; بين الداخل والخارج | مجلة المجتمع

العنوان بين الداخل والخارج

الكاتب منير شفيق

تاريخ النشر الثلاثاء 21-يوليو-1998

مشاهدات 68

نشر في العدد 1309

نشر في الصفحة 66

الثلاثاء 21-يوليو-1998

سيظل موضوع العلاقة بين الداخل والخارج محط خلاف واسع، وإن كان أغلب الذين يتناولون الموضوع يميلون إلى إعطاء الأولوية لفعل الداخل، ويرفضون أن يقال إن الغرب مثلًا فعل كذا وكذا بالأمة، ويردون على ذلك بالقول: لا تعلقوا نواقصكم وسلبياتكم ومسؤوليتكم على مشجب الغرب، بل انظروا إلى ما في الأمة من علل، فهي المسؤولة عن كل ما حل ويحل بكم.

هنا ثمة اتجاه لإعطاء الأولوية فيما يحدث للداخل، ويرفض إعطاء الأولوية للخارج في مطلق الحالات، ولا يستثني أي حالة، وهناك اتجاهات أخرى تعترف بدور للخارج، لكن تضعه في مرتبة ثانية، وتأبى أن تعطيه الأولوية حتى في الحالات الاستثنائية.

لو تمعنا في سنن الله في الآفاق وفي أنفسنا، وفي العلاقات فيما بين الشعوب أو فيما بين الدول، فستجدها تجري بصورة مركبة متعددة، وليست تبسيطية ذات وجه واحد، فعندما تهب العواصف والأعاصير، وتندفع الفيضانات، وتتفجر الزلازل، ثم تقتلع ما يقوم أمامها من زرع وشجر ومساكن، وتودي بالضرع وحياة المئات والآلاف، وربما بقري بأسرها، فهذا فعل خارجي بالنسبة إلى ضحاياه، ولا يمكن أن ينحي بالمسؤولية إلا عليه، وعندما تصل أمة إلى رفعة ومنعة، ثم تتنكر لأنعم الله؛ فتنغمس- أو على الأصح- ينغمس الملأ الأعلى فيها بالفسق والفجور، وارتكاب المظالم، وتنكب الصراط المستقيم، تحل بها الكوارث، وتبدأ بالسقوطـ حتى تذهب ريحها، وهي الحالة التي أشار إليها القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (الأنفال:53)، هنا تقع المسؤولية بصورة حاسمة على العامل الداخلي، وتكون له الأولوية فيما حدث من انحطاط ونهاية فاجعة.

أما من جهة أخرى فإن السعي الذاتي الإيجابي ومهما بلغ من الدقة، أو استكمل من شروط التقدم في حالة الدعوة والإصلاح، فحكم نجاحه بالمعنى المادي الدنيوي، قد عرف حالات متعددة، بعضها أصابت ذلك النجاح، وبعضها لم نصبه، وإن كان الفوز مضمونًا للصادقين في الآخرة، أما السبب فلا يعود للعامل الذاتي وحده فحسب، وإنما أيضًا لمجموعة من العوامل الخارجة عنه، والمؤثرة في فعله وفقًا لكل حالة، وهذا ما يفسر لماذا تعددت مصائر الرسالات التي حملها الأنبياء- عليهم السلام- من حيث النجاح الدنيوي في زمنهم وحياتهم.

من الخطأ عند تحليل قوة كل عامل في حالة ظاهرة اجتماعية، أن يرتكز إلى قانون واحد، وإنما يجب أن تدرس العوامل في تلك الحالة، ثم يصار إلى تحديد أيها كان الأقوى ولعب الدور الحاسم في تقرير مصير تلك الحالة في زمان ومكان محددين.

الذين يجنحون إلى وضع المسؤولية على الشعب الفلسطيني، وحتى على الدول العربية في نجاح المشروع الصهيوني في فلسطين، إنما يستندون إلى فرضيات تعتمد «لو» إلى أقصى مدى، كأن يقولوا: لو كان العرب متحدين، وكانت الأمة الإسلامية موحدة، كحالها في عهود الخلافة، لما نجح المشروع الصهيوني، فهؤلاء يحكمون على وضع من خلال فرضية يسقطونها على الواقع، بدلًا من أن يحكموا على الواقع ضمن ظروفه القائمة الفعلية، فالهروب إلى الفرضية- وإن كانت صحيحة بحد ذاتها- لا يخدم الوصول إلى معرفة صحيحه بالنسبة إلى ما حدث.

ويظهر هذا الخلل المنهجي عندما تتداول مجموعة الظروف والمعطيات التي كانت قائمة موضوعيًا في أثناء فرض المشروع الصهيوني على فلسطين والأمة العربية والإسلامية، فهذا المشروع انطلق وتكرس في ظل أوضاع اتسمت بالسيطرة الاستعمارية التي تبنته وحملته ليس على فلسطين والبلاد العربية والإسلامية فحسب، وإنما أيضاً على العالم كله، وجاء في ظروف حالة تجزئة عربية وإسلامية، أغلبها فرض من خلال سايكس بيكو، وحمي بالجيوش الأجنبية في حينه، أي كان دور العامل الخارجي في هذه الحالة المحددة حاسمًا في تقرير مصير الصراع حتى الآن، وفيما وصلته الدولة العبرية من قوة، وفيما أصاب الأوضاع العربية والفلسطينية من ضعف وارتباك وعجز، وإذا كان هنالك من مسؤولية تلقى على عائق العامل الذاتي الفلسطيني والعربي، فلن ترقى أبدًا إلى مستوى الأولوية، وتتقدم العامل الخارجي ضمن المعطيات التي كانت سائدة في العالم وفي فلسطين، وفي البلاد العربية والإسلامية.

أما الخوف من أن هذا التحليل يعفي الذات من المسؤولية، وهو يلقيها على شجب الخارج، ففيه خلط بين التحليل الموضوعي الدقيق للمعطيات الواقعية التي حكمت الصراع من جهة، وبين البحث من جهة أخرى عن عوامل الضعف في الأمة لحثها على النهوض، أي أن التحليل العلمي الذي يحدد قوة كل عامل في تقرير ما حدث يجب ألا يخضع لخدمة غرض آخر مهما كان ذلك الغرض ضروريًّا وصحيحًا ومهمًّا، فالتحليل يجب أن يقدم الحقيقة كما هي، ثم بعد ذلك يمكن وضعها في خدمة الدعوة للتخلص من السلبيات والنواقص الذاتية.

وبالمناسبة ثمة شبه إجماع في أوساط المتغربين الحداثيين في الهجوم على كل من يشير إلى مسؤولية الخارج الدولي فيما حل بالأمة منذ مائتي عام من كوارث، فتراهم كلما ذكر دور العامل الخارجي وأثره في فرض الوقائع يقولون: تعلقون مسؤوليتكم على مشجب الخارج، حتى أصبح جلد الذات وتحميلها مسؤولية كل ما حدث، والتخفيف إلى أقصى حد من تأثير العوامل الخارجية مهربًا من التهمة الفظيعة «تعلقون نواقصكم ومسؤولياتكم على مشجب الخارج».

على أن هؤلاء الحداثيين سرعان ما ينسون كل ذلك عندما يتناولون موضوع العولمة، فيرفضون أي شكل من أشكال الدعوة لفعل عربي وإسلامي وعالم ثالث، وربما أوروبي جزئيًّا، للحد من غلوائها أو المطالبة بتعديل شروطها ونقدها في عدم مراعاة مصالح الشعوب النامية، فتقول حجتهم: إن العولمة ستفرض نفسها على كل الدول رضي من رضي، وأبى من أبى، وما عليك إلا التكيف مع شروطها، وإلا حكم عليك بالتهميش والخروج من التاريخ.

عجبًا... هنا يصبح العامل الخارجي قدرًا يقرر للداخل عندنا مصيره، وينزع من الداخل أي إمكان حتى للمدافعة أو التعديل، أو تهذيب الشروط، وتعتبر كل محاولة ذاتية داخلية عبثًا محكومًا عليها بالفشل سلفًا.

انظروا كيف تأتي العولمة من الخارج، وتفرض شروطها علينا، وما ينبغي لنا أن نقاوم أو نساوم أو نعدل، وإنما أن تتكيف مع تلك الشروط، ثم يقال: «لا تلقوا المسؤولية على مشجب الخارج»، حقًّا إنه لمنطق عجيب أن يطلب منا أن نخضع للعامل الخارجي وننفذ شروطه، ثم تكون النتائج الناجمة عن ذلك من مسؤوليتنا في نهاية المطاف، وما ينبغي لنا أن نقترب من مشجبه.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 245

110

الثلاثاء 15-أبريل-1975

لا نفر من الزحف (الحلقة 3)

نشر في العدد 1234

82

الثلاثاء 14-يناير-1997

سنن الله التي لا تغيب