; إنزال الحكم الفرعي على الواقع | مجلة المجتمع

العنوان إنزال الحكم الفرعي على الواقع

الكاتب الدكتور توفيق الشاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 28-أبريل-1998

مشاهدات 79

نشر في العدد 1297

نشر في الصفحة 45

الثلاثاء 28-أبريل-1998

إن بعض «الفتاوى» تكتفي بتكرار النصوص الخاصة بحكم فرعي معين دون أن تأخذ في اعتبارها المبادئ الأساسية التي يجب إعمالها عند إنزال الحكم الفرعي على الواقع في زمانه ومكانه.
وفي موسم الحج لهذا العام أثر في النفس رؤية الحجاج يتزاحمون في طرقات «منى» يفترشون الأرض ويقضون نهارهم وليلهم في ظروف صعبة، أكثر من ذلك فإن نومهم بالشوارع والطرقات يتعذر معه سلاسة المرور، مما يؤدي إلى اختناقات تجعل الشخص يقضي ساعات لينتقل من مكان إلى آخر أو ليذهب إلى مكان الجمرات أو إلى مكة المكرمة لتأدية طواف الإفاضة... حتى أصبح ذلك شبه مخاطرة يترتب عليها مشاق كثيرة وخصوصًا للنساء والشيوخ، بل إن افتراش الحجاج الأرض في طرقات «منى» يعطل سيارات الإسعاف التي تنقل المرضى في ذهابها وإيابها مما يعرض حياة كثيرين للخطر.
وعندما وصلت إلى مبنى به بعض كبار الحجاج من العلماء والشيوخ، وجدته على أعلى مستوى من التجهيز بالسجاجيد والهواء المكيف فضلًا عن المياه والأنوار الكهربية، ووجدت اثنين من العلماء يتحاوران في شأن فتوى الشيخ «ابن باز» التي أجازت لمن لا يجد له مكانًا في «منى» أن يقيم خارجها... وأدهشني أن أحدهم يصر على استنكار هذه الفتوى مقدمًا ما يحفظه من أقوال توجب المبيت «بمنى»... وقلت في نفسي لقد عرفت -يا أخي- شيئًا وغابت عنك أشياء - فهذا حبر الأمة عبد الله بن عباس يقول في شأن المبيت بمنی «ارم ويت حيث شئت» وقد أورد رأيه هذا الشيخ سيد سابق في كتابه «فقه السنة».
وسألت أخي العالم المتحدث إن كان قد جرب أن يشارك هؤلاء الحجاج مبيتهم بالصورة التي تطاردنا في كل مكان «بمنى» فأجاب بأنه لم يجربها، ووعدته بأن آخذ برأيه إذا دخل هذه التجربة ولقيني بعد ذلك ... أما الآن فأنا مع رأي فتوى الشيخ «ابن باز» ومن قبل مع فتوى حبر الأمة «عبد الله بن عباس».
إن هذا الدين متين، فأوغل فيه برفق، فإن المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى.
«ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه».
فكلمتي إلى إخواني الذين يشددون ويشقون على الناس الذين يرون في فتاواهم فريضة شرعية واجبة الالتزام... أقول إنكم بذلك تسيئون -من حيث لا تدرون- إلى الشريعة التي تظنون أنكم -بتشددكم- تدافعون عنها وتحرسون أحكامها، فارجعوا إلى فتوى شيخنا الجليل «ابن باز» وارجعوا إلى ما أورده الشيخ سيد سابق من قول ابن عباس حتى لا تنفصل فتاواكم عن جوهر الدين وواقع الزمان والمكان...
والله ولي التوفيق. 

الرابط المختصر :