; الفصام النكد إلى أين!! | مجلة المجتمع

العنوان الفصام النكد إلى أين!!

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 29-سبتمبر-1992

مشاهدات 53

نشر في العدد 1018

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 29-سبتمبر-1992

 

الفصام النكد: مرض الأمة وانهيار الشخصية

التناقض الحاد في السلوك والقيم

يَكْرَهُ الكذب والنفاق، والغش والخداع، والفساد والانحطاط، والاستعمار والضياع والتخلف، ولكنه يفعل ذلك كله ويؤيده ويتحمس له ويهتف به.

 

يعتقد بالله ويؤمن به، ويصلي ويصوم ويحج ويرتل القرآن ويوقره ويصدق به، ويقرأ أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ويعتقد بصحتها ونفعها وهديها، لكنه يخالف كل ما يعتقد، ويسير عكس ما يؤمن به، ويعمل ضد ما يوقره ويصدق به ويؤمن بنفعه.

 

يحدثك عن الأخوة، ويفترسها، وعن الجهاد وهو بَاغٍ قاتل، وعن الرحمة وهو وحش كاسر، وعن حرمة النفس المؤمنة، وهو هاتك للحرمات مُفْتَضِح للأعراض، وعن الاتحاد وهو مقطع للأوصال مفرق للجماعات. يحدثك عن الضمير وعن النزاهة وعن الرجولة وعن حرية الرأي، وعن العدل والحق، وعن النفع والصالح العام، وعن التجرد والفضيلة والطهارة، وعن المروءة والنجدة، وهو يحاول جهده أن يتجرد من كل ذلك ويحاربه ويكره حملته ومعتنقيه. يحدثك عن الحضارة، وعن التقدم وعن التكنولوجيا، وعن البحث العلمي وعن الإنتاج والتصنيع، وهو يعيش في القرون الجاهلية ويتعشقها ويهيم بها حُبًّا.

 

ويحدثك عن الفكر والمفكرين، وعن الإصلاح والمصلحين، وعن أصحاب الأقلام وأهل الرأي، وفرسان الثقافة والأدب ويشيد بهم، وهو من ألد أعدائهم وأشد خصومهم، يضيق بهم ذَرْعًا، ولا يُصِيخُ لهم سمعًا. ثم يحدثك عن السياسة والساسة، وعن الموازنات والتكتلات والأحزاب والبرامج والمشاريع والخطط والأهداف، وكأنه مبدع نظرياتها، أو حامل لواء السبق فيها، ثم تراه يخالف أبسط قواعدها، وتنطلي عليه أدنى حيلها، ويسير في عكس اتجاهها حُرًّا مختارًا غير عابئ بعواقبها، أو مقدر لنتائجها.

(النفاق في الإسلام)

 

الانفصام النكد ومحق الشخصية

هذه الشرائح أصبحت هذه الأيام في الناس كثرة كاثرة، يقودها هذا الانفصام النَّكِد، الذي يَمْحَقُ الشخصية، ويمزق الذاتية، ويجعلها غير قادرة على ضبط أي حساب أو رصد أي توجه، ويصيرها مقتًا على نفسها وعلى المجتمع، الذي تعيش فيه، وصدق الله حين حذَّر الفئة المؤمنة من هذا الضياع، وهذا المقت، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ (الصف: 3 ـ 4).

 

وإذا أردنا أن نُشخِّص هذا الداء الوبيل، الذي أضاع شخصية الأمة وَعَفَا على رجولتها، وهدم توجهها، نقول:

 

تشخيص الداء الوبيل (سبع تساؤلات)

هل هو خلل في ذاكرة الأمة، فنسيت مواقفها وتاريخها، ومثلها وتراثها النَّاهِض الدافع؟.

 

أم خلل في العمليات العقلية، التي طغت عليها النزعات الشخصية، والعادات الدونية؟.

 

أم هو خلل في الانفعالات التي كان يجب أن توجه إلى الغايات والأهداف فوُجّهت إلى الشهوات والأطماع؟.

 

أم خلل في القدرة على إصدار الأحكام، وفي القدرة على إحكام الضوابط الخلقية المؤثرة في التصرفات، فأصبح الخير يساوي الشر، والفساد يساوي الصلاح، والرذيلة تساوي الفضيلة، بل قد تفوقها!!.

 

أم هو خلل في التوجه نحو الزمان أو المكان أو الأشخاص، فأخطأنا إيقاعات العصر، وفهمناها على غير المراد منها، ونسينا بيئتنا وشخصيتنا، وخدعنا أو فرغنا من محتوانا، وأصبحنا مسخًا مشوهًا لا يَمُتُّ إلى أي من بني الإنسان بصلة، بل إلى الهوام أو الوحوش أقرب.

 

أم هو خلل في التربية والتعليم، هدم الثوابت، وأفْرَغَ المضمون، وأرْجَحَ العقول، وشتت التوجه، وشرد الملكات، وأضاع الأهداف، وطمس الهوية، وغزا الفكر، وأضاع المقدس؟. 

 

أم هو الجهل في دنيا العلم، والعمى في دنيا البصيرة والنور، والترهل في دنيا العزائم؟ أم هو كل ذلك؟ فنحتاج إلى عناية الله، ثم إلى رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وإنهم لقادمون، إن شاء الله، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء.

 


 


 


 


 

 

 

 

 

 

 

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

152

الثلاثاء 31-مارس-1970

مقامة

نشر في العدد 34

101

الثلاثاء 03-نوفمبر-1970

لا... يا أمير المؤمنين

نشر في العدد 242

100

الثلاثاء 25-مارس-1975

المزيّفون