; الغائب الحاضر.. المسلمون في المعسكر الشيوعي | مجلة المجتمع

العنوان الغائب الحاضر.. المسلمون في المعسكر الشيوعي

الكاتب عبيد الأمين

تاريخ النشر الثلاثاء 27-يونيو-1989

مشاهدات 71

نشر في العدد 922

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 27-يونيو-1989

الغائب الحاضر -  المسلمون في المعسكر الشيوعي

الماركسية فشلت في تذويب المسلمين، وفشلت أيضًا في حماية أتباعها من اعتناق الإسلام والتنكر لها.

في ظاهرة لم تعد مستغربة انفجرت الأسبوع الماضي أحداث الاضطرابات في إقليم أوزبكستان بشكل واسع بين الأوزبك والمسكيت، مما استدعى انتقال رئيس وزراء الاتحاد السوفيتي نيكولاي ريجكوف إلى هناك. كما دفعت صدمة الأحداث بالرئيس السوفيتي ميخائيل غور باتشوف بالخروج على حصافته السياسية فصرح قائلًا: «إن الأصولية الإسلامية كشرت عن أنيابها في أوزبكستان، وكانت أحداثًا مشابهة قد شهدتها المنطقة خلال الأشهر الماضية خاصة في جمهوريتي أرمينيا وأذربيجان التي رفع فيها المسلمون الألوية الخضراء ورددوا شعارات إسلامية، كما طالبوا بإبعاد الأرمن عن جمهورية أذربيجان. وفي جورجيا لقي ۲۰ شخصًا مصرعهم في شهر أبريل الماضي، كما حدثت اضطرابات مماثلة في تركمانيا المجاورة لإيران، لعل الجديد الذي امتازت به أحداث أوزبكستان هو أنها شملت عدة آلاف من المواطنين واستخدمت فيها الأسلحة النارية والبيضاء أثناء الاشتباكات، مما أدى إلى موت أكثر من مائة شخص. كما قام المتظاهرون من الأوزبك بمهاجمة مقر الحزب الشيوعي ومراكز الشرطة في مدينة فرغانة وهم يحملون أعلامًا إسلامية.

وفي جمهورية الصين الشعبية قام أكثر من 5 آلاف مسلم صيني بتظاهرات داوية في شهر مايو الماضي رددت فيها شعارات إسلامية، وطالبت التظاهرة باتخاذ موقف جاد تجاه أحد الكتب المنشورة هناك والمتضمن لبعض القدح في الدين، كما إنه ينادي بنشر «عادات جنسية» منافية للأخلاق، وقد استجابت الدولة الصينية لمطالب المتظاهرين المسلمين فمنعت تداول الكتاب وقدمت مؤلفه للمحاكمة. وكانت مناطق صينية أخرى قد شهدت مظاهرات إسلامية وتحركات سياسية بصفة خاصة في كاشغر عاصمة تركستان الشرقية (سينكيانغ).

وفي يوغسلافيا حيث يوجد أكثر من ٥ مليون مسلم يمثلون %٢٥ من سكان الجمهوريات الاتحادية، كانت الاضطرابات والتظاهرات أكثر وضوحًا، وقد تأرجحت بين تظاهرات من أجل إثبات الحقوق المدنية والإسلامية كما هو حال المسلمين في الصرب والجبل الأسود، وبين المناداة بمزيد من الاستقلال الثقافي القومي كما هو الحال في إقليم كوسوفو.

إن هذه الأحداث وغيرها من المؤشرات تدلل على أن أوضاع المسلمين هناك آيلة للتبدل.

 الغياب السياسي

المسلمون في الاتحاد السوفيتي يشكلون نحو ٪۲۳ من إجمالي السكان، أي قرابة ٧٠ مليون، وهم يتكاثرون بمعدلات أكبر من تكاثر السلاف، مما يظهر توقعات المستقبل القريب بأن أكثر من ٣٥ من سكان الاتحاد السوفيتي سيكونون من المسلمين.

وبالرغم من التعداد العالي الذي يحظى به المسلمون في الاتحاد السوفيتي، إلا أنهم لم يُتح لهم ممارسة الإدارة السياسية بما يتوازى والكم العددي الذي يشغلونه؛ ففي طيلة السبعين سنة الماضية من حكم الماركسية لم يتسنَّ المسلم أن يصعد إلى منصب قيادي من الدرجة الأولى، كما أن قيادة مجلس السوفييت الأعلى لم تشهد سوى «ماركسي» واحد من أصول إسلامية هو حيدر علي يف، وكل الذين صعدوا إلى مراكز إدارية سياسية كانوا في حقيقة الأمر مجرد أرقام جامدة مسلوبة الإرادة والتقدير. وينطبق هذا الأمر على الأعمال المدنية كما ينطبق على العسكرية والتقنية الراقية. ويذكر هنا أن السوفييت «السلاف» يتأثرون بالعمل في مجالات الذرة والفضاء، وأما المسلمون فلهم الذرة البيضاء «الحبوب».

فالمسلمون ليسوا محرومين فقط من نيل حقوقهم السياسية، وإنما أيضًا هم مبعدون تمامًا عن مناطق التأثير العلمي والأمني. لقد تمسك الروس بتراثهم الثقافي العنصري وأبت الماركسية أن تحد من الطموحات العرقية لديهم، فالقيادات العسكرية العليا جميعها محجوزة للروس، وإذا وجدت بعض الرتب العليا شاغرة وجاءت المقادير بمسلم لملئها، فإنه سوف يحظى بالرتبة، إلا أن مجال عمله سوف يلحق بإدارة النقليات أو على أحسن حال في مجال التموين والتغذية. وكان الروس يبررون ذلك في سالف الأيام بأن المسلمين متخلفون ومحدودو المواهب، إلا أن هذه الصفة ظلت تطاردهم طيلة السنوات السبعين، فمتى يبلغ الوعي لدى المسلمين سن الرشد؟ لا أحد يعلم

وما يعيشه المسلمون في الاتحاد السوفيتي عاشته تجمعات المسلمين في الصين وربما بصورة أكثر تركيزًا، وخاصة إبان سنوات الثورة الثقافية 1965- ١٩٧٥ وتحكم عصابة الأربعة، وإن كانت أحوال المسلمين في الصين قد شهدت انفراجًا في بداية الثمانينيات، إلا أن هذا لا يمنع تداعي نوعية الصور الاضطهادية البشعة التي شهدتها تجمعات المسلمين هناك، وقد كان العداء على أشُده تجاه كل ما هو لصيق بالفكر الإسلامي، مما أورث مناطق المسلمين حالة مزرية من التخلف، ولولا درجة الصمود العالية التي اعتصم بها المسلمون الصينيون لذابت شخصيتهم تمامًا فضلًا عن مقدرتهم في طرق المستقبل. وإذا كان المسلمون في الاتحاد السوفيتي وفي الصين قد واجهوا سنوات شديدة القتامة تحت نير الأنظمة الماركسية هناك، فإن إخوانهم في اتحاد الجمهوريات اليوغسلافية ليسوا بأحسن حال عنهم، فقد أفرغت قوى الماركسية أساليب وطرائق قددًا من أجل محو الإسلام والمسلمين تمامًا في جمهوريات الصرب والجبل الأسود والبوسنة والهرسك، وحال دون نفاذ تلك المخططات عناية الله وجهد المسلمين الإيماني، وبمرور التجارب والزمن وفقدان الأساليب والمخططات لفعاليتها ابتعدت إدارة تيتو عن تعنتها السابق وبدأت تعامل المسلمين بصورة أقل إرهابًا وتعنتًا، إلا أنها لم تتنازل عن محاصرة ثقافتهم ونشر الفكر الإلحادي بينهم.

هكذا كانت حالة التجمعات الكبرى للمسلمين في دول المعسكر الاشتراكي.

نظرية فاشلة

أبدت سلطات دكتاتورية البرولوتاريا «الصعاليك» وجهًا قمطريرًا تجاه مواطنيها من المسلمين، ومنذ البداية تطلعت دولة الماركسية في تحطيم نظام الحياة الإسلامية تأسيسًا على النظرية الماركسية اللينينية، التي ترفض تقنين الواقع الاجتماعي والسياسي والإداري والاقتصادي ضمن إطار لا يأخذ بالجدلية التاريخية والتفسير المادي للتاريخ، وهو ما يتناقض تمامًا مع النظام الإسلامي القائم على مبادئ اجتماعية تصون الأسرة وتعظم أمر الجماعة وتحترم حقوق الأفراد، كما أن الفكر الإسلامي يصون الملكية الخاصة ولا يهدرها لصالح الدولة إلا تحت ضوابط محدودة ومحددة، ومن هنا كانت معارك المسلمين مع النظرية الماركسية وصور تطبيقاتها الدموية الغاشمة. فواجه المسلمون تصرفات ستالين المتعسفة في نقل وتشتيت الأسر المسلمة وتوزيع المسلمين في مناطق الاتحاد السوفيتي حتى لا تقوم لتجمعاتهم أوضاعًا تشعرهم بتماسكهم المجتمعي واعتصامهم بالدين، وحاول أن يفرض عليهم التعاليم الإلحادية ومنعت عليهم كل وسيلة تصلهم بماضيهم أو تصلهم بالمجتمعات الإسلامية من حولهم، وبذلك ضَرب عليهم ستارًا حديديًّا سعيًا لتفريغ المسلمين من عقائدهم وتحويلهم إلى المادية التاريخية. ومارست الصين «ماو» ذات النهج الستاليني المتنطع في إلحاده فنقل القوميات الصينية غير المسلمة إلى تركستان الشرقية «سينكيانج»، وتمت محاصرة المسلمين وسط أقاليم بها أغلبية غير مسلمة. وجاء دور التعليم ونشر الثقافة الإلحادية تحت شعار الثورة الثقافية، ولكن النتيجة كانت في الصين كما كانت في الاتحاد السوفيتي.. لم ينجح أحد! بل إن مظاهر الفشل لم تكن مجرد امتناع المسلمين عن تعاطي النظرية الماركسية، وإنما تعدته إلى تجنيد بعض القيادات الماركسية المحلية للدخول في الإسلام كما حصل في بعض المقاطعات الصينية، وهو أمر هز القيادة العليا كما أثار غضبها وزلزل ثقتها في عناصرها، فذكرت تقول في بيان لها: «إن قادة العمل الحزبي ليسوا كعامة المواطنين، وإن أي سلوك رجعي عقائدي منهم غير مقبول». فالماركسية لم تكن نظرية سلبية فحسب في أوساط المسلمين، وإنما أيضًا كانت عاملًا طاردًا في أوساط غير المسلمين!!

الصحوة

لقد جاء على الناس زمان انفرط فيه عقد الماركسية المصطنع، وبدأت الشعارات الماركسية تعدل من أوضاعها وتخجل نوعًا ما من المعاني الهلامية التي ظلت ترددها وتحشو بها عقول الجماهير تبنًا وقشًّا، فالانفتاح الصيني الذي ظهر في أواخر السبعينيات طالب بالانفراج الاقتصادي وإقامة علائق جديدة مع الدول الغربية ودول العالم الثالث غير الاشتراكية، وميخائيل غورباتشوف تبنى إعادة بناء الدولة وأقام نقدًا ذاتيًّا واسعًا في أروقة الحزب وفي أوساط الجماهير، وتبدت علائم التغيير والبرو يستريكا في النظام والأجهزة الحزبية والنظم الإدارية وحتى في صلب النظرية، والمسلمون أين هم من تلك التبدلات التي غشيت مجتمعاتهم؟! إن المسلمين في دول الأنظمة الماركسية لم يفت من عضدهم صلابة الصد الشيوعي، كما أن عريكتهم لم تغر عدوهم بمواصلة التجبر والعنت، وحينما اتضحت رؤيا التغيير تضافرت القوى الكامنة وانفجرت في كل الدول الماركسية بلا استثناء.

غير أن المسلمين ليسوا مجرد إشكالية تؤرق الأوضاع الداخلية للأنظمة الماركسية، وإنما هناك جهات خارجية تهتم في وجود المسلمين في دول تُعد نسبيًّا أكثر تقدمًا من البلدان الإسلامية، وهنا يأتي هاجس يتصل بالاستراتيجية الدولية وربما يتولد سؤال يفترض ماذا لو توصلت إحدى الأقليات المسلمة الكبرى لامتلاك الدفة في إحدى الدول الشيوعية؟! سيما أن المسلمين في الاتحاد السوفيتي على وجه الخصوص ستبلغ نسبتهم في مطلع القرن القادم ٣٥% أي أن ثلث السكان من المسلمين. وإذا علمنا أن المسلمين في الاتحاد السوفيتي يحتلون أكثر المناطق خصوبة وأكبرها إنتاجًا للحبوب والقمح، كما أنها غنية أيضًا بالبترول والمعادن، وذات الشيء ينطبق تمامًا على مناطق المسلمين في الصين. وإذا أضفنا لتلك العناصر حيوية المسلمين ومقدرتهم التنظيمية فإن الأمر قد يبدو جدًّا خطير في المستقبل، وهو أمر تنبهت له دوائر الرصد الغربية وتطلعت إلى إيجاد سيناريو علمي يحول دون تحقيق ذلك الحلم المخيف. أصدر مرة أحد مراكز الأمن الأمريكية دراسة تدعو الغرب إلى تبني سياسة «تحريشية» للإيقاع بين الاتحاد السوفيتي والدول الإسلامية المجاورة؛ وذلك باستعداء العقائد المختلفة فيتفانى كل من الإسلام والماركسية وينجو الغرب من نمو الإسلام المتزايد. إن هذا التقرير ليس خياليًّا بالكلية، ولكن ربما يكون أحد التصورات التي يمكن ترشيدها. على كلٍّ إن الغرب يخشى من صحوة المسلمين في كل من الاتحاد السوفيتي والصين ويوغسلافيا، كما يخشى من صحوة البلدان الإسلامية، غير أن خشيته من مسلمي الدول الاشتراكية أكبر، فالمسلمون في الدول الاشتراكية إذا ما سادوا دولهم فإنهم سوف يشكلون معسكرًا غالبًا لا محالة.

 فهل حقًّا إن صحوة الغائب الحاضر سوف تتجسد في مستقبل الأيام ليشهد العالم نظامًا جديدًا؟ العلم عند الله، إلا أن الذي نعلمه هو أن المسلمين ملُّوا من حالة التململ، وأن الصحوة قادمة ولا بد وأن تسود.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 11

121

الثلاثاء 26-مايو-1970

حدث هذا الأسبوع - العدد 11

نشر في العدد 247

99

الثلاثاء 29-أبريل-1975

المجتمع الإسلامي (247)

نشر في العدد 1143

217

الثلاثاء 28-مارس-1995

«تايسون» والإسلام