العنوان معالم على الطريق.. هل آن للديكتاتوريات في العالم الثالث أن تزول؟
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 27-مايو-1997
مشاهدات 66
نشر في العدد 1251
نشر في الصفحة 49
الثلاثاء 27-مايو-1997
«يبدأ الطغيان عندما تنتهي سلطة القانون، أي عند انتهاك القانون وإلحاق الأذى بالآخرين»، «فالشرطي الذي يجاوز حدود سلطاته يتحول إلى لص أو قاطع طريق، كذلك كل من يتجاوز حدود السلطة المشروعة سواء أكان موظفًا رفيعًا أم وضيعًا، ملكًا أم وزيرًا، بل إن جرمه يكون أعظم إذا صدر عمن عظمت الأمانة التي عهد بها إليه...» من أقوال «جون لوك».
«إذا ذاق المرء قطعة من لحم الإنسان تحول إلى ذئب!!» «فمن يقتل الناس ظلمًا وعدوانًا ويذوق بلسانه وفمه الدنسين دماء أهله ويشردهم ويقتلهم ينتهي به الأمر أن يصبح وحشًا وطاغية وذئبًا»، من أقوال «أفلاطون».
مثل هذا الطاغية، أو الشخصية البهيمية، أو الحيوان الأكبر -كما يسميه أفلاطون- لن يصادق إلا رفقاء السوء، ولهذا لا ينبغي لنا أن ندهش عندما نجد أعوان الطاغية يمارسون مجموعة من الجرائم الكبيرة، كالسرقة، واغتصاب الأموال، وهتك الأعراض، وبيع الأحرار، وقتل الآمنين، وإذا كانوا يجيدون الحديث احترفوا الوشاية، وشهادة الزور أو الاتهام الكاذب للأبرياء، وأخذ الرشوة، وبيع الأسرار، وهذه الجرائم تعد قليلة وصغيرة بالنسبة للجرائم الفادحة التي يرتكبها الطغاة، وهذه الآثام كلها لا تكاد تكون شيئًا مذكورًا إذا ما قورنت بما يجلبه الطاغية على الناس والدولة من بؤس ودمار وبلاء، كما يشير أفلاطون إلى أن هؤلاء الأعوان يمكن أن يخلقوا الطاغية، فيقول: إذا وجد في الدولة عدد كبير من هؤلاء النفعيين والمتسلقين ومن أتباعهم وشعروا بقوتهم، فإن هؤلاء -مستعينين بغباء الشعب- هم الذين يخلقون الطاغية، والتاريخ دائمًا يعيد نفسه: «وتلك الأيام نداولها بين الناس»، وقد حدثنا القرآن عن كثير من الطغاة وأعوانهم الذين استخفوا بالشعوب والأقوام: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ (الزخرف: 54)، حدثنا عن فرعون وغيره فقال: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (القصص: 4) ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ* الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ (الفجر: 7-14) كما حذرنا من عواقبهم الوخيمة التي تحيق بهم فقال: ﴿وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ* وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ * فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ﴾ (سورة إبراهيم: 45-47)، وقد أنار الإسلام التاريخ الإنساني وخلص البشرية من ظلم الطغاة والجبابرة وجعل الركون إليهم هلاكًا وكفرًا: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ﴾ (سورة هود: 113) ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (سورة النساء: 97) ولكنه وبعد خمود الجذوة الإسلامية في ديار المسلمين وضياع المثل الإسلامي من العالم استفادت نهضات وارتكست أخرى وخصوصًا في العالم الثالث الذي جاست خلاله عصابات من الديكتاتوريات ووحوش من الطغاة، أكلت الآمنين وعاشت على دمائهم، وتألهت في مجتمعاتهم، وأسامت الناس صنوف العذاب أشكالًا وألوانًا، وأنت الجماهير تحت وطأتهم أنين الاحتضار وحشرجت من بأسهم وبغيهم حشرجة الموت، وما حظيت بشيء من الرحمة أو بلفتة من الرعاية، رغم أنهم البقرة الحلوب التي ينهبون حلابها، ويسرقون قوتها، ويطأون ظهرها، ويلوكون أكبادها.
والحقيقة: أنني كلما قرأت عن الاستبداد والطغيان في القديم أو الحديث أجده يرتبط بعضه ببعض ويأخذ بعضه بحجز البعض الآخر، فصفحات الديكتاتورية القديمة هي هي ديكتاتورية العصر الحديث المتخلفة حين يتحدث فيها المظلوم والمكلوم عن الديكتاتور الذي تسلط عليه، وسامه سوء العذاب، فيقول: الراعي الموكل بي قد أرسل قوى الشر علي، أنا الذي لست عدوه، أعوانه لا يقولون في كلمة الحق، يقولون عن كلامي الصادق إنه كذب وزور، ولقد تآمر علي المخادع المرائي، وأنت يا إلهي «الحاكم» لا تحبط مسعاه بل تساعده، فأنت الحكيم، لماذا أقيد مع الجهلة، وأنا المدرك العاقل، لماذا أحبس مع المجرمين؟!، الطعام وفير في كل مكان، لكن طعامي الجوع، في اليوم الذي قسمت فيه الأنصبة على الناس كان نصيبي هو الألم والغباء، يا إلهي أريد أن أقف بين يديك أريد أن أكلمك، وكلمتي آنين ونواح، وأريد أن أعرض عليك أمري وأندب مرارة سبيلي، أريد أن أندب اضطراب حالي عيناي تحدقان، ولكن لا تبصران، إذناي مفتوحتان ولكن لا تسمعان الوهن تملك جسدي كله، والرعشة قضت على لحمي، قبض الشلل على ذراعي، والعجز على ركبتي، حتى نسيت الحركة قدماي آلامي موجعة، وجرحي قاس، المعذب لا يكف عن تعذيبي طوال النهار، ولا يتركني أستريح بالليل ولا للحظة واحدة لقد انشقت عروقي وتمزق جسدي وأنا أقضي الليل كالثور في الروث، وأتمرغ في مضلاتي كالغنم، وأنا الآن كان قبري ينتظرني وأنا أعد جنازتي وقد توقف النواح علي قبل أن أموت، لكنني أعلم اليوم الذي سيجيء فيه الفرج، إنني أراه، وذلك عندما تشرق شمس الحرية ويكلؤنا الله برحمته وتكون انتفاضة الحياة السعيدة.
ألا ترى معي يا أخي أن هذا الألم هو نفسه الذي يعانيه الذين يرزحون تحت الديكتاتوريات الآن، وأن هذا العناء الذي تقاسيه الأفراد والشعوب هو هو نفسه، وأن الأمم المقهورة اليوم تمني نفسها بانتفاضة، وتحلم بيوم الخلاص، كما كانت تتمناه الشعوب من قبل ولقد رأت دول العالم الثالث هذه الأيام، وينظر العالم معها إلى تهاوي طاغية وسقوط ديكتاتور أذاق أمته الويل والثبور هو إزاحة «موبوتو سيسي سيكو» ديكتاتور زائير -بعد انتفاضة شعبه الذي رزح تحت الظلم كثيرًا- حيث كان هذا تحقيقًا لهذه الأحلام المكبوتة وتخليصًا لهذه الشعوب المنكوبة، رغم أنه سرق أموال الشعب بما يقدره المحللون بأكثر من 17 مليارًا من الدولارات تكفي لسداد ديون زائير التي أثقلها بها هذا الطاغية، ورغم أنه لم يتخل عن حكمه إلا بعد حروب دامت 7 سنوات عجاف طوال أكلت من المشردين ما أكلت وخلفت من المآسي ما خلفت، ولكن الشعب اليوم في سعادة وفرح، لأن الحرية لا يعدلها شيء.
ولكني أريد أن أقول: هل ما زال كابيلا، رجل التحرير، رجلًا إرهابيًا خرج على الحكم الشرعي؟ أم أنه اليوم محرر العبيد؟ وهل ما زالت ديكتاتوريات العالم الثالث اليوم تظن أنها مخلدة؟ أم أن يومها آت لا محالة؟ أظن أنها زائلة وعن قريب إن شاء الله.
وهل سيكون كابيلا ديكتاتورًا آخر، ولكن بلون جديد، وديمقراطية مزيفة، وعميلة؟، أقول: نعم، إذا ظل الشعب نائمًا، والجهل سادرًا، ونسأل الله أن لا يكون ذلك.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل