العنوان واحة الإيمان: الأخفياء
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 05-أغسطس-1986
مشاهدات 84
نشر في العدد 778
نشر في الصفحة 41
الثلاثاء 05-أغسطس-1986
من هم الأخفياء؟
هم الذين علموا أن أحد شرطي قبول الأعمال «الإخلاص لله»، وهو ابتغاء وجه الله في كل عمل يقوم به الإنسان، فلما علموا ذلك حرصوا على إخفاء أعمالهم؛ طمعًا في القبول وهروبًا من خطورة الرياء، بعد أن قرؤوا خبر أول ثلاثة تسعر فيهم النار يوم القيامة، وهم قارئ للقرآن، ومنفق لماله في الخير، ومجاهد في سبيل الله، بسبب عدم ابتغائهم وجه الله (۱)، فبالغوا بإخفاء أعمالهم خوفًا من العقاب، وعلى هذا الطريق ربوا أتباعهم، فهذا هو الإمام الجيلاني يقول لتلميذه «اعمل وأخلص، ولا تنظر إلى عملك في الجملة، لا يقبل إلا ما أردت به وجهه لا وجه الخلق، ويحك تعمل للخلق، وتريد أن يقبله الحق عز وجل، هذا هوس منك» (۲)، وهذا مفسر القرآن التابعي الجليل أبو العالية يقول: «قال لي أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- لا تعمل لغير الله؛ فيكلك الله -عز وجل- إلى من عملت له» (۳)، والمرائي يأتي يوم القيامة بأعمال كالجبال يجعله الله هباء منثورًا، فعبثًا يتعب نفسه في الدنيا ليلاقي في الآخرة تعبًا أشد لهذا صاح «الأخفياء» في وجه من لا يخلص ألا يتعب نفسه، فهذا تلميذ الإمام الحسن البصري، مالك بن دينار يقول «قولوا لمن لم يكن صادقًا لا يتعنى» (٤).
ابن الجوزي يصفهم:
يبين الإمام ابن الجوزي الفرق بين الأخفياء وغيرهم فيقول: «فرب خاشع ليقال ناسك، وصامت ليقال خائف، وتارك للدنيا ليقال زاهد، وعلامة المخلص أن يكون في جلوته كخلوته، وربما تكلف بين الناس التبسم والانبساط لينمحي عنه اسم زاهد، فقد كان ابن سيرين يضحك بالنهار، فإذا جن الليل فكأنه قتل أهل القرية» (٥)، هكذا كانوا، فليس للناس في حسابهم شيء، وما يقلقهم إلا نظر الحق إليهم، ويتعب كثيرًا من ينتظر نظر الناس إليه، وهذا ما دعا الإمام ابن القيم أن يقول أنفع العمل أن تغيب فيه عن الناس بالإخلاص، وعن نفسك بشهود المنة، فلا ترى فيه نفسك ولا ترى الخلق» (٦).
صور من إخفاء عبادتهم:
يقول التابعي أيوب السختياني: «والله ما صدق عبد إلا سره ألا يشعر بمكانه» (۷) يقول عنه المحدث الثقة حماد بن زيد كان أیوب ربما حدث بالحديث فيرق فليتفت فيتمخط ويقول: ما أشد الزكام» (۸)، يظهر أ نه مزكوم لإخفاء البكاء، رجاءة أن يكون ممن يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.
فإذا فشل أحدهم باصطناع المرض لإخفاء الدموع فإنه يقوم خشية أن يكشف أمره هذا- ما ذكره الإمام البصري إذ يقول: إن كان الرجل ليجلس المجلس فتجيئه عبرته فيردها فإذا خشي أن تسبقه قام» (۹).
وحرصًا منهم على هذه الصفة، كان أحدهم كما يقول التابعي محمد بن واسع: «أن كان الرجل ليبكي عشرين سنة وامرأته معه لا تعلم» (۱۰) أي مبالغة هذه بالإخلاص، وأي درجة من الإخفاء هذه، تجعل زوجته وهي أقرب الناس إليه لا تعلم عن بكائه وهو يناجي ربه بالليل منذ عشرين سنة لشدة خوفهم من الرياء.
فقد جاء في ترجمة الإمام الماوردي «أنه لم يظهر شيئًا من تصانيفه في حياته، وإنما جمع كلها في موضع، فلما دنت وفاته وقال لشخص يثق إليه: الكتب التي في المكان كلها الفلاني كلها تصنيفي، وإنما عاينت الموت ووقعت في النزع فاجعل يدك في يدي، فإن قبضت عليها وعصرتها فاعلم أنه لم يقبل مني شيء منها، فاعمد إلى الكتب وألقها في دجلة ليلًا، وإن بسطت يدي ولم أقبض على يدك فاعلم أنها قبلت، وأني قد ظفرت بما كنت أرجوه من النية الخالصة، قال ذلك الشخص:
فلما قارب الموت وضعت يدي في يده فبسطها ولم يقبض على يدي، فعلمت أنها علامة القبول فأظهرت كتبه بعده» (۱۱)، كتب قد قضى عمره كله في كتابتها، يسهر الليالي، ويحرم نفسه من النوم، ثم يود بعد ذلك كله بأن تلقى في نهر دجلة خوفًا من الرياء.
وقبله كان الإمام الشافعي يقول وددت أن الناس تعلموا هذا العلم، ولا ينسب إليَّ شيء منه أبدًا فأؤجر عليه ولا يحمدوني» (۱۲) فهو يظن أن حمد الناس له منقصة في الأجر ونقصًا في صفة الخفاء التي عشقوها.
(۱) حديث الثلاثة الذين تسعر فيهم النار أخرجه مسلم. (١٩٠٥)
(۲) الفتح الرباني ص ٣٦.
(۳) صفة الصفوة 3/۲۱۲.
(4) صفة الصفوة ۲۸۳/۳.
(٥) صيد الخاطر ٣٥٩.
(6) الفوائد ٧٦ النفائس.
(۷) صفة الصفوة ٢٩٤.
(۸) صفة الصفوة ٢٩٥.
(۹) الزهد لأحمد ٢٦٢.
(۱۰) صفة الصفوة 3/٢٦٩.
(۱۱) وفيات الأعيان 3/۲۸۲.
(۱۲) البداية والنهاية 10/٢٥٣.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل