العنوان مفهوم العلاقات الدولية في الإسلام الحلقة الأخيرة
الكاتب د. سعيد حارب
تاريخ النشر الأحد 22-مارس-1992
مشاهدات 53
نشر في العدد 994
نشر في الصفحة 26
الأحد 22-مارس-1992
المقارنة بين مفهوم العلاقات الدولية في الإسلام والنظم الوضعية
إن من أهم ما
يتميز به نظام الإسلام في العلاقات الدولية على الأنظمة الوضعية ما يلي:
1. ثبات المصادر
يتميز النظام
الإسلامي بثبات مصادره وعدم خضوعها للمتغيرات والأحداث، فمصدر النظام الإسلامي في
العلاقات الخارجية هو القرآن الكريم والسنة النبوية، ثم بعد ذلك اجتهادات الفقهاء
بما لا يخرج عن إطار المصدرين السابقين. ولذا فإن استقرار هذه المصادر أدى إلى
استقرار نظام العلاقات الخارجية في الإسلام خلال جميع المراحل التاريخية التي مرت
بها الدولة الإسلامية، بينما نجد الوسائل التي تحقق أهداف هذا النظام قد تغيرت
وتبدلت وفقًا للظروف التي مرت بها الدولة الإسلامية. وهذا يبين لنا عظمة الإسلام
في ثبات مصادره وتطور وسائله بما يحقق مواكبة العصور.
وهذه السمة لا
نجدها في النظام الوضعي، حيث العرف الدولي والاتفاقيات والمعاهدات مصادر أساسية
للعلاقات الخارجية، وهي مصادر متغيرة مع تغير الأسباب والظروف، ولذا فإننا لا نجد
استمرارًا في النظام الوضعي للعلاقات الخارجية، مما يجعل هذه العلاقات متغيرة وغير
مستقرة، وهذا يفقد أي نظام احترامه وتقديره.
2. مكانة الشريعة والدين
للشريعة
الإسلامية (أو الدين) مكان واضح في مفهوم العلاقات الخارجية في الإسلام، حيث تعتبر
الشريعة الإسلامية هي المحرك والدافع لهذه الأهداف كما تعتبر الحاكم لها. فلا يمكن
أن تخرج هذه العلاقات عن أحكام الشريعة الإسلامية، والعمل على تطبيق أحكام الإسلام
هدف تعمل له. بينما نجد النظم الوضعية لا تتخذ موقفًا واضحًا من الدين، فبينما
ينادي علماء العلاقات الدولية بعزل الدين عن التأثير في هذه العلاقات، نجد أن هناك
أنظمة ودولًا وأحزابًا وضعية تجعل من الدين قاعدة تنطلق منها. وهذا الاختلاف في
الموقف من الدين يشير إلى قضية هامة وهي أن الدعوة إلى عزل الدين من التأثير في
العلاقات الخارجية كان الهدف منها هو عزل الإسلام عن ذلك؛ لأننا نجد بقية الأديان
ما زالت تمارس هذا الدور، ومما يؤسف له أن كثيرًا من بلاد الإسلام قد خضعت لهذا
التصور حيث عزلت الإسلام عن التأثير في علاقاتها مع الدول الأخرى، بل إن بعضها قد
أقام علاقات مع دول غير إسلامية لضرب الإسلام والمسلمين في تلك الدول.
3. مبادئ العلاقات الخارجية في الإسلام
تميزت العلاقات
الخارجية في الإسلام بمميزات تعبر عن حقيقة الإسلام تقوم على مبادئ العدل والسلام
والحرية ومساعدة المظلوم والوفاء بالعهود والتسامح. وقد استمرت هذه الخصائص خلال
العصور الإسلامية المختلفة. وقد ساهمت هذه المميزات في إقامة علاقات وثيقة بين
الدولة الإسلامية وغيرها من الدول والشعوب. ولم تعرف البشرية أمة في تاريخها تميزت
بمثل ذلك، فالدول الأوروبية التي تعتبر -في النظام الوضعي- أول من سبق إلى هذا
الميدان لم تقم علاقاتها على هذه الأسس.
فقد أقامت الدول
الأوروبية العلاقات الدولية على أسس 3 على التوالي:
في أول العهد
كانت المسيحية هي الأساس الذي تقوم عليه العلاقات الدولية، وقد اتخذت هذا الأساس
منذ العصر الاستعماري -في مفتتح العصر الحديث في القرن 16- واستمر هذا الأساس حتى
عام 1856.
وكان من شأن هذا
الأساس عدم الاعتراف بالشخصية الدولية -وما يترتب عليها من الحق في تملك أقاليم
الدول غير المسيحية بصفة خاصة- إلا للدول المسيحية فقط.
ولم يكن ثمة حرج
في الاستيلاء على أراضي الدول غير المسيحية وفتح أقاليمها واستعباد أهلها
واستغلالها كما تشاء الدول المسيحية، ولو اعتنق أهلها المسيحية بعد ذلك.
ثم اتخذت الدول
الأوروبية بعد ذلك أساسًا جديدًا وهو المدنية (Civil)،
بمعنى أن الدول المتمدينة يصح أن يعترف لها بالشخصية وأن يكون لها حق التملك وأن
تعتبر عضوًا في العائلة الدولية.
ثم اتخذت الدول
الأوروبية أساسًا ثالثًا بعد الحرب العالمية الثانية عام 1944 م- 1363 هـ، وهو
السلام. وكان السبب في ذلك هو ضعف قبضة الدول الأوروبية على المستعمرات نتيجة ما
لاقته في الحروب من الاستنزاف.
4. اتساع مفهوم العلاقات الخارجية في الإسلام
تتميز العلاقات
الخارجية في الإسلام باتساع مفهومها حيث لا تقتصر هذه العلاقات على الدول، بل تقوم
العلاقات مع المؤسسات والأفراد؛ حيث إن هدف العلاقات الخارجية في الإسلام هو نشر
الدعوة الإسلامية وإيصالها إلى الناس كافة، وقد تقف بعض الدول دون ذلك، ولذا فإن
الدولة الإسلامية يحق لها أن تقيم علاقاتها مع المؤسسات والأفراد الذين يستجيبون
لهذه الدعوة دون النظر إلى أنظمتهم الوضعية الحاكمة.
كما أن
الممارسات العملية للعلاقات الخارجية في الدولة الإسلامية لا تتوقف عند الأجهزة
الرسمية للدولة، بل يقوم بها كل مسلم مادام مؤهلًا لذلك، فالأمان مثلًا أو ما يعرف «باللجوء
السياسي» يحق للفرد المسلم كما يحق للدولة الإسلامية.
وهذا الحق
للأفراد لا تجده في النظم الوضعية التي تجعل العلاقات الخارجية بيد سلطة واحدة هي
الدولة.
وهذا لا يمنع من
أن تتدخل الدولة الإسلامية لتنظيم العلاقات الخارجية التي يمارسها الأفراد.
5. شمولية العلاقات الخارجية
تتميز العلاقات
الخارجية في الإسلام بأنها علاقات شمولية تخاطب كل الناس أفرادًا وجماعات، وذلك
انطلاقًا من شمولية الإسلام للبشرية كافة.
وقد سبق الإسلام
جميع الدول لتقرير هذه النظرة الشمولية، وقد جاءت الدول المتأخرة لترى في هذه
النظرة واقعية أكثر؛ حيث تسعى هذه الدول ذات الأنظمة العقائدية (الأيديولوجية)
كالأنظمة الشيوعية وغيرها من الدول ذات الأهداف العالمية لتجعل من علاقاتها
الخارجية وسيلة لتحقيق أهدافها؛ فجعلت علاقاتها الخارجية علاقات شاملة.
6. أخلاقية الأهداف والوسائل
تخضع أهداف
ووسائل العلاقات الخارجية في الإسلام للمبادئ الأساسية للإسلام، فإنها تعتبر
أهدافًا ووسائل نبيلة سامية، ويرفض الإسلام اتخاذ الوسائل المنحرفة لتحقيق أهدافه
مهما كانت هذه الأهداف سامية، فالهدف المشروع لابد له من وسيلة مشروعة.
ولذا فإن
الإسلام يرفض بعض الأساليب التي تقوم عليها العلاقات الخارجية الوضعية -أحيانًا-
من اعتماد الخداع والكذب والظلم والفساد وغير ذلك من الوسائل التي لا يقرها
الإسلام، بينما نجد الأنظمة الوضعية لا تجعل للوسيلة أهمية ما دامت تهدف إلى تحقيق
أغراضها ومصالحها، فهي تعمد أحيانًا إلى وسائل غير مشروعة لتحقيق أهدافها.
وشعارها في ذلك
ما دعا إليه ميكيافيلي في كتابه «الأمير» من أن الغاية تبرر الوسيلة.
7. تحقيق المصالح العامة
تسعى الدولة
الإسلامية من خلال علاقاتها الخارجية لتحقيق مصالح عامة للبشرية كالسلام العالمي،
وتجعل ذلك من أهدافها الرئيسية. بينما نجد أن الدول في الأنظمة الوضعية لا تعطي
اهتمامًا بذلك، بل تجعل مصالحها الذاتية مقدمة على أي هدف آخر. وهذا يؤدي إلى
الصراع الدولي حيث تتعارض مصالح الدول مع بعضها البعض، مما يدفع بها إلى التنافس
والصراع.
8. طبيعة العلاقات الخارجية
تختلف طبيعة
العلاقات الخارجية في الدولة الإسلامية عن النظم الوضعية- وقد بينا طبيعة العلاقة
في الدولة الإسلامية فيما سبق- إلا أن طبيعة العلاقات في النظم الوضعية غير واضحة،
فرغم ما تعلنه الدول من خلال التزامها بميثاق الأمم المتحدة الذي يدعو للسلام إلا
أنها تمارس الحرب واقعاً عمليًا، وتعمد في كثير من الأحيان إلى إثارة الحروب لفرض
سيطرتها على الآخرين وتحقيق مصالحها الذاتية، وعدم الوضوح في طبيعة العلاقة يؤدي
إلى اضطراب هذه العلاقات وعدم استمراريتها وفقدانها لمصداقيتها عند الشعوب والدول.
9. مبدأ الردع
لقد سبق الإسلام
كل النظريات المعاصرة في وجوب الاستعداد لمواجهة طغيان المعتدين، وهو ما يطلق عليه
«الردع» أو «القوة الرادعة»، حيث تزيد الدول من قوتها لتتمكن من تحقيق ما تريد في
ميدان العلاقات الدولية.
والإسلام يختلف
عن النظم الوضعية لأنه لا يُعِد هذه القوة للاعتداء وللظلم، وإنما يعدها حتى تكون
له هيبة ترد كيد الطامعين والمتآمرين.
أما في النظم
الوضعية فإن القوة تعد لكي تستخدم في تحقيق مصالح الدول وفرض رأيها على الدول
الأضعف، وهذا ما نشاهده في عالمنا المعاصر حيث فرضت الدول الكبرى أو ما يسمى «القوى
العظمى» قوتها وهيمنتها على الدول الضعيفة. فأصبحت هذه الدول تدور في فلك تلك
القوى. وإذا كان الغرب يحاول تشويه صورة الدولة الإسلامية، فيدعي أن الإسلام يقيم
علاقاته مع الآخرين على أساس القوة، فإننا نقول إن الإسلام يقرر القوة كمبدأ لردع
المعتدين والطامعين، أما العالم المعاصر فإنه يقرر القوة لتحقيق مصالحه وأهدافه
التي تكون أهدافًا غير مشروعة في كثير من الأحيان. فأي الفريقين أحق بالنقد
والتقويم؟!
10. الالتزام الذاتي
تقوم العلاقات
الخارجية للدولة الإسلامية على أساس الالتزام الذاتي بقواعد وأصول العلاقات
الدولية، وذلك لأن الإسلام نظم هذه القواعد، ولا تخضع العلاقات في الدولة
الإسلامية لأي مؤثر خارجي، وهذا يوفر لأية دولة استقلالًا كاملًا في اتخاذ مواقفها
وقراراتها الخارجية والداخلية على السواء، وهذه من السمات التي تميز بها النظام
الإسلامي بصفة عامة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل