; رأي في منهج العمل الإسلامي هذا الأسبوع | مجلة المجتمع

العنوان رأي في منهج العمل الإسلامي هذا الأسبوع

الكاتب د. عبد الله فهد النفيسي

تاريخ النشر الثلاثاء 18-ديسمبر-1979

مشاهدات 85

نشر في العدد 463

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 18-ديسمبر-1979

•العاملون في حقل الدعوة الإسلامية. بحاجة ماسة- اليوم- لوقفة جادة وصريحة ومدببة، وقفة يراجعون خلالها أوراق الأيام التي مضت والأيام التي- بإذن الله- تجيء. وقفة لا تستحي من الحقيقة، ولا تهاب ذكرها، ولا ترضى بشيء سواها من حركات الالتفاف الكلامي وأساليب الميكانيكية الخطابية. وقفة تنطلق من قلب يخفق بحب الله، ومن لسان رطب بذكر الله، ومن نفس مناها ومبتغاها رضى الله. وقفة عنوانها التجرد لله، والحذر من الله، والخوف من مكره واستدراجه، والأمل في تأييده ونصره، وقفة نراجع فيها منهج العمل الإسلامي المعمول به حاليًا ومدى مواءمته للمرحلة الحالية من تطور الأمة الإسلامية والمنطقة الإسلامية. ولنا في ذلك رأي نرى أنه- والله أعلم فيه أكثر الحقيقة. 

•تتعدد اليوم الجماعات الإسلامية العاملة في حقل الدعوة. تلتقي على الهدف وتختلف في الوسائل المؤدية إليه. الهدف- فيما أعلم والله أعلم- إقامة الدولة الإسلامية والدولة وإقامتها من الأمور الجسيمة والخطيرة وتحتاج- فيما تحتاج إليه- إلى حشد طاقات وفعاليات وعزم وإصرار في عالم لا يعترف بالحق ولا بأهله بقدر ما يعترف بالقوة التي تسانده وتعاضد أهله. ويلاحظ أن الجماعات الإسلامية بشتى راياتها ومسمياتها- ونقول ذلك من موقع الحب لها والحرص على نجاحها- رغم أنها ترفع هذا الشعار الضخم- إقامة الدولة الإسلامية- إلا أنها لم توظف لتحقيق ما يحتاج عمليًا من طاقات وفعاليات ومؤسسات تتناسب في نوعها وكمها مع تعقيدات هذا العصر ومؤامراته وشراسته. ومع العلم بأن الجماعات المتحركة في حقل الدعوة كثيرة ومتنوعة في طرائق عملها وأساليب تنظيمها وقديمة في تحركها، إلا أنها حتى كتابة هذه السطور لم تقترب من الهدف المنشود، ألا وهو إقامة الدولة الإسلامية، الدولة التي تنهج النهج الإسلامي في تراكيب سلطتها وتسيير اقتصادها وبناء مجتمعها، بل العكس الذي حدث، فرغم التوسع الأفقي- الذي يراه البعض على أنه علامة نجاح حركي- نلاحظ أن الجماعات الإسلامية ما زالت بعيدة تمامًا عن مساحة الهدف. وعمليات الاستدعاء الشعبي والانتشار الجماهيري، إذا لم تضبطها مفاهيم تجري في مجرى الهدف وتصب في مجاريره، قد تكون في نهاية المطاف عبء يثقل حمله ويصعب به المسير ومعوق من المعوقات العديدة التي تعترض الحركة في مسارها. وبرغم كل هذا الانتشار الجماهيري الذي حققته الجماعات الإسلامية، فما زالت تلك الجماعات- بشتى راياتها ومسمياتها- هي الضحية رقم واحد في المجازر والمذابح والتصفيات الجسدية التي تتعرض لها المنطقة ما بين فترة وأخرى. وهذا يدلل- وبشكل جارح- على أن التوسع الأفقي إذا لم يواكبه العمق العمودي «التنظيمي- الحركي- الإداري- الردعي»، فلن نتجاوز نفسيات وسلوكيات الفئة المضطهدة «بالفتح» وهي نفسيات وسلوكيات لن ترفع في يوم من الأيام علم الإسلام فوق الصارية. 

إن استمرار بقائنا في خندق الضحية وكيد سفلي دليل أن ثمة خطأ في منهج العمل. إن تبرير ذلك عن طريق اعتساف النصوص والسوابق التاريخية والاستسلام لكل محنة، ترفضه الأمانة مع الله والنفس والناس ولذلك لا يمكن القبول به.

•ومن الملاحظات المركزية حول منهج العمل الإسلامي الحالي أنه يواجه العالم في السبعينات والثمانينات بنفس أساليب المواجهة العائدة للثلاثينات والأربعينات. الواقع الجماهيري والسياسي والاقتصادي والاجتماعي والعسكري والدولي اليوم غيره بالأمس، وعليه فلا بد على الأقل مراجعة أساليب المواجهة، تمحيصها، التدقيق فيها، وفي صلاحيتها، واستحداث ما يوجبه العصر وتفرضه المرحلة وطبيعة المواجهة فيها، وشمل هذا التطور- فيما شمل- الأنظمة السياسية التي تتحكم بالعالم الإسلامي. لقد أصبحت الأنظمة هذه تدرك خطورة الإسلام عليها ولذلك فهي لا تترك فرصة إلا وضربت فيها الجماعات الإسلامية أو على الأقل وضعت العراقيل والعوائق الكثيرة في طريقها. ومن هنا وجب أيضًا على العاملين في حقل الدعوة الإسلامية مراجعة أساليب التعامل مع هذه الأنظمة التي تشكل المعوق الفعلي والخطير في طريق الدعوة الإسلامية. ومن هنا وجب علينا إدراك مبدأ المفاصلة معها وإظهار الكراهة لها اقتداًء وتأسيًا بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم، فعن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما، قالا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ليأتين عليكم أمراء يقربون شرار الناس، ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها، فمن أدرك ذلك منهم فلا يكونن عريفًا ولا شرطيًا ولا جابيًا ولا خازنًا» رواه ابن ماجة وسنده صحيح. وعن أبي سعيد الخدري رضى الله عنه قال، قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبًا فكان من خطبته أن قال: «ألا إني أوشك أن أدعى فأجيب فيليكم عمال من بعدي يقولون ما لا يعلمون ويعملون بما يعرفون، وطاعة أولئك طاعة، فتلبثون كذلك دهرًا، ثم يليكم عمال من يعدهم يقولون ما لا يعلمون ويعملون ما لا يعرفون، فمن ناصحهم ووازرهم وشد على أعضادهم فأولئك قد هلكوا وأهلكوا.. الحديث» رواه الطبراني في الأوسط والبيهقي في الزهد الكبير وهو حديث صحيح. فلا بد إذن من المفاصلة مع هذه الأنظمة لأن التناقض بيننا وبينها ليس تناقضًا ثانويًا بل هو رئيسي وجوهري. ولا بد أن تترتب على هذه المفاصلة إجراءات أمنية وردعية على صعيد التنظيم الإسلامي تحفظ الصف وتردع أذرع الرعب والإرهاب المدفوعة في وجه الدعوة والعاملين فيها.

الرابط المختصر :