العنوان زيارة النبي صلى الله عليه وسلم
الكاتب د. أحمد عيسى
تاريخ النشر الخميس 01-يوليو-2021
مشاهدات 67
نشر في العدد 2157
نشر في الصفحة 60
الخميس 01-يوليو-2021
الغزالي عن زيارة المسجد النبوي: إذا بلغت المسجد فاذكر أنه المكان الذي اختاره الله لنبيه ولأول المسلمين وأفضلهم
قف بين يديه وزره ميتاً كما تزوره حياً ولا تقرب من قبره إلا كقربك من شخصه الكريم لو كان حياً
السُّنة لمن زار المدينة أن يبدأ بالمسجد النبوي فيصلي فيه ركعتين والأفضل بالروضة إذا تيسر
.. وأن يزار المسجد النبوي في جميع العام لمن كان حاضراً قريباً في أرض الحجاز
يُندب لكل حاج زيارة النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فزيارته من أعظم القربات، وأربح المساعي، وأفضل الطلبات، وزيارة النبي بعد وفاته تتحقق بزيارة قبره صلى الله عليه وسلم، وقد أجمعت الأمة الإسلامية سلفاً وخلفاً على مشروعية زيارة النبي صلى الله عليه وسلم؛ حيث ذهب جمهور العلماء من أهل الفتوى في المذاهب إلى أنها سُنة مستحبة، وقالت طائفة من المحققين: هي سُنة مؤكدة، تقرب من درجة الواجبات، وهو المفتى به عند طائفة من الحنفية(1).
جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» (رواه البخاري)، وقال عليه الصلاة والسلام: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» (البخاري)، قال الغزالي في «الإحياء»: «فإذا وقع بصرك على حيطانها، فتذكر أنها البلدة التي اختارها الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم، وجعل إليها هجرته، وأنها داره التي شرع فيها فرائض ربه عز وجل وسُنته، وجاهد عدوه وأظهر بها دينه، إلى أن توفاه الله، ثم جعل تربته فيها، وتربة وزيريه القائمين بالحق بعده، رضي الله عنهما.
ثم مثّل في نفسك مواقع أقدام رسول الله صلى الله عليه وسلم عند تردداته فيها، وأنه ما من موضع قدم تطؤه إلا وهو موضع أقدامه العزيزة، فلا تضع قدمك عليه إلا عن سكينة ووجل.
وتذكر مشيه وتخطيه في سككها، وتصور خشوعه وسكينته في المشي، وما استودع الله سبحانه قلبه من عظيم معرفته ورفعة ذكره مع ذكره تعالى، حتى قرنه بذكر نفسه، وإحباطه عمل من هتك حرمته ولو برفع صوته فوق صوته، ثم تذكر ما منّ الله تعالى به على الذين أدركوا صحبته، وسعدوا بمشاهدته، واستماع كلامه، وأعظم تأسفك على ما فاتك من صحبته وصحبة أصحابه رضي الله عنهم».
وأضاف: «ثم إذا كنت أنا معهم فلعلي أذكر أنني قد فاتتني رؤيته في الدنيا، وأني من رؤيته في الآخرة على خطر، وأني ربما لا أراه إلا بحسرة، وقد حيل بيني وبين قبوله إياي بسوء عملي، كما قال صلى الله عليه وسلم: «لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ ناسٌ مِن أصْحابِي الحَوْضَ، حتَّى عَرَفْتُهُمُ اخْتُلِجُوا دُونِي، فأقُولُ: أصْحابِي، فيَقولُ: لا تَدْرِي ما أحْدَثُوا بَعْدَكَ» (رواه البخاري)، فإن تركت حرمة شريعته ولو في دقيقة من الدقائق فلا آمن أن يحال بيني وبينه بعدولي عن محجته.
وليعظم مع ذلك رجاؤك ألا يحول الله تعالى بينك وبينه، بعد أن رزقك الإيمان، وأشخصك من وطنك لأجل زيارته من غير تجارة ولا حظ في الدنيا، بل لمحض حبك له وشوقك إلى أن تنظر إلى آثاره، وإلى حائط قبره، إذ سمحت نفسك بالسفر، لأنه قد فاتتك رؤيته، فما أجدرك بأن ينظر الله تعالى إليك بعين الرحمة».
رجاء رحمة الله
وقال رحمه الله تعالى: «فإذا بلغتَ المسجد، فاذكر أنه المكان الذي اختاره الله سبحانه لنبيه، ولأول المسلمين وأفضلهم، وأن فرائض الله سبحانه أول ما أقيمت في تلك العرصة، وأنها جمعت أفضل خلق الله حياً وميتاً؛ فليعظم أملُك في الله سبحانه أن يرحمك بدخولك إياه فادخله خاشعاً معظِّماً.
وما أجدر هذا المكان بأن يستدعي الخشوع من قلب كل مؤمن، كما حُكي أنه حج أويس القرني رضي الله عنه، ودخل المدينة، فلما وقف على باب المسجد قيل له: هذا قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فغشي عليه، فلما أفاق قال أخرجوني، فليس يلذ لي بلد فيه محمد صلى الله عليه وسلم مدفون».
ينبغي أن تقف بين يديه، وتزوره ميتاً كما تزوره حياً، ولا تقرب من قبره إلا كما كنت تقرب من شخصه الكريم، لو كان حياً، وكما كنت ترى الحرمة في ألا تمس شخصه ولا تقبّله، بل تقف من بعد ماثلاً بين يديه، فكذلك فافعل، وأحضر عظيم رتبته في قلبك، فقد روي عنه صلى الله عليه وسلم: «إنَّ للَّهِ ملائِكةً سيَّاحينَ في الأرضِ، يُبلِّغوني من أُمَّتي السَّلامَ» (صحيح النسائي)، وهذا في حق من لم يحضر قبره، فكيف بمن فارق الوطن، وقطع البوادي شوقاً إلى لقائه، واكتفى بمشاهدة مشهده الكريم، إذ فاته مشاهدة غرته الكريمة؟!
وقال صلى الله عليه وسلم: «من صلَّى عليَّ واحدةً صلَّى اللهُ عليه عشراً، وحطَّ عنه عشرَ خطيئاتٍ» (صحيح الأدب المفرد)، فهذا جزاؤه في الصلاة عليه بلسانه، فكيف بالحضور لزيارته ببدنه؟ ثم ائت منبر الرسول صلى الله عليه وسلم، وتوهم صعود النبي صلى الله عليه وسلم المنبر، ومثّل في قلبك طلعته البهية كأنها على المنبر، وقد أحدق به المهاجرون والأنصار رضي الله عنهم، وهو صلى الله عليه وسلم يحثهم على طاعة الله عز وجل بخطبته، وسل الله عز وجل ألا يفرق في القيامة بينك وبينه(2).
لماذا قبره صلى الله عليه وسلم داخل المسجد؟
إن كان هذا هو المشاهد اليوم، فإنه لم يكن كذلك في عهد الصحابة رضي الله عنهم؛ فإنهم لما مات النبي صلى الله عليه وسلم دفنوه في حجرته التي كانت بجانب مسجده، وكان يفصل بينهما جدار فيه باب، كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج منه إلى المسجد، والصحابة رضي الله عنهم حينما دفنوه صلى الله عليه وسلم في الحجرة، إنما فعلوا ذلك كي لا يتمكن أحد بعدهم من اتخاذ قبره مسجداً، كما في حديث عائشة عَنِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَ في مَرَضِهِ الذي ماتَ فِيهِ: «لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ والنَّصارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيائِهِمْ مَسْجِداً»، قالَتْ: ولَوْلا ذلكَ لَأَبْرَزُوا قَبْرَهُ غيرَ أنِّي أخْشَى أنْ يُتَّخَذَ مَسْجِداً. (رواه البخاري).
ولكن وقع بعدهم ما لم يكن في حسبانهم! ذلك أن الوليد بن عبدالملك أمر عام 88هـ بتوسيع المسجد النبوي وإضافة حُجرات أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه، فصار القبر بذلك في المسجد، ولم يكن في المدينة أحد من الصحابة حينذاك، وكان ذلك على خلاف غرضهم، حين دفنوه في حجرته صلى الله عليه وسلم، فلا يجوز لمسلم بعد أن عرف هذه الحقيقة أن يحتج بما وقع بعد الصحابة، لأنه مخالف للأحاديث الصحيحة، وهو مخالف أيضاً لصنيع عمر، وعثمان، حين وسّعا المسجد ولم يُدخلا القبر فيه(3).
قال النووي: ولما احتيجت الزيادة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كثر المسلمون، وامتدت الزيادة إلى أن دخلت بيوت أمهات المؤمنين فيه، بنوا على القبر حيطاناً مرتفعةً مستديرةً حوله، لئلا يظهر في المسجد، فيصلى إليه، ويؤدي إلى المحذور، ثم بنوا جدارين من ركني القبر الشماليين وحرفوهما حتى التقيا، حتى لا يتمكن أحد من استقبال القبر(4).
آداب الزيارة
والسُّنة لمن زار المدينة المنورة أن يبدأ بالمسجد النبوي؛ فيصلي فيه ركعتين، والأفضل أن تكونا في الروضة النبوية إذا تيسر، لقوله صلى الله عليه وسلم: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي» (رواه البخاري)، ثم يأتي القبر الشريف فيسلم على النبي وعلى صاحبيه رضي الله عنهما، يستقبلهم استقبالاً، وصفة السلام أن يقول: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، وإن زاد فقال: صلى الله وسلم عليك وعلى آلك وأصحابك، وجزاك الله عن أمتك خيراً، اللهم آته الوسيلة والفضيلة وابعثه المقام المحمود الذي وعدته، فلا بأس، ثم يتأخر عن يمينه قليلاً، فيسلم على الصدِّيق فيقول: السلام عليك يا أبا بكر ورحمة الله وبركاته، رضي الله عنك، وجزاك عن أمة محمد خيراً، ثم يتأخر قليلاً عن يمينه ثم يسلم على عمر رضي الله عنه مثل سلامه على الصدِّيق رضي الله عنهما(5).
والزيارة ليس لها علاقة بالحج، بل السُّنة أن يزار المسجد النبوي في جميع العام، ولكن من كان حاضراً قريباً في أرض الحجاز فهنيئاً له زيارة المدينة المنورة، وزيارة الحبيب صلى الله عليه وسلم، برّد الله شوقنا إليه بزيارته في الدنيا، ورؤيته في الآخرة.
المصادر
(1) الموسوعة الفقهية الكويتية، ج24، ص83.
(2) إحياء علوم الدين، أبو حامد الغزالي، دار المعرفة، ج1، ص271-272، بتصرف.
(3) شبهات حول اتخاذ القبور مساجد وحكم مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، موقع الدرر السنية، بتصرف.
(4) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، للنووي، دار إحياء التراث العربي، ج5، ص14.
(5) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، ابن باز، دار القاسم، ج17، ص411.