; بين علماء الشرع وعلماء السلطة!! | مجلة المجتمع

العنوان بين علماء الشرع وعلماء السلطة!!

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 20-أبريل-1993

مشاهدات 72

نشر في العدد 1046

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 20-أبريل-1993

العلماء في الإسلام منارات هداية، وشموس معرفة، وحداة ركب، وقادة أمة، ورواد حضارة، يعدهم الإسلام لكشف الظلمات، وتبديد الجهالات، وصيانة الحرمات، ويربيهم لرفع الظلم، ودفع البغي، ورد الحقوق، وإقامة شرع الله في الأرض. يقول عنهم الإمام أحمد -رضي الله عنه: «الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى، ويبصرون من زاغ إلى الصراط المستقيم، يحيون بكتاب الله تعالى الموتى، ويهدون بنور الله أهل العمى؛ فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس، وما أقبح أثر الناس عليهم؛ ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عنان الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، مجمعون على مفارقته، ويقولون فيه وعلى الله وفي الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم؛ فنعوذ بالله من فتنة المضلين».

وقال فيهم الإمام ابن القيم -رضوان الله عليه: «فقهاء الإسلام ومن دارت على أقوالهم الفتيا بين الأنام، الذين خصوا باستنباط الأحكام، وعنوا بضبط قواعد الحلال والحرام، فهم في الأرض بمنزلة النجوم من السماء، بهم يهتدي الحيران في الظلماء، وحاجة الناس إليهم أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب، وطاعتهم أفرض عليهم من طاعة الأمهات والآباء بنص كتاب الله، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (النساء:59).

وضلال الناس بفقد العلماء معلوم ومفهوم، يقول صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينزع العلم من الناس انتزاعًا، ولكن يقبض العلماء؛ فيرفع العلم معهم، ويبقى في الناس رؤوس جهال، يفتون بغير علم، فيضلون ويضلون».

هذا وكان العلماء على مر العصور لا يخشون لومة لائم، يقولون بالحق، ويقارعون الطغاة بالحجة، ويلزمونهم بالكتاب والسنة.

رُوِي عن عطاء بن أبي رباح أنه دخل على عبدالملك بن مروان في خلافته، فلما بصر به قام إليه وأجلسه معه على سريره، وقعد بين يديه، وقال له: يا أبا محمد، ما حاجتك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، اتق الله في حرم الله وحرم رسوله، فتعاهده بالعمارة، واتق الله في أولاد المهاجرين والأنصار، فإنك بهم جلست هذا المجلس، واتق الله في أهل الثغور؛ فإنهم حصن المسلمين، وتفقد أمور المسلمين، فإنك وحدك المسؤول عنهم، واتق الله فيمن على بابك، فلا تغفل عنهم، ولا تغلق بابك دونهم. فقال له: أفعل، ثم نهض وقام. فقال له عبدالملك: يا أبا محمد، إنما سألتنا حاجة لغيرك، وقد قضيناها، فما حاجتك أنت؟ فقال: ما لي إلى مخلوق حاجة، ثم خرج. فقال عبدالملك: هذا وأبيك الشرف!

والأمثلة على هذا كثيرة في القديم والحديث، فقد قرأنا وسمعنا كثيرًا عن دور العلماء في دفع الاستبداد والظلم عن الشعوب، وعن دورهم في مقاومة الغازي والمحتل ومصارعته، ودور العز بن عبدالسلام معروف في دفع المغول عن مصر والعالم الإسلامي، ودور العلماء في الأزهر معروف في صد الحملة الفرنسية على مصر ومقاومة الطغاة والمحتلين، ولعل الموقف الذي وقفه عمر مكرم من الغزو الفرنسي كان بداية المقاومة العنيفة للفرنسيين؛ حيث نادى الشعب أن يهب لحماية نفسه بعد انكسار جند الولاة الخائبين، وكان جواب الشعب باهرًا نبيلًا؛ إذ لبى جميعه نداء الواجب، فخرج كل من في القاهرة وضواحيها من الرجال والشبان حتى لم يبق أحد إلا الضعفاء، وجاء كل منهم بما عنده من مال قليل، دراهم اقتطعها الفقراء من أقواتهم وأقوات عيالهم، وجاءوا بها ليشتروا سلاحًا وذخيرةً، وانفجر البركان، وانطلق رجال الأزهر -شيوخه وطلابه- يتنادون بالثورة، وظلت الحياة مشتعلة، والمقاومة مستمرة؛ حتى خرج المستعمرون في تاريخ ناصع البياض مشرق السمات.

ولكن حينما يصبح العلماء تجار فتاوى، وسماسرة سلطة، ومصفقي حفلات، ومروجي مظالم، ومثبطي همم، وآكلي سحت؛ يتمرغ العلم والعلماء في الأوحال، ويتلطخ الشرف والهامات بالأقذار، وتصبح التعاليم أضحوكة، والمناهج أكذوبة، والفتاوى ضلالًا كبيرًا. وما أروع قول الإمام الدميري رضي الله عنه:

أأشقى به غرسًا وأجنيه ذلة                    إذن فاتباع الجهل قد كان أحزما

ولو أن أهل العلم صانوه صانهم               ولو عظموه في النفوس لعظما

ولكن أهانوه فهان ودنسوا                      محياه بالأوحال حتى تجهما

فهل يرجع للعلم شرفه؟ وهل يعود للعالم هيبته ودوره؟ وهل تعتدل الموازين ويتوارى علماء السلطة؟! نسأل الله ذلك.

اقرأ أيضًا:

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 740

191

الثلاثاء 05-نوفمبر-1985

لماذا نستخدم الرسوم والصور؟