العنوان التيار و المنجرفون
الكاتب إبراهيم عاصي
تاريخ النشر السبت 29-مارس-2008
مشاهدات 75
نشر في العدد 1795
نشر في الصفحة 47
السبت 29-مارس-2008
قديمًا قالوا: لابد للمغلوب من حجة، وحديثا نقول لابد للمتلون المتقلب من عكازة.. لابد له من عكازة يتعكز عليها لدى تسويغه كل لون جديد ينطلي به، أو رأي جديد ينقلب إليه بعد رأي قديم انقلب عليه!!
عكازة هؤلاء المتلونين المتقلبين على الدوام، هو قولهم: تيار.. تيار.. إنه التيار... نحن لا تستطيع أن تقاوم التيار.. نحن مضطرون لأن تجاري التيار.. وهكذا.. تسأل أحدهم: إني لأعرفك إنسانًا شرقي الهوى متحمسًا، فما الذي جعلك غربيَّهُ.. ومن أشد المتحمسين وبهذه السرعة 15 فيقول لك: التيار!
وتبدي عجبك من بعضهم، فتقول له: عهدي بك شابًا مهذبًا محترمًا تعف عن المبادل، وتأنف من مواطن السوء، فمالي أراك بدلت صحبًا بصحب وأخلاقًا بأخلاق وليالي صافية بيضًا بليالي معربدة حمراء؟! فيقول لك: إنه التيار!
وتبدي غيرتك تجاه بعضهم فتعاتبه عشاب الصديق العطوف قائلًا: أنت رجل طيب وأهل حشمة وصلاح، فعلام أهلك. وبناتك في الشوارع كاسيات عاريات؟ فيجيبك إنه التيار.. التيار، وأنا لا أقوى على التصدي للتيار!!
وتظهر دهشتك من قريبة أو نسيبة متسائلا: أنت أنت؟ أم انقلبت إنسانة أخرى؟ وإلا فأين الحشمة التي عرفتك بها؟. وأين الصون الذي تركتك عليه؟ فتجيبك بلا تردد وكان معها الحجة البالغة التي لا رد عليها: لا أريد أن أكون شاذة لا أحب أن أقف ضد التيار!
وترى العجوز متصابية أو الشيخ متخلفًا من وقاره، فتعرب عن امتعاضك فيصرخان في وجهك إنه التيار.. نريد أن نماشي التيار!
وتتندر على بعض أصحاب المبادئ، فتسألهم: أيومًا من أهل اليمين، ويومًا من أهل اليسار فيجيبونك بلا خجل ولا حياء: إنه التيار! ثم لا يسكتون بل يتفلسفون عليك قائلين:
مجنون من يجابه التيار!
وربما مررت بصاحب لك فأنكرته دهشًا، لأنك تعرفه من قبل أحمر اللون فألفيته أصفره أو أسوده أو أزرقه، إلا أن إنكارك إياه لا يدهشه بل يحاول إقناعك باستقامة سلوكه، وبهاء لونه الجديد المتجدد على الدوام، بقوله: إنه أحدث لون.. آخر موضة.. وجامد متخلف كل من لا يمشي مع الوقت ويركب الموجة ويسبح مع التيار!!
انطويت ذات مرة على نفسي.. تأملت مليًّا في حال هؤلاء وهؤلاء.. استعدت في خاطري كلمة تيار.. تيار مرات ومرات... سرح فكري مع أكثر من تيار.. ثم انتبهت من سرحتي انتبهت لأخرج بنتيجة أن التيارات لا تعدو كونها أحد ثلاثة: تيار هوى وتيار هواء، وتيار ماء!!
أما تيار الماء، وهو السيل – فقد رأيته مهما طغى وأرغى، فإنه لا يتمكن من أن يجرف في وجهه كل شيء.. إنه يجرف الحصى والتراب ويجرف حجارة متخلخلة قلقة، ويجرف بيوتًا هشة متداعية، ويسوق أمامه أشياء كثيرة مما هب ودب.. ولكنه يعجز عن الحجارة الكبيرة الراسخة، وعن الحصون المنيعة المتماسكة، وعن الجدر الكتيمة الشامخة.. إنها جميعًا تقاومه وتستعصي عليه.. تبقى صامدة في مكانها ويتلاشى التيار!!
وأما تيار الهواء وهو العواصف فقد رأيته إذا ما جن جنونه فإنه يقصف الأشجار، ويقتلع السقوف ويخلع الأبواب والنوافذ، ويقطع الحبال والأسلاك والأعمدة، ويكاد يجتاح كل شيء في وجهه!!
إلا أن الشامل في النتائج يرى بوضوح وجلاء أن الأشجار التي اقتلعت ما هي إلا أشجار الصفصاف والحور، والزعرور.. أو هي أنابيب القصب والذرة، أو شتول البامية!
وربما كانت أنواعًا من القش ونفايات من التين الطيار وتبقى أشجار الدلب صامدة ويبقى الأرز ثابتًا ويبقى السنديان!!
والمتأمل في النتائج يرى بوضوح تام أيضًا أن السقوف التي اقتلعت ما هي إلا سقوف الحظائر والصفيح والأبواب التي خلعت هي الأبواب التي لم تغلق بإحكام وأن ما قطع من حبال وأسلاك وأعمدة ما هو إلا حبال الغسيل وأسلاك الهاتف القلقة وأعمدته النخرة!! بينما تظل راسخة مستعصية على التيار والعواصف جميع السقوف الأخرى والأبواب والأعمدة والأسلاك والحبال، ويتلاشى التيار!!
وأما تيار الهوى، فهو ما يعتمل عادة في حياة المجتمعات والأفراد من زوابع المبادئ والأفكار، أو زعازع الصراعات والتقليعات.
هذا تيار هو الآخر جارف، وهو مجتاح وخطير بل هو أغلظ عكازة، يتعكز عليها المنجرفون!!
ولكن لو تأملناه مليًّا، ولو نظرنا إلى حركته بإمعان لما وجدناه يجرف معه ويجتاح في طريقه غير الإمعاث من خفاف العقول ومتخلخلي النفوس ومهزوزي الفكر، وضعاف العقيدة.. الذين يجرون مع الهوى وراء المنافع العاجلة والشهوات الزائلة، والصرعات المتبدلة.. الذين لا لون ثابت لهم ولا رائحة، وهؤلاء هم قش الأمة وتينها هم حصاها وتافه ترابها هم. في أحسن الأحوال، قصبها المرتجف المذعور وحبال غسيلها الصدئة المتآكلة!!
فطوبى لمن كان في شموخة كالأرز وفي صلابته كالسنديان، وفي رزانته ورسوخه كشم الجبال، ومنيع القلاع ماكنا في الأرض.. وتعسًا لمن كان غثاء جفاء عرضة للانحراف مع كل تيار يهب عليه وصدق الله العظيم القائل: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ (الرعد: 17).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل