; شيء عن السخف الاستشراقي | مجلة المجتمع

العنوان شيء عن السخف الاستشراقي

الكاتب أ. د. عبد المنعم الطائي

تاريخ النشر السبت 28-مارس-2009

مشاهدات 58

نشر في العدد 1845

نشر في الصفحة 66

السبت 28-مارس-2009

الأخيرة

باحث وأكاديمي من العراق

لم يكن موقف الإسلام من معطيات البيئة العربية -التاريخية والجغرافية- التي تنزّل فيها، سلسلة من الأفعال وردودها، كما استنتج عدد من المستشرقين وفق منهج يدعو للسخرية والرثاء!!

إن الإسلام -بداهة- هو استمداد من فوق، استمداد يعتمد على رؤية معرفية تقوم على الوحي الذي يملك نظرة كلية شاملة، تتجاوز أسر المكان والزمان، ونسبياتهما الجغرافية والتاريخية، والمتغيرة والمرحلية والمحدودة، وتحدد مواقفها إيجابًا أو سلبًا في ضوء معايير شمولية ثابتة تقوم على توحيد الله سبحانه وتحرير الإنسان، والتخطيط لقضيته الكبرى في الأرض.

من هذا المنطلق كان الإسلام منذ لحظات تشكله الأولى في العصر المكي، وحتى اكتماله في العصر المدني يتعامل مع المعطيات الجغرافية والتاريخية للبيئة العربية التي تنزل فيها، فيأخذ ويقر ما ينسجم وثوابته ومعاييره المذكورة ويرفض ما لا ينسجم، حتى ولو كان يملك حضورًا مؤكدًا وكبيرًا، كظاهرة الشرك السائدة زمن الجاهلية، فيما يسقط مقولة المستشرقين إياها، والتي تدعو إلى السخرية والرثاء بخصوص الأفعال وردودها ؛ إذ يقومون بتفكيك الجهد الإسلامي في عصر الرسالة، ويصنفون مفرداته وفق نمطين: أحدهما يجيء استجابة محتومة لمطالب البيئة، والآخر يمثل رد فعل عليها.

وما زال الكثيرون يذكرون ذلك الخبط الذي وقع فيه عدد من المستشرقين الماركسيين زمن تمكن الشيوعية وانتشارها في الأرض، والذي ينطوي على جملة من الاستنتاجات وفق المنهج المذكور لا تستحق أي قدر من الاحترام، ونحن نوردها ها هنا؛ لأنها تمثل وسيلة إيضاح مكشوفة لسخف المنهج الذي يعتمده بعض المستشرقين: لقد رأى بعضهم أن المجتمع العربي في «مكة»، و«المدينة» شهد بداية تكوين مجتمع يمتلك الرقيق، بينما يرى «بيجو لفسكايا» أن القرآن يُشعر بتركز مرحلة ملكية الرقيق ويذهب مع «بلاييف» إلى أن المرحلة الإقطاعية هي من آثار اتصال العرب بالشعوب الأخرى. هذا ويرى آخرون أن المجتمع الإقطاعي بدأ بالتكون فعلًا، وتبع هذا قلق في التفسير؛ فمنهم من يرى أن الإسلام يلائم مصالح الطبقات المستغلة الجديدة من ملاك وأرستقراطية الاقطاع، مثل «كليموفيج» ومنهم من يراه في مصلحة أرستقراطية الرقيق فقط.

 في حين أن البعض مثل «بلاييف» يرى أن الإسلام المتمثل بالقرآن لا يلائم المصالح السياسية والاجتماعية للطبقات الحاكمة، فلجأ أصحابه إلى الوضع في الحديث لتسويغ الاستغلال الطبقي الجديد.

وفي حين أن بعضهم يقول: إن الأرستقراطية وحدت القبائل العربية لتحقيق أغراضها، يقول آخرون إن القبائل كانت تتوثب للوحدة، فجاء الإسلام موحدًا يعبر عن ذلك التوثب.

ويضطرب الموقف من منشأ الإسلام ذاته، فبينما يدعي «كليموفيج» أن محمدًا صلى الله عليه وسلم واحد من عدة أنبياء ظهروا وبشروا بالتوحيد، وأراد توحيد القبائل، يذهب «تولستوف» إلى نفي وجود النبي العربي ويعده شخصية أسطورية. وبينما يعترف البعض بظهور الإسلام يذهب كليموفيج» إلى أن جزءًا كبيرًا منه ظهر فيما بعد في مصلحة الإقطاعيين، ونسب أصله إلى فعاليات معجزة لمحمد. وتجاوز «تولستوف» إلى أن الإسلام نشأ من أسطورة صنعت في فترة الخلافة لمصلحة الطبقة الحاكمة، وهي أسطورة مستمدة من اعتقادات سابقة تسمى الحنيفية!!

ويخطر على البال -كذلك- تلك المقولة الفجة التي يذهب أصحابها إلى أن تأكيد القرآن الكريم على العذاب في نار جهنم في العديد من سوره وآياته، إنما جاء انعكاسًا لحر الصحراء وسعيرها، وكأنه ليس هناك في القرآن الكريم نفسه إلى جانب الحر الملتهب إشارات إلى الزمهرير الذي هو النقيض تمامًا!!

كما يخطر على البال مقولة عدد من المستشرقين من أن محمدًا صلى الله عليه وسلم لم ينتقل إلى الدعوة العالمية إلا بعد أن أصبح يملك دولة وجيشًا.. وينسون أن الآيات التي وردت بخصوص عالمية الإسلام تنزلت جميعا في العصر المكي، يوم كان المسلمون لا يملكون دولة ولا جيشًا..

ترهات المستشرقين والوضعيين كثيرة، وكيدهم لهذا الدين ونبي هذا الدين لا نهاية له وهو يركب لتحقيق هدفه کل مركب، ويعتمد كل أسلوب مهما كان على درجة من السخف والتهافت.

الرابط المختصر :