العنوان ما هو مفهوم التحرر عند المرأة الشرقية؟!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 02-مارس-1971
مشاهدات 92
نشر في العدد 49
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 02-مارس-1971
(هذه كلمة نشرتها مجلة التجارة والصناعة السعودية في العدد الثالث السنة السادسة، و«المجتمع» تعيد نشرها لما فيها من فائدة)
- ماذا يقول براتراند راسل عن الاختلاط؟
- أهمية بقاء الأم في البیت!
رأي في الحجاب
وإن كان لا بد من الاستشهاد بآراء بناة الحضارة الحديثة في موضوع الحجاب، فليكن رأي المفكر الإنجليزي « براتراند راسل » الذي يقول في كتابه «الأخلاق والزواج»: هناك شرط مهم يساعد في دعـم الحياة الزوجية، ذلك هو خلو الحياة الاجتماعية من النظم التي تسمح بالمصادقة والمخالطة بين المتزوجين من الرجال والنساء، سواء في العمل أو في المناسبات والحفلات وما شاكلها، إن العلاقات العاطفية بين المتزوجين وغير المتزوجين من رجال ونساء خارج دائرة الحياة الزوجية هي سبب شقاء الأزواج وكثرة حوادث الطلاق، وليس عسيرًا أن نجمع أمثلة كثيرة عن البيوت التي انهارت بسبب اتصال الأزواج والزوجات بغیر شركائهم في الحياة الزوجية، سواء في العمل أو في المناسبات الاجتماعية!
وبراتراند راسل برأيه هذا القوي الصريح يرد على دعاة الاختلاط بين الجنسين في التعليم والتشغيل، ويجعل الحياة الزوجية السعيدة الموفقة رهنًا بعدم الاختلاط بينهما في غير نطاق الزواج المشروع.
لا تعرف مكانة المرأة في التشريع الإسلامي على حقيقتها إلا بعد معرفة النظرة التي كان يُنظَر بها إلى المرأة في الحضارات والتشريعات السابقة، وبعد إدراك المعاملة التي كانت تعامَل بها قبل الاسلام، لقد كانت «المرأة»:
· عند الإغريق والفرس متاعًا للبيع والشراء، وكان الرجل صاحب سلطة عليها، سواء كان أبًا أو زوجًا، إذ لا أهلية فيها للتصرف.
· وفي الهند كان حق الحياة أو حقها في الحياة ينتهي بوفاة زوجها، فتُحرَق على جثته، وإن سلمت من عملية الحرق عاشت ملعونة منبوذة طوال حياتها.
· وفي الجاهلية العربية كانوا يئدون البنات، وكان الابن يرث زوجة أبيه بعـد وفاته كما يرث متاعه، ويتحكم في تصرفاتها وفي حياتها، وعندما جاء الإسلام حرَّم هذه الشريعة الجاهلية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ۖ﴾ (سورة النساء: آية 19).
· وعند قدماء المصريين المرأة هي علة الخطيئة.
· وفي القانون الروماني: كانت المرأة قاصرًا لا تستقل بحقوق منفصلة عن زوجها، ولا تتصرف في أموالها إلا بإذنه.
· وفي ظل التصور الرهباني المسيحي كانت المرأة منبع المعاصي والفجور، وهي للرجل باب من أبواب جهنم، من حيث هي سبب تحريكه وحثه على الإثارة، وجمالها سلاح إبليس الذي لا يوازيه سلاح من أسلحته المتنوعة.
المرأة مصدر الشرور
· وفي أوروبا المسيحية بصفة عامة إلى ما قبل بضعة قرون تعتبر المرأة مصدر الشرور والآثام وحليفة الشيطان، وليس لها حق التصرف في أموالها، وتنسلخ من رابطة أسرتها إلى رابطة زوجها ونسبه، وكان الفلاسفة ورجال الكنيسة يطيلون الجدل حول كون المرأة شيئًا أم شخصًا؟ وهل لها روح إنسانية كالرجل؟ وهل تستحق مثله الحياة الأخرى؟
مفهوم التحرر
· وانتهى المؤتمر الذي ناقش قضية المرأة في فرنسا عام ٥٨٦- أي قبل مولد الرسول- عليه الصلاة والسلام- إلى قرار: أن المرأة خُلقت لخدمة الرجل.
تعیب الكاتبة الأمريكية «مريم جميلة» «۲» على «النسائيين» أي دعاة تحرير المرأة المسلمة في العالم الإسلامي، تعيب عليهم فهمهم الخاطئ لمعنى «التحرر» على أنه الإباحية المطلقة للنساء في الاختلاط بالرجال، حيث شِئْن وأنَّى ذَهَبن، بدون قيد ولا شرط، وفي اختيار الأزياء غير المحتشمة، وفي توظيفهن خارج البيوت، في الأسواق والمسارح ودور السينما، وفي مساهمتهن في الحياة العامة، مهما تمزقت أواصر الأسرة وانتهكت حرمات العفة والإباء.
هذا ما تقوله «الكاتبة الأمريكية» التي ولدت وعاشت حياة حرة طليقة من كل قيد حيث السفور والاختلاط، وعمل المرأة إلى جانب الرجل في كل مكان، وانطلاق الفتاة من تقاليد الأسرة وآدابها، ومصادقتها للفتيان والذهاب معهم إلى أبعد حدود الحرية والانطلاق، تقول ذلك الكاتبة الأمريكية عن تجربة مثيرة مرت وتمر بها المجتمعات الأوربية والأمريكية والعربية المتحررة، وتدعو بإخلاص بعد اعتناقها للإسلام ومعرفتها أحكامه وآدابه إلى أن يعرف النساء المسلمات نعمة الله عليهن بهذا الدين، الذي جاءت أحكامه وآدابه صائنة لحرماتهن، راعية لكرامتهن، محافظة على عفافهن وحيائهن من الانتهاك وضياع الأسرة.
ويقول الدكتور ألكسس كاريل صاحب کتاب «الإنسان ذلك المجهول»، الذي تناول فيه حضارة قومه الغربيين بالنقد البصير المرير؛ لاهتمامها بالإنتاج المادي وحده، وإهمالها للإنسان عقلًا وروحًا وعاطفةً، لقد ارتكب المجتمـع العصري غلطة جسيمة باستبداله تدريب الأسرة بالمدرسة استبدالًا تامًا، ولهذا تترك الأمهات أطفالهن لدور الحضانة؛ حتى ينصرفن لأعمالهن أو مطامعهن الاجتماعية أو مباذلهن أو هواياتهن الأدبية والفنية أو ارتياد دور السينما، وهكذا يُضيِّعن أوقاتهن في الكسل، إنهن مسؤولات عن اختفاء وحدة الأسرة واجتماعاتها التي يتصل الطفل فيها بالكبار، فيتعلم منهم أمورًا كثيرة؛ لأن الطفل يشكل نشاطه الفسيولوجي والعقلي والعاطفي طبقًا للقوالب الموجودة في محيطه، إذ إنه لا يتعلم إلا قليلًا من الأطفال الذين في مثل سنه، وحينما يكون مجرد وحدة في المدرسة فإنه يظل غير مكتمل.
وعن تشبيه النساء بالرجال يقول كاريل: يجب أن نعيد إنشاء الإنسان في تمام شخصيته، هذا الإنسان الذي أضعفته الحياة العصرية ومقاييسها الموضوعية، كما يجب أن يحدد الإنسان مرة أخرى، فيكون كل فرد إما ذكرًا وإما أنثى، فلا يتقمص مطلقًا صفات الجنس الآخر العقلية وميوله الجنسية وطموحه الذاتي.
قلت: إن القرآن الكريم أكد هذه الحقيقة العلمية الإنسانية منذ أربعة عشر قرنًا في قول الله عز وجل: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَىٰ﴾ (سورة آل عمران: آية 36)، كما كررها مرة أخرى في قوله عن المرأة وتكوينها الرقيق الخاص: ﴿أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ (سورة الزخرف: آية 18).
ولذلك يعود كاريل إلى الحديث عن الاختلافات الموجودة بين الرجل والمرأة، فيقول: إن الاختلافات بين الرجل والمرأة ليست في الشكل الخاص للأعضاء التناسلية وفي وجود الرحم والحمل، بل هي ذات طبيعية أكثر أهمية من ذلك، إن الاختلافات بينهما تنشأ من تكون الأنسجة ذاتها، ومن تلقيح الجسم كله بمواد كيماوية محددة يفرزها المبيض، وقد أدى الجهل بهذه الحقائق الجوهرية بالمدافعين عن الأنوثة إلى الاعتقاد بأنه يجب أن يتلقى الجنسان تعليمًا واحدًا، وأن يُمنحا سلطات واحدة ومسئوليات متشابهة، والحقيقة أن المرأة تختلف اختلافًا كبيرًا عن الرجل؛ فكل خلية من خلايا جسمها تحمل طابع جنسها، والأمر صحيح بالنسبة لأعضائها ولجهازها العصبي أيضًا.
والنساء وحدهن من بين الثدييات هن اللائي يصلن إلى نموهن الكامل بعد حمل أو اثنين، كما أن النساء اللائي لم يحملن لسن متزنات توازنًا كاملًا كالوالدات؛ فالأمومة لازمة لاكتمال نمو المرأة، ثم ينصح كاريل النساء: أنْ ينمين أهليتهن تبعًا لطبيعتهن، دون أن يحاولن تقليد الذكور؛ فإن دورهن في تقدم الحضارة أسمى من دور الرجال، فيجب عليهن ألا يتخلين عن وظائفهن المحددة.
أهمية الأم في البيت
وينقل الدكتور عبد الرحمن الصابوني في كتابه «نظام الأسرة» رأيًا لمؤلفة كتاب «أطفال بلا أسر»، ورأيًا مماثلًا للدكتور «وين دينس» عالم النفس الأمريكي: أن ذكاء الطفل ينمو، وقدرته على الكلام تقوى إذا نشأ بين أبويه، ولم يُترك للمحاضن أو رياض الأطفال أو المربيات الأجنبيات.
ويعقب الدكتور الصابوني بقوله: إن هذه الدراسة التربوية تكشف لنا أهمية بقاء الأم في البيت لأداء واجبها نحو أسرتها، ثم يقول: إن كل تشريع تضعه الدولة ويدعو إلى هجر الأسرة أو التنفير من الزواج، أو التشجيع على فك روابط الأسرة ووحدتها هو تشريع يحاربه الإسلام. «1»
ویرى الأستاذ العقاد: أن المرأة تختلف عن الرجل في الكثير من الظواهر والبواطن: في مادة الدم، ونبضات القلب، وعوارض التنفس، وفي سمنة الوجه، وحجم الدماغ، وهندام الجسم، ونغمة الصوت، ولا يزعم أن المرأة هي الرجل والرجل هو المرأة إلا من ينكر الحس، ويناقض البداهة، فالبداهة والخبرة ترسمان مجالًا للمرأة هو القيام على النسل وما هو بالعمل الهين ولا بالحقير، وترسمان للرجل مجالًا هو عراك الحياة وشئون السلطان، وما هو بالعمل الكبير عليه، ولا هو بالنصيب الذي يحسد من أجله.
يرسل النسائيون الدعاوى العراض الطوال عن جهل المرأة المسلمة، ويزعمون زورًا أن الإسلام يحرمها من التعليم أو يُحرِّمه عليها، مع أن الإسلام لا يُحرِّم تعليم المرأة بل يحض عليه، ويدعو إليه ويجعله فرضًا عليها كما هو فرض على الرجل.
ولكنه لا يذهب بعيدًا في مدى تعليمها ما لا تحتاج إليه في بيتها، ومعاملة زوجها، وتربية أولادها، وشئون دينها، فعلى المرأة في نظام الإسلام أن تتعلم أحكام دينها وأركانه وواجباته وعباداته من صلاة وزكاة وصيام وحج وغيرها.
وعلى المرأة كذلك أن ترسخ عقيدتها الدينية، وتتوجه إلى السماء دائمًا؛ لترتفع بأعمالها وعقيدتها وتضحياتها في سبيل الزوج والأولاد عن المستوى الأرضي المادي الحقير.
وفي قصص أمهات المؤمنين من زوجات الرسول «عليه الصلاة والسلام»، وسيرة النساء الأوائل في تاريخ الإسلام من زوجات الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان، أمثلة رائعة ونماذج مشرقة لعلم المرأة المسلمة وخلقها وأدائها لوظيفتها الطبيعية التي خلقها الله من أجلها.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل