; المجتمع التربوي - العدد (1357) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي - العدد (1357)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 06-يوليو-1999

مشاهدات 68

نشر في العدد 1357

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 06-يوليو-1999

  • مما يجنب المرء الوقوع فيه تذكر عواقبه الوخيمة.. وتقويم الناس بالمعايير الإلهية

وقفة تربوية

الاتصال بالله

جاء في ترجمة أبي حازم الأعرج أنه «دخل على بعض أهل السلطان فقال له: أتيتك في حاجة رفعتها إلى الله قبلك، فإن يأذن الله لك في قضائها قضيتها، وحمدناك، وإن لم يأذن في قضائها لم تقضها وعذرناك» (العقد الفريد 1/243، 244).

قد يستغرب بعض من يقرأ هذا النقل ظانًا أن ذلك من التكلف الذي لا يليق وأنه كان من الممكن أن يطلب حاجته، ثم يرضى بما سيكون من قضائها أو عدمه لكن هؤلاء القوم ربوا أنفسهم تربية إيمانية عالية، وعاشوا معظم لحظات حياتهم بمشاعر مرهفة، وعلاقة متصلة بالله رب العالمين، إذ كانوا يحاسبون أنفسهم على كل لفظة ولحظة وخطوة مخافة أن تكون لغيره تعالى. 

لقد كانوا يخشون أن يسلبهم الله سبحانه وتعالى شيئًا من الإيمان عندما يتوجهون إلى سواه، وقد يكون مثل هذا الموقف الذي وقفه أبو حازم يصعب على الكثير من الدعاة، ولكنه لا يصعب على من اتصل بالله مثل اتصال أولئك القوم الذين كانوا يقدمون رضا الله على رضا المخلوق، ويتحملون في جنب الله كل مؤلم في هذه الحياة الدنيا. 

إنها صورة من تفويض الأمر كله لله وعدم الشعور ولو للحظة بأن غير الله له من الأمر شي.

إنهم قوم يرفعون شعار «لا حول ولا قوة إلا بالله»، قولًا وفعلًا وشعورًا في كل لحظات حياتهم على هذا الكوكب.

أبو خلاد

آفات على الطريق

الكبت

العلاج منه يقتضي التنشئة على إبداء الرأي واحترام آراء الآخرين

بقلم: د. السيد محمد نوح 

تناولت الحلقتان الماضيتان التعريف بالكبت، وأهم مظاهره والأسباب التي تدعو إليه، ثم موقف الإسلام منه.

وفي هذه الحلقة نتناول طرق علاج الكبت، والوقاية منه على ضوء ما تقدم، وذلك باتباع الخطوات التالية:

  1. تعريف المرء رسالته في الأرض ومعوقات الطريق وسبيل النجاة:

ذلك أن الإنسان إذا عرف رسالته في الأرض ووقف على معوقات الطريق، وسبيل النجاة، وتجاوز هذه العقبات انطلق يؤدي هذه الرسالة غير مبال بما يلحقه من أذى أو شدة، بل إنه ليحتسب ذلك كله عند الله، فأين الكبت إذن والقهر، وصفحات تاريخنا كلها إشراقه وبهاء في هذا المعنى؟

تروي عائشة - رضي الله عنها - فتقول: (لما اجتمع أصحاب النبي ﷺ وكانوا ثمانية وثلاثين رجلًا ألح أبو بكر على النبي ﷺ في الظهور، فقال: يا أبا بكر إنا قليل» فلم يزل أبو بكر يلح حتى ظهر رسول الله ﷺ ، وتفرق المسلمون في نواحي المسجد، كل رجل في عشيرته، وقام أبو بكر في الناس خطيبًا، ورسول الله ﷺ جالس، فكان أول خطيب دعا إلى الله وإلى رسوله ﷺ  وثار المشركون على أبي بكر، وعلى المسلمين، فضربوا في نواحي المسجد ضربًا شديدًا، ووطئ أبو بكر، وضرب ضربًا شديدًا، ودنا منه الفاسق عتبة بن ربيعة فجعل يضربه بنعلين مخصوفتين، ويحرفهما لوجهه، ونزا على بطن أبي بكر حتى ما يعرف وجهه من أنفه.

وجاء بنو تيم يتعادون فأجلت المشركين عن أبي بكر، وحملت بنو تيم أبا بكر في ثوب حتى أدخلوه منزله، ولا يشكون في موته، ثم رجعت بنو تيم فدخلوا المسجد، وقالوا: والله لئن مات أبو بكر لنقتلن عتبة بن ربيعة، فرجعوا إلى أبي بكر، فجعل أبو قحافة وبنو تيم يكلمون أبا بكر حتى أجاب فتكلم آخر النهار، فقال: ما فعل رسول الله ﷺ، فمسوا منه بألسنتهم، وعذلوه، ثم قاموا، وقالوا لأمه أم الخير: انظري أن تطعميه شيئًا أو تسقيه إياه، فلما خلت به ألحت عليه وجعل يقول: ما فعل رسول الله ﷺ؟ فقالت: والله ما لي علم بصاحبك، فقال: اذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب فاسأليها عنه. 

فخرجت حتى جاءت أم جميل، فقالت إن أبابكر يسألك عن محمد بن عبد الله؟ فقالت: ما أعرف أبا بكر، ولا محمد بن عبد الله، وإن كنت تحبين أن أذهب معك إلى ابنك؟ قالت: نعم، فمضت معها حتى وجدت أبا بكر صريعًا دنفًا، فدنت أم جميل وأعلنت بالصياح، وقالت: والله إن قومًا نالوا هذا منك لأهل فسوق وكفر، وإني لأرجو أن ينتقم الله لك منهم.

قال فما فعل رسول الله ﷺ؟ قالت: هذه أمك تسمع قال: فلا شيء عليك منها، قالت: سالم صالح قال: فأين هو؟ قالت في دار ابن الأرقم

قال: فإن لله على ألا أذوق طعامًا، ولا أشرب شرابًا أو آتي رسول الله ﷺ. 

فأمهلتا حتى إذا هدأت الرجل، وسكن الناس خرجنا به يتكئ عليهما حتى أدخلناه على رسول الله ﷺ، قال: فأكب عليه رسول الله فقبله وأكب عليه المسلمون، ورق له رسول الله ﷺ رقة شديدة، فقال أبو بكر بأبي وأمي يا رسول الله ليس بي بأس إلا ما نال الفاسق من وجهي، وهذه أمي برة بولدها، وأنت مبارك فادعها إلى الله وادع الله لها عسى الله أن يستنقذها بك من النار. قال: فدعا لها رسول الله ﷺ ودعاها إلى الله فأسلمت، وأقاموا مع رسول الله ﷺ في الدار شهرًا - وهم تسعة وثلاثون رجلًا وقد كان حمزة ابن عبد المطلب أسلم يوم ضرب أبو بكر ([1])

ولما أسلم أبو ذر الغفاري قال له النبي ﷺ ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري فقال والذي بعثك بالحق لأصرخن بها بين ظهرانيهم، فخرج حتى أتى المسجد فنادى بأعلى صوته: أشهد ألا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ثم قام فضربوه حتى أضجعوه، وأتي العباس فأكب عليه قال: ويلكم ألستم تعلمون أنه من غفار، وأن طريق تجارتكم إلى الشام، فأنقذه منهم، ثم عاد من الغد لمثلها فضربوه وثاروا إليه، فأكب العباس عليه الحديث ([2]).

والنماذج من حياة الصحابة أكثر من أن تحصى، ومثل ذلك وقع في عصر الملك الجبري الذي تعيشه الأمة المسلمة اليوم، فقد وقف أبناء الحركة الإسلامية في وجه الطغيان ومحاولة فرض المناهج الشيوعية والصليبية، والصهيونية والعلمانية، والبعثية والطائفية، ونحوها، وتحملوا ومازالوا يتحملون في ذلك الشيء الكثير رافضين أن يكونوا أسرى الكبت والقهر، ومحتسبين كل ما يصيبهم في ذات الله موقنين أن هذه طريق أصحاب الدعوات شدائد وامتحانات وتعذيب وتنكيل، ثم يكون النصر والتمكين، والأمن والأمان.

2- التنشئة على إبداء الرأي وتقويمه بحكمة إن كان خاطئًا:

عن سهل قال مر رجل على رسول الله ﷺ فقال: «ما تقولون في هذا؟ قالوا: حري إن خطب أن ينكح وإن شفع يشفع، وإن قال أن يستمع قال: ثم سكت فمر رجل من فقراء المسلمين، فقال: ما تقولون في هذا؟ قالوا حرى إن خطب ألا ينكح، وإن شفع ألا يشفع، وإن قال ألا يستمع، فقال رسول الله ﷺ: «هذا خير من ملء الأرض من مثل هذا» ([3])، وعن خنساء بنت خذام الأنصارية أن أباها زوجها، وهي ثيب فكرهت ذلك، فأتت رسول الله ﷺ فرد نكاحه([4]).

وكان ﷺ يشاور أصحابه فيما لا نص فيه نزولًا على قوله سبحانه (وشاورهم في الأمر). وتشجيعًا لهم على إبداء الرأي، واحترامه، وتقويمه بحكمة إن كان به شيء من الخلل، وكذلك فعل الأئمة من بعده الله إلى وقت قريب جدًا.

عن الحسن قال: ما تشاور قوم قط بينهم إلا هداهم الله لأفضل ما يحضرهم»، وفي لفظه إلا عزم الله لهم بالرشد أو بالذي ينفع ([5]). 

وعنه أيضًا قال: «قد علم أنه ما به إليهم حاجة، ولكن أراد أن يستن به من بعده ([6]).

وقال الشافعي: إنما يؤمر الحاكم بالمشورة لكون المشير ينبهه إلى ما يغفل عنه، ويدله على ما لا يستحضره من الدليل لا ليقلد المشير فيما يقوله. فإن الله لم يجعل هذا لأحد بعد رسول الله ﷺ. وقد ورد من استشارة الأئمة بعد النبي ﷺ أخبار كثيرة منها مشاورة أبي بكر - رضي الله عنه – في قتال أهل الردة، وكان القراء أصحاب مجلس عمر ومشاورته واستشار عثمان بن عفان - رضي الله عنه الصحابة في جمع الناس على مصحف واحد وهلم جرا» ([7]).

3- احترام آراء الآخرين ومحاولة توظيف هذه الآراء إن كانت نافعة:

هذا عبد الله بن الزبير بن العوام يأتي إلى النبي ﷺ كما تقول أمه أسماء، بعد سبع سنين ليبايع النبي ﷺ وقد أمره بذلك أبوه الزبير، فتبسم النبي ﷺ حین راه مقبلًا، ثم بايعه ([8]).

وهذا عمر بن الخطاب يدعوه رسول الله ﷺ ليبعثه برسالته إلى أهل مكة يوم الحديبية يخبرهم بمقصده، وأنه لا يريد الحرب، وإنما يريد بيت الله الحرام للعمرة، فيبدي عمر رأيه في هذه المهمة قائلًا: يا رسول الله إني أخاف قريشًا على نفسي وليس بها من بني عدي أحد يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إياها، وغلظتي عليها، ولكن أدلك على رجل هو أعز مني عثمان بن عفان، واحترم النبي ﷺ رأيه، فدعا عثمان فبعثه برسالته إلى قريش ([9]).

ولما انتهى عقد الصلح بين النبي ﷺ وسهيل ابن عمرو - ممثل قريش في الحديبية - قام رسول الله ﷺ فقال: «يا أيها الناس انحروا، وأطلقوا، قال: فما قام أحد، قال: ثم عاد بمثلها، فما قام رجل حتى عاد بمثلها فما قام رجل، فرجع رسول الله ﷺ فدخل على أم سلمة، فقال: يا أم سلمة، ما شأن الناس قالت: يا رسول الله قد دخلهم ما قد رأيت فلا تكلمن منهم إنسانًا، واعمد إلى هديك حيث كان فانحره واحلق فلو قد فعلت ذلك فعل الناس ذلك، فخرج رسول الله ﷺ لا يكلم أحدًا حتى أتى هديه فنحره، ثم جلس فحلق، فقام الناس ينحرون، ويحلقون .... الحديث ([10]).

إلى غير ذلك من الصور الدالة على احترامه آراء الآخرين، ومحاولة توظيف هذه الآراء إن كانت نافعة، وهكذا ينبغي اتباع هذا المنهج في علاج الكبت، بل توقيه.

4- السماح للقيم العليا، والمبادئ السامية أن تسود:

فمن شأن ذلك أن يقضي على القيم الهابطة.

والمبادئ الساقطة، أو على الأقل أن يحاصرها ويحصرها في دائرة ضيقة، فيزول بهذا سبب أساسي من أسباب الكبت، والقهر من منطلق أن القيم العليا، والمبادئ السامية إنما هي استجابة لنداء الفطرة، وإذا استجيب لنداء الفطرة كان الأمن والأمان والسكينة والطمأنينة، والعكس بالعكس.

وما غاية الجهاد في ديننا الحنيف، بل في رسالات الأنبياء والمرسلين جميعًا سوى إفساح المجال أمام القيم العليا، والمبادئ السامية أن تأخذ طريقها إلى عقول الناس وقلوبهم، وصدق الله العظيم إذ يقول: 

 ﴿وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّفَسَدَتِ ٱلۡأَرۡضُ (البقرة:251). 

وإذ يقول: ﴿وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّهُدِّمَتۡ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٞ وَصَلَوَٰتٞ وَمَسَٰجِدُ يُذۡكَرُ فِيهَا ٱسۡمُ ٱللَّهِ كَثِيرٗا (الحج:40).

وصدق النبي ﷺ إذ يقول: - مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها. وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا، ولم نؤذ من فوقنا؟ فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا» ([11]).

5- حسن المعاملة للغير ولو كان مخطئًا:

ذلك أن حسن معاملة الغير، ولو كان مخطئًا تجعل العدو صديقًا، والبعيد قريبًا. وتقضي على الكبت والقهر أو تخفف من حدتهما، وصدق الحق تبارك وتعالى في قوله:

﴿وَلَا تَسۡتَوِي ٱلۡحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّيِّئَةُۚ ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيۡنَكَ وَبَيۡنَهُۥ عَدَٰوَةٞ كَأَنَّهُۥ وَلِيٌّ حَمِيمٞ  وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٖ (فصلت:34)

ومن حسن المعاملة: الحوار الهادف الهادي والإصغاء للرأي الآخر، ومحاكمة الحجة بالحجة والنزول على الحق بغض النظر عمن هدي إليه. وأبرزه في الناس، وفي كتاب الله وسنة النبي ﷺ وسيرته من الجدل والمحاورة ومقارعة الحجة بالحجة الشيء الكثير، وحسبنا هنا ما دار بين موسی وبين الطاغية الجبار ربكم الأعلى الذي قال للناس:  ﴿فَقَالَ أَنَا۠ رَبُّكُمُ ٱلۡأَعۡلَىٰ (النازعات:24)

وقال لهم أيضًا: 

﴿مَا عَلِمۡتُ لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرِي (القصص:38) 

وقال: ﴿مَآ أُرِيكُمۡ إِلَّا مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهۡدِيكُمۡ إِلَّا سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ (غافر:29) 

مراعاة المعايير الإلهية في تقويم الناس وإسناد المهام إليهم: 

إذ بيّن رب العزة في كتابه الكريم معايير وموازين تقويم الناس بقوله: ﴿إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡ  (الحجرات13)، وبقوله: ﴿وَمَآ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُكُم بِٱلَّتِي تُقَرِّبُكُمۡ عِندَنَا زُلۡفَىٰٓ إِلَّا مَنۡ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ جَزَآءُ ٱلضِّعۡفِ بِمَا عَمِلُواْ وَهُمۡ فِي ٱلۡغُرُفَٰتِ ءَامِنُونَ (سبأ:37). 

كما بين ذلك على لسان نبيه ﷺ، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: «إن ربكم واحد، وأباكم وأحد، فلا فضل لعربي على أعجمي، ولا أحمر على أسود إلا بالتقوى» ([12]).

وعن أبي ذر -رضي الله عنه- أن النبي ﷺ قال له: «انظر فإنك لست بخير من أحمر، ولا أسود إلا أن تفضله بتقوى الله» ([13]). وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي ﷺ سئل أي الناس أكرم قال: «أكرمهم عند الله أتقاهم الحديث ([14]).

وبينه أيضًا في قول ابنة العبد الصالح لأبيها في شأن موسى عليه السلام:  ﴿قَالَتۡ إِحۡدَىٰهُمَا يَٰٓأَبَتِ ٱسۡتَـٔۡجِرۡهُۖ إِنَّ خَيۡرَ مَنِ ٱسۡتَـٔۡجَرۡتَ ٱلۡقَوِيُّ ٱلۡأَمِينُ (القصص26) 

وجملة هذه المعايير الكفاية والتقوى أو القوة والأمانة، ومراعاتهما في تقويم الناس، وإستاد المهام إليهم يقضي على الكبت والقهر، بل يحمي النفس أصلًا من ذلك.

7- معايشة الصديق الصادق الوفي:

هذه المعايشة تقضي على الكبت أو القهر، بل تحمي النفس أصلًا من الإصابة بهذا النوع من الآفات، إذ من خصائصها: المواساة التي منها حكاية ما يعاني منه المكبوت أو المقهور الصديق وأسباب ذلك ورسم طريق العلاج والوقاية، وقد صور ذلك نبي الله موسى - عليه السلام - في قوله لربه:

 ﴿وَٱجۡعَل لِّي وَزِيرٗا مِّنۡ أَهۡلِي *هَٰرُونَ أَخِي * ٱشۡدُدۡ بِهِۦٓ أَزۡرِي * وَأَشۡرِكۡهُ فِيٓ أَمۡرِي *كَيۡ نُسَبِّحَكَ كَثِيرٗا * وَنَذۡكُرَكَ كَثِيرًا *إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرٗا (طه:29-30-31-32-33-34-35) 

فاصحب من كما صوره علقمة في وصيته لولده بقوله: يا بني إذا عرضت لك إلى صحبة الرجال حاجة فاصحب من إذا خدمته صانك وإن صحبته زانك وإن قعدت بك مؤونة مانك أصحب من إذا مددت يدك بخير منها، وإن رأى منك حسنة عدها، وإن رأى سيئة سترها، اصحب من إذا سألته أعطاك وإن سكت عنه ابتداك، وإن نزلت بك نازلة واساك أصحب من إذا قلت صدق قولك، وإن حاولت أمرًا أمرك، وإن تنازعتما أثرك.

8- الإكثار من ذكر الله بمعناه العام الشمولي:

ويُعد الإكثار من ذكر الله بمعناه العام الشمولي الجامع لذكر الله العقلي بالعلم والتفكر، والقلبي بالتعظيم لله والحب واللساني بالثناء عليه سبحانه بما هو أهله، والبدني بتوظيف البدن فيما يرضيه سبحانه وتعالى، ثم دعوة الآخرين إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن، فإن المواظبة على الذكر تفرغ النفس من كل كبت أو قهر، وتعلوها بالأمن والأمان والطمأنينة وسكينة النفس، وصدق الله الذي يقول: ﴿أَلَا بِذِكۡرِ ٱللَّهِ تَطۡمَئِنُّ ٱلۡقُلُوبُ (الرعد:28)، ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمۡ يَلۡبِسُوٓاْ إِيمَٰنَهُم بِظُلۡمٍ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلۡأَمۡنُ وَهُم مُّهۡتَدُونَ (الأنعام:82)، ﴿فَٱذۡكُرُونِيٓ أَذۡكُرۡكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لِي وَلَا تَكۡفُرُونِ (البقرة:152).

على أن هذا الذكر من شأنه إلانة القلوب، ويحمل النفس على العفو والصفح الجميل طبعًا في الأجر من الله والمنوبة كما قال سبحانه:  ﴿فَمَنۡ عَفَا وَأَصۡلَحَ فَأَجۡرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ (الشُّورَى:40)، ﴿ وكما قال: وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ (الشُّورَى:43). 

9- التذكير بعواقب الكبت:

ولعل التذكير المستمر بعواقب الكبت أو القهر على النحو الذي تقدم مما يعين على التخلص من هذا الداء أو هذه الأمة، بل الحماية والوقاية منها. إذ النفس من شأنها النسيان والغفلة، والتذكير خير وذكر فإن: الذكرى تنفع صلاح لذلك قال تعالى: ﴿وَذَكِّرۡ فَإِنَّ ٱلذِّكۡرَىٰ تَنفَعُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ (الذَّارِيَات:55)

وقال تعالى:  ﴿فَذَكِّرۡ إِن نَّفَعَتِ ٱلذِّكۡرَىٰ ٩ سَيَذَّكَّرُ مَن يَخۡشَىٰ ( الأَعۡلَى: 9)،

مشكلات وحلول في حقل الدعوة

التغير بعد المنصب

التعريف:

التخفف من الالتزام بنظام المؤسسة الذي كان ملتزمًا به قبل الحصول على المنصب وهو تغير له علاقة بالنظام فقط أو له علاقة بالالتزام بالدين ذاته.

المظاهر:

  1. عدم حضور انشطة المؤسسة، ولقاءاتها الخاصة.

  2.  عدم الالتزام بنظام المؤسسة ومتطلباتها. 

  3. اعتناق أفكار اخرى مخالفة لأداء المؤسسة. 

  4. انتقاد نظام المؤسسة وقناعاتها، وعدم تنفيذ ما تطلبه منه.

الأسباب:

  1. الاستعجال بترشيحه قبل أخذ كفايته التربوية.

  2. ضعف حصيلته من معاني الزهد والثبات وتجنب الفتنة.

  3. عدم معرفة مدى استيعابه جيدًا. 

  4. الشعور بأن البقاء مع المؤسسة قد يفقده المنصب.

  5. من شروط المنصب قطع العلاقة مع المؤسسة.

  6. التحلل من الالتزام لتطبيق ما كانت المؤسسة ترفضه من مقترحات وآراء.

  7. ضعف الوالدين أن العائلة.

  8. تكون قناعات جديدة.

الحل:

  1. عدم قطع العلاقة، وبقاء بعض الجسور موجودة.

  2. تعميق التربية الإيمانية لعناصر المؤسسة خاصة فيما يتعلق بالثبات وتحاشي السقوط والفتنة بأنواعها.

  3. التربية على معاني التواضع ونبذ الكبر. 

  4. التأكد من رسوخ المعاني الإيمانية قبل الترشيح للمنصب.

الهوامش

[1] البداية والنهاية لابن كثير 3/30-31.

[2] جزء من حديث أخرجه البخاري في: الصحيح: كتاب مناقب الانصار باب إسلام أبي ذر - رضي الله عنه 5/59 – 60، ومسلم في: الصحيح : كتاب فضائل الصحابة باب من فضائل أبي بر رضي الله عنه - ٤ / ١٩٢٢ - ١٩٢٥ رقم ٢٤٧٤ / ١٣٣ كلاهما من حديث ابن عباس مرفوعًا به.

[3] أخرجه البخاري في الصحيح: كتاب النكاح باب الأكفاء في الدين ١٠٩/٧، وكتاب الرقاق باب فضل الفقر اگر ۱۹ ۱۱۹، وابن سباحة في السان كتاب الزهد: بابي فضل الفقراء ۱۳٧٩/٢ - ۱۳۸۰ رقم ٤١٢٠ كلاهما من حديث سهل بن سعد الساعدي مرفوعًا، واللفظ للبخاري.

[4] أخرجه البخاري في الصحيح: كتاب النكاح باب إذا زوج ابنته وهي كارهة فنكاحه مودود ۲۳/۷ من حديث عبد الرحمن، ومجمع البني يزيد بن جارية عن خنساء بنت خدام الانصارية مرفوعًا بهذا اللفظ.

[5] أورده ابن حجر في فتح الباري ١٣ / ٣٤٠ وعزاه إلى البخاري في الأدب المفرد، وابن أبي حاتم قائلًا أخرج البخاري في الأدب المفرد وابن أبي حاتم بسند قوي عن الحسن قال ما تشاور قوم قط بينهم إلا هداهم الله. الحديث.

[6] أورده ابن حجر في فتح الباري ١٣ / ٣٤٠ وعزاء إلى لين أبي حاتم قائلًا: ولخرج ابن ابی حاتم بسند حسن عن الحسين قال وقد علم أنه ما به إليهم حاجة.. الحديث.

[7] فتح الباري ١٢ / ٣٤٢ - ٢٤٣ بتصرف كثير.

[8] جزء من حديث طوير أخرجه مسلم في الصحيح كتاب الآداب باب استحباب تحنيك الولود عند ولادته ويجعله ١٦٩٠ - ١٦٩١ رقم ٢١٤٦ / ٢٥، وانظر: سير أعلام النبلاء للذهبي.

[9] جزء من حديث طويل أخرجه أحمد في: المسند ٣٢٤ - ٣٣١ من حديث المسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم قالا مخرج رسول الله الله عام الحديبية يريد زيارة البيت لا يريد قتالًا، وساق معه الهدي سبعين بدنة والحديث وابن مشام في السيرة النبوية ٣٠٨/٣، وعنهما نقل الدكتور أكرم ضياء العمري في السيرة النبوية الصحيحة ٢/ ٤٣٩ - ٤٤٦ بتصرف كثير.

[10] السابق.

[11] أخرجه البخاري في : الصحيح : كتاب الشركة باب هل يفرح في القسمة والاستهام فيه ١٨٢٣، وكتاب الشهدات باب القرعة في المشكلات ۲۷۳، والترمذي في السني كتاب الفتن باب منه ٤ ٤٧٠ رقم ۲۱۷۳، وأحمد في : المسند ٢٦٩/٤ ٢٧٠ ٢٧٢ ٢٧٤ كلهم من حديث النعمان بن بشير - رضي الله عنهما- ، موضوعًا، واللفظ للبخاري، وقال الترمذي عقيبه هذا حديث حسن صحيح.

[12] أورده الهيثمي في مجمع الزوائد: كتاب الأدمة باب لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى ده وعقب عليه بقوله رواه الطبراني في الأوسط والبزار بنشره إلا أنه قال إن اباكم واحد، وإن دينكم واحد، أبوكم آدم وآدم خلق من تراب ورجال البزار رجال الصحيح

[13] أخرجه أحمد في المسند ٥/ ١٥٨ من حديث أبي ذر بهذا اللفظ وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد كتاب الأدبي على لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى ٨٤/٨ وغزاه إلى أضمة قائلًا: رواه أحمد ورجاله ثقات إلا أن بكر بن عبد الله القرني لم يسمع من أبي ذر.

[14] أخرجه البخاري في : الصحيح : كتاب الأنبياء: باب قبل الله تعالى : وقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين ١٨٢٤، وكتاب التفسير سورة يوسف: باب قوله: ولقد كان في يوسف وإخوته آيات السائلين ) ٩٥/٦ من حديث أبي هريرة مرفوعًا، ولفظ - كما في الرواية الثانية - قال : سئل رسول الله له أي الناس أكرم قال أكرمهم عند الله انقاه قالوا: ليس عن هذا نسالك قال فأكرم الناس يوسف في الله بن نبي الله بن نبي الله من خليل الله، قالوا : ليس عن هذا نسالك، قال مطمن معادن العرب تسالوني قالوا: نحب قال: فخياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا ، وعقب عليه بقوله متابعه أبو أسامة عن عبيد الله.

الرابط المختصر :