياسة الخارجية الأمريكية هو الوسيلة التي استخدمها الاستراتيجيون الأمريكيون من أجل إيجاد ذلك الخطر الذي تستغرق إزالته
عدة سنوات.
كما يمكن ضرب مثل آخر لهذا التطرف في قيام البعض بالتخويف من وجود الإسلام في البوسنة، وقد كتب السيد يوسف بودانسكي -مدير الحملة ضد الإرهاب- والمنتمي إلى الحزب الجمهوري الأمريكي بحثًا مطولًا نشر في شهر سبتمبر ۱۹۹۲م، حذر فيه من مغبة استغلال المتطرفين السياسيين قضية البوسنة كنقطة انطلاق لشن هجمات على أوروبا وأمريكا ولحسن الحظ فقد قوبل ذلك التحذير باحتجاج شديد من قبل المجلس الإسلامي الأمريكي، مما حدا بقيادي تلك المنظمة إلى الاستقالة من تلك الحملة.
إن الأخطر من شطحات بودانسكي وزملائه المصابين بجنون الارتياب يتمثل في شعور النخبة على أعلى المستويات في أمريكا وأوروبا بالقلق إزاء قيام الإسلام كقوة إقليمية مسيطرة في فترة ما بعد الحرب الباردة.
مأساة البوسنة
إن الحجج الرافضة للسماح للشعب البوسني بالدفاع عن نفسه ضد المعتدين مبنية على الانحياز والتخويف كما ذكر هنري كسينجر في يوم ١٦ مايو ۱۹۹۳م، في مقال نشر في جريدة الواشنطن بوست، مفاده إن أكبر خطأ ناجم عن اللا مسئولية في المأساة البوسنية الحالية يتمثل في اعتراف المجتمع الدولي بدولة بوسنية يحكمها المسلمون. وهذا ما كرره بوضوح وزير الخارجية البريطاني دوجلاس هيرد في منتصف شهر أغسطس ۱۹۹۳م، حيث صرح بأن أوروبا لن تسمح بقيام دولة ذات أغلبية مسلمة وحكومة إسلامية في قلب أوروبا، ويمكن القول بأن کسینجر قد أعلن في ١٦ مايو نهاية التعدد العرقي في البوسنة عن طريق الدعوة إلى تقسيمها وإقامة رديف صغير لها، بينما دعا دوجلاس هيرد إلى إزالتها نهائيًّا من الوجود.
وقد ذكر هنري سيجمان -وهو أحد اليهود الناجين من الحرق الجماعي «الهلوكوست» والمدير التنفيذي لمجلس اليهود الأمريكيين- دعا في جريدة الواشنطن بوست بتاريخ ٢٤ أغسطس ۱۹۹۳م قائلًا: «ربما تكمن الحقيقة المخزية في تجاهل الغرب لمأساة مسلمي البوسنة كما فعل لنفس الأسباب في مأساة اليهود في الثلاثينيات، وهناك رواسب لكراهية هتلر لليهود في الثقافة الغربية المعادية للسامية، وكذلك فإن هناك بصمات في تصوير الصرب والكروات المسلمين البوسنة كأنهم شياطين والتخويف من قيام دولة إسلامية في قلب أوروبا، وأن تلك الحملة نابعة من الانحياز الغربي القديم.
ثم مضى قائلًا مهمًا تجاهلنا ما يدور في البلقان فإن نتائجه سوف تلاحقنا في الأيام والسنوات القادمة، إن الشيء المعرض للخطر في البوسنة لا يتمثل في تألم الإنسان لدرجة لا يمكن وصفها فحسب، وإنما يتمثل في فكرة عالمية مثل التحضر والتي تعد أساس الحرية والديمقراطية لدينا.
وقد جاءت مأساة البوسنة في وقت كنا نعتقد أننا قد وقفنا على عتبة نظام عالمي جديد، وقد أتيحت لنا فرصة إثبات تلك الحقيقة الأساسية ولكننا أخفقنا في ذلك الاختبار.
وقد رأى الرئيس كلينتون بأم عينيه ما كان يحدث في البوسنة، وكما دعا في مؤتمر صحفي عقده في ۱۱ مايو ۱۹۹۳ م إلى وضع حد العمليات التطهير العرقي والإبادة أو اغتصاب الأطفال وارتكاب الفظائع الأخرى، فقط بسبب ديانة الشعب «البوسني»، إن القوة الماحقة للتحالف الغربي قد سحقت بتعاطف الرئيس كلينتون مع الشعب البوسني، كما أزالت الخوف من عدم التحرك وذلك لأن الديانة المستهدفة قد تم وصفها علنا بأنها جامحة.
وإن المثير للسخرية أن هذا التأليب على البوسنة قد نجح بعض الشيء، وأن ضحايا العمليات الإجرامية التي يرتكبها الصرب الشيوعيون سابقًا، والقوميون حاليًا -مثل الإبادة وكراهية الأجانب- كانوا يدافعون عن نفس المبادئ التي يتشدق بها الأمريكيون والبريطانيون، إنهم يحاولون الدفاع لإيمانهم بأن المجتمعات لا تقوم على أساس الفصل أو إيذاء بعض أفرادها للبعض الآخر، ولكنها تقوم على أساس التآلف والمحبة، كما حث
عليه القرآن الكريم فيما يخص التعاون في سبيل المعرفة والعدالة والرفاهية.
إن معظم سكان البوسنة كافحوا من أجل التعاون بين مختلف الثقافات في البوسنة مثلما عمل المسلمون عبر التاريخ، كما كافحوا من أجل إبقاء التعددية السياسية القائمة على الحكم التمثيلي والذي يعتبر مطلبًا أساسيا ضمن الشريعة الإسلامية، إن البوسنيين لا يمثلون جماعة عِرقية بل كانوا يشكلون دائمًا مجتمعًا يشمل أيضًا المسيحيين واليهود والذين يخضعون للقوانين الإلهية بين البشر، وهذا ما تعنيه بالضبط كلمة المسلم، ومن اللائق أن يتم وصف كافة البوسنيين الذين يقاتلون من أجل نفس المبادئ التي قامت عليها الولايات المتحدة بالمسلمين، ليس هناك أي مسمى رسمي لهؤلاء هناك إما الصرب أو الكروات أو خليط من جماعات عرقية ودينية معروفين رسميًّا بالمسلمين، إن هذه التسمية مناسبة، ولكن معنى هذه الكلمة لا يمكن الوقوف عليه طالما أن كافة الشعب يوصفون بالشياطين خلال الحملة المتواصلة لتشويه صورتهم والتأليب عليهم بسبب ديانتهم.
إنه قد يكون من قبيل الصدفة أن يقول المسلمون إنه من فضل الله أن يكون في البوسنة زعيم ملتزم بالإسلام بخلاف كافة الزعماء في العالم بأسره، ويتمثل في شخص الرئيس البوسني علي عزت بيجوفيتش، الذي ألف كتابه الذي يحمل عنوان «الإسلام بين الشرق والغرب» وهو في غياهب سجون النظام الشيوعي، وهو ما أكسبه مكانة مرموقة بين صفوة المثقفين المسلمين في العالم.
وتبقى مشكلته الوحيدة متمثلة في أن معظم المسلمين في أنحاء العالم لم يعد لهم أي اتصال مباشر بتراثهم الروحي والثقافي مثلما عجزوا عن فهم الرسالة التي يحاول بيجوفيتش توصيلها، إذ يدعو إلى إقامة مجتمع يحكمه زعماء يخضعون لأوامر الله، أي عكس ما هو موجود حاليًا في معظم الأقطار الإسلامية والتي يحكمها ديكتاتوريون أو عسكريون بيروقراطيون أو طغاة علمانيون أو أرسطقراطيون إقطاعيون إنه يدعو إلى إقامة مجتمع لا تحكمه النزوات الإنسانية أو الحركات المدغدغة المشاعر الشعب بل يحكمه القانون، حيث يحصل كل فرد على حقوقه الإنسانية، التي وهبه الله سبحانه وتعالى إياها، وتم إقرارها في الشريعة الإسلامية والدستور الأمريكي.
والأدهى في الأمر أن الحملة الداعية إلى وأد الجمهورية البوسنية قد بدأت في يناير ۱۹۹۳م، على يد هنري كسينجر الذي صرح آنذاك أنه قد قرأ كتاب الرئيس بيجوفيتش واستخلص القول بأنه يجسد أخطر أشكال تصاعد الخطر الإسلامي الذي يهدد الحضارة الغربية.
وبما أن الرئيس بيجوفيتش وعلماء آخرين كانوا يدعون إلى نفس ما كان يدعو إليه الأجداد الذين بنوا أمريكا، والذين ثاروا ضد الاضطهاد الخارجي، فإن من يستخلص أن المتطرفين هم الذين يؤججون نيران المواجهة بين الحضارات هم إما جهلاء لدرجة الإجرام، أو أنهم قد أعلنوا الحرب ضد الشعب الأمريكي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل